عادة ما تخشى أشرعة القوارب نوعين من الرياح وهي العاصفة القوية أو الهدوء النسبي، ولكن الأشرعة الوحيدة التي لا تتمزق، مهما امتلأت بالريح موجودة فقط في كتاب «شراع الريح» للمؤلف إبراهيم مبارك الصادر عن ندوة الثقافة والعلوم، حيث يتطرق إلى أكثر من 60 موضوعاً شيقاً، يرسم جزءاً منها معالم البيئة الإماراتية الرائعة والتراث الأصيل.

بينما يشكل الجزء الآخر إضاءة جميلة على الأنشطة الثقافية وكيفية بناء أجيال داعمة ومساندة للنشاط الأدبي والفني في الدولة، وفي حوار خاص مع «البيان» أكد إبراهيم مبارك أهمية ضبط برامج المسابقات الشعبية التي انحرفت عن أهدافها.

لاسيما وأنها لا تعزز الثقافة التراثية بل تقدم فوزاً مجانياً للجمهور من دون دراية أو معرفة، كما طلب بأن تتم دراسة الأعمال الدرامية دراسة وافية لأن المثقفين أضاعوا البوصلة.

بر الأمان

«شراع الريح» سلسلة من المواضيع المتنوعة التي تطال جوانب مختلفة من الحياة، فتارة يسرد إبراهيم مبارك ذكرياته مع البحر وأشجار النخيل والرطب ويتحدث بفخر عن دعم دولة الاتحاد للثقافة والمثقفين والآداب والفنون، وتارة أخرى نجده حازماً جاداً تجاه ما يهدد التواصل بين الشعوب ويعيق بناء مبدعين حقيقيين.

وفي هذا الإطار يقول إبراهيم مبارك: أشرعتي تعانق الريح التي تساهم في دفع القارب إلى بر الأمان، وقد اخترت موضوعات الكتاب بعناية فائقة، وطرحت بعض الأفكار الخاصة بجرأة ووضوح في سبيل الحفاظ على التراث بالدرجة الأولى والارتقاء بمستوى الثقافة وتعزيز التواصل بين المثقفين.

تحولات

وحول قدرة كتابه على التواصل مع أجيال عازفة عن القراءة، قال: «من الطبيعي أن يكون هناك عزوف عن القراءة في ظل عصر «الشورت»، وأقصد «شورت» القراءة السريعة والسهلة والتماشي مع التحول السريع في كل شيء، ولكن هذا لا يلغي وجود شريحة واسعة من القراء الذي يقدرون العمل الأدبي ويحرصون على القراءة الأدبية ويحترمون الكتاب والكاتب المبدع».

بوصلة المعرفة

وتابع: «يكره الإنسان العربي الكتاب والقراءة لأنه ملّ الحفظ والتسميع في المدرسة، وهذا يفسر انجذابه بسهولة للمجلات الفنية والرياضية التي تسلي القلب بمحتواها ولغتها البسيطة وتبعده عن أخبار الدار والجار والمعتدي والجبار.

وتعلقه ببرامج الوسائل المرئية التي لم تترك وقتاً للقراءة والقارئ والمطالعة الجادة، لا سيما وإنها تحاط بدعاية رنانة وتخصص لها ميزانيات هائلة بهدف السيطرة المطلقة على حواسه وبالتالي يسهل تلويث أفكاره وتوجيهها.

وبالنسبة لي فقد كنت أتمنى ألا يقدم التلفزيون المسلسلات التي تنكأ الجراح وتبعث الألم والحقد والضغائن التي نسيها الجميع ومنها على سبيل المثال مسلسل «ساهر الليل»، حيث تشكل تلك النوعية من المسلسلات عقبة أمام توحيد صفوف العرب من المحيط إلى الخليج.

فضلاً عن أنه لا فائدة تُرجى من إنتاجها، وكم أتمنى أن يستغني القائمون على القنوات الفضائية عن تلك المسلسلات التي لا تقدم سوى التفرقة والتمزق بين أبناء الوطن العربي، وأن يعززوا دور الندوات والنقاشات الجادة التي تخدم المجتمع، وأن تتم دراسة الأعمال الدرامية دراسة وافية لأن البوصلة ضاعت عند معظم الفنانين والمثقفين».

فوز مجاني

وعن تقييمه لمستوى المادة التراثية والصورة التي تبث من خلالها عبر القنوات المحلية، أكد إبراهيم مبارك أن برامج المسابقات التراثية ظاهرة جميلة ومهمة للتعريف بتراث الدولة وحياة أهلها من منطقة إلى أخرى، وأوضح أن جهود المُعدين في تقديم المادة المناسبة، كونهم أصحاب اختصاص وينتمون لهذه البيئة وأهلها، هو الشيء المفرح في هذه البرامج.

لا سيما وأن بعض المذيعين وعلاوة على الخلط بين التعريفات والمسميات، فإنهم يعجزون في أوقات كثيرة عن نطق بعض المفردات والمصطلحات بشكل صحيح، وغالباً ما يتفوق الجمهور المتواصل مع هذه البرامج على مذيعيها.

وقال: «لقد انحرف الهدف من هذه النوعية من البرامج، حيث أصبحت ساحة لتوزيع الأموال والجوائز ببساطة، حتى إن الفوز فيها مجاني ولا يقوم على معرفة حتى أبسط المفردات التراثية أو الاجتماعية أو الثقافية.

وهذا يستدعي التحرك بسرعة لضبط برامجنا الشعبية، فلا بد أن نكون جادين في التعريف بالحياة القديمة وبيئة الإمارات، لكي نشجع الجمهور على الوصول إلى المعلومة الصحيحة بعد جهد حقيقي والعودة إلى أصل الأشياء».

إبداع سينمائي

وبسؤاله عن أهم المشاريع الثقافية والفنية الحالية، أكد أن الاهتمام بالسينما والاشتغال عليها بجدية يعد مكسباً مهماً، وأوضح أن امتلاك الدولة لبنية تحتية متكاملة من صالات وقاعات ومسارح وأماكن للعروض، وأيضاً جمهور كبير ومختلف الأجناس، يؤهل الجيل الجديد على الإبداع في عالم السينما، وقال: «السينما هي الأهم والأجمل في عالم الفنون وعندما يعود لهذا الفن الرفيع الاهتمام هنا في الدولة عبر مهرجان أبوظبي السينمائي ومهرجان دبي السينمائي.

فإن ذلك يؤكد اقترابنا من قاعدة جديدة ومهمة للعناية بالسينما وبالأفلام السينمائية وبالمشتغلين عليها، كما يدفعنا للتفكير بالاشتغال سينمائياً على مواقع وأجزاء من الدولة وتحويلها إلى عمل إبداعي، مثل بناء وحفر الأفلاج في العين والحكايات الغرائبية عن الأوائل الذي حفروا تحت الأرض لتمر «الأفلاج» مسافات طويلة، حيث يُقال إن الجن كان أيضاً مشاركاً في الحفر، إننا نملك حكايات جميلة ولكن أين السينمائي الفطن».

تواصل اجتماعي

على صعيد آخر، نفى إبراهيم مبارك تواصله مع معجبيه عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو حتى اعتماده عليها للوصول إلى أكبر شريحة من القراء، وقال: «رغم استقطاب شبكات التواصل الاجتماعي لشريحة كبيرة من الجمهور، إلا إنني لست نشطاً عليهاً لأنها من الأسباب التي أسهمت في قتل الإبداع لدى كثير من المبدعين، فبخاصيتي القص واللزق شاعت السرقة الأدبية وانتشرت الأكاذيب والأقاويل التي ساهمت في نشر الفساد وتحقير الآخرين، ولم يعد هناك خصوصية».

إضاءة

إبراهيم مبارك عضو في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وفي ندوة الثقافة والعلوم، وجمعية كشافة الإمارات وجمعية المعلمين، ومن إبداعاته الأدبية ثلاث مجموعات قصصية هي: «الطحلب» الصادرة عام 1987، و«عصفور الثلج» الصادرة عام 1991، و«خان» الصادرة عام 1999، ومن مؤلفاته: كتاب «الكشافة في الإمارات» وكتاب «سواحل البحر» وكتاب «صدى المسرح».

«شراع الريــــــــــــــــــــح» استعراض

رشيق لمعالــــــــــــــــــــــم البيئة الإماراتية

 

يتنقل إبراهيم المبارك في كتابه «شراع الريح» بين محطات كثيرة ومتنوعة، يستعرض خلالها معالم البيئة الإماراتية الجميلة وبعض فعالياتها الثقافية مثل معرض الكتاب، ومهرجان الإمارات للآداب، واتحاد كتاب وأدباء الإمارات، كما يتحدث أيضاً عن الزخم والنشاط والثقافي والفني الذي يزدهر في الدولة، مؤكداً أن بناء الدولة يتطل تلاحم كل جهات وقوى العمل وأيضاً البرامج العلمية والفنية والتربوية والثقافية.

تنمية الإبداع

يشير إبراهيم مبارك في كتابه إلى جهود الدولة في دعم الثقافة والفن والمعرفة وأوضح أن ما ساعدها في دفع هذا العمل الجديد إلى مسافات بعيدة هو جمال مدنها الساحلية والحرية وسعة الفكر، والأهم التراكم الكمي والكيفي للمجهودات الفردية الجماعية والبذور التي غرستها بعض الجمعيات الفنية والثقافية والمجتمعية، وهذا ما يفسر تفوق عدد برامجها وأنشطتها الثقافية والفنية على كثير من دول الخليج العربي.

وشدد المؤلف على ضرورة فهم أهداف المسابقات الثقافية المخصصة لصغار السن، وشرحها جيداً للمعلمين وأولياء الأمور، فمن خلال تجربته الطويلة في تحكيم مسابقات وأنشطة ثقافية، وجد أن بعض المشاركين ممن لم تتجاوز أعمارهم تسع سنوات، يقدمون قصة تصل إلى عشر صفحات وبلغة لا يمكن أن يصل إليها طلبة الثانوية العامة، ما يجعله في حيرة من أمره هل يصدق المشارك أو العمر.

لأن القصور في فهم الهدف من المسابقات المهمة والتي تدرب الصغار على الصعود باهتماماتهم وحبهم للقصة أو الشعر أو الفن، يقلل فرصنا في الحصول على مبدع حقيقي قادر على تطوير أدواته وفنه إلى مستويات أعلى.

اقتراحات

ويضم الكتاب إلى جانب وجهات نظر إبراهيم مبارك، عدة اقتراحات ومن بينها إشراك الكوادر الوطنية في إدارة معارض الكتب لتستفيد من تجارب أصحاب الخبرات حتى يصبح لدينا في المستقبل عناصر محلية قادرة على الإدارة والإشراف والتنظيم، لأن الشركات الأجنبية تأتي وتذهب بخبراتها وتجاربها.

وليس هذا وحسب، بل اقترح المؤلف أن يكون هناك يوم خاصاً للاحتفال بأشجار النخيل في الدولة، لا سيما وأنها شجرة مباركة ولها مكانة عظيمة لا بد أن نحافظ عليها ونعلم الأطفال الاهتمام بها ومعاملتها بعناية وحب، فضلاً عن أنها مستقبل أي وطن يتطلع إلى الإنتاج والاستثمار في الزراعة وخدمة الإنسان والوطن، حيث إنها تجاوزت أزمنة كانت تزرع فيها من أجل رطبها وجذوعها وسعفها، وهي الآن من أهم الأشجار الاقتصادية التي أصبح لها مهرجانات وتجمعات ومؤتمرات ومصانع.