يقترب المخرج المسرحي والممثل والسينمائي والكاتب بيتر بروك من عقده التاسع. إنه من مواليد مدينة لندن عام 1925، وهو من أصل ليتواني، إذ كان والداه قد هاجرا إلى بريطانيا وأقاما فيها قبل ولادته. يعيش في فرنسا منذ سنوات عديدة، حيث أسس المركز الدولي للبحث المسرحي الذي تحوّل لاحقاً إلى المركز الدولي للإبداع المسرحي، ومقرّه في مسرح «بوف دو نورد»، في شمال العاصمة الفرنسية باريس.

إن بروك يقوم بالإشراف على نشاطات هذا المركز الذي يعمل في إطار نشاطاته عدد من الممثلين المسرحيين والتقنيين والكتّاب من مختلف جنسيات العالم. وينطلق بين الحين والآخر من باريس لتقديم العروض المسرحية في أماكن بعيدة من العالم، فشملت تلك الجولات بلداناً في أفريقيا وآسيا والولايات المتحدة الأميركية.

وفي كل مكان تحلّ به فرقة بيتر بروك المسرحية تلقى الكثير من النجاح، وما يتفق عليه الجميع أن بروك عراب للفن وآخر عمالقة المسرح، وكان دائماً في قلب النقاشات حول هدفه ووظيفته في الثقافة. وقد لخّص بروك في إجابة صحافية له عمله بالقول «ما أدركه جيداً هو أن الاكتشافات التي وصلت إليها من خلال العمل كانت لبعض النماذج الأساسية من البشر وللعلاقات الإنسانية».

حلم الكونية

لقد جاب بيتر بروك وفرقته العالم بحثاً عن «إعادة تحديد الحقيقة المسرحية». ذلك في منظور صيغة تتعالى عن جميع الثقافات المحليّة ـ الوطنية ـ وتهدف إلى أن تنهل من كل ما هو كوني، كما يقول. ومن خلال أسفاره البعيدة جغرافياً وفنياً قدّم عدداً من الأعمال الكبرى العالمية في نهايات القرن العشرين، متحدياً باستمرار الممارسات المسرحية التقليدية. ومما تعوّد أن يؤكّده هو أنه يفعل أشياء جيّدة بطريقة جيّدة جداً، تطبيقاً للمثال النموذجي لإنجلترا الليبرالية.

درس بيتر بروك الأدب المقارن، وعمل في البداية لحساب التلفزيون البريطاني، إذ نقل إلى السينما في ذلك الإطار عمل الروائي البريطاني من القرن الثامن عشر لورنس ستيرن الذي يحمل عنوان «يوم عاطفي».

عالم المسرح

بدأت شهرة بيتر بروك في عالم المسرح من خلال إخراجه المسرحي لأعمال الكاتب البريطاني الأكثر شهرة في كل العصور وليم شكسبير، في إطار نشاطات مؤسسة شكسبير الملكية. تجدر الإشارة إلى أن بروك عمل عدّة مرّات مع تلك المؤسسة.

وكان قد قام وهو في سن العاشرة بعملية لإخراج مسرحي لعمل شكسبير الشهير «هاملت»، إذ كانت الشخصيات التي مثّلت الأدوار هي مجموعة من الدمى. وكان ذلك بعد أن قرأ رواية «الحرب والسلام» لتولستوي وهو في الثامنة من العمر.

لكن عمله المسرحي بالمعنى الفنّي الدقيق للكلمة بدأ عندما كان في السابعة والعشرين من عمره. لقد قام آنذاك بإخراج عمل الكاتب المسرحي كريستوفر مارلو الذي عاش في القرن السادس عشر، المعنون بـ«القصّة المأساوية للدكتور فاوست». وكانت تلك أيضاً بداية بروز اهتماماته بالحقب القديمة والتعمّق بأعمال أحد رموزها الأدبيين، أي وليام شكسبير الذي كان قد شغل طفولته.

مخيلة المشاهدين

ولعلّ من أهم ميزات بيتر بروك هو أنه لم يحصر نفسه في إطار التخصص بنوع محدد لم يخرج عنه. هكذا اشتهر بالأعمال الكلاسيكية التي كان شكسبير هو نموذجها الأكثر بلاغة، كما قدّم للمسرح أعمال مؤلفين من معاصريه مثل جان بول سارتر وجان جينيه وجان أنويه، كما أخرج نصوص كتّاب طليعيين من أمثال بيتير ويس.

ومن الأعمال المتميّزة في ذلك المجال عمله المسرحي الذي يحمل عنوان «يو إس» الذي كانت حرب فيتنام هي موضوعه، واعتمد نصّه على الحوار الارتجالي لأعضاء فرقته المسرحية.

حرص بروك على أن يكون مسرحياً مجدداً من حيث النصوص المتنوّعة التي تعامل معها، كما جدد عل صعيد التقنيات المسرحية. هكذا قرر في مطلع سنوات الستينيات التخلّي بشكل كامل عن الديكور في أعماله المسرحية.

المجال الفارغ

وتبنّى بروك مسرحاً بدون ديكور لمصلحة ما أسماه المجال الفارغ، محدداً هدفه من ذلك في تطوير «مخيلة المشاهدين»، من أجل خلق علاقة مباشرة مع الجمهور.

مسرح «المجال الفارغ» قدّم له بيتر بروك نفسه التعريف التالي: «المسرح هو فن يتميّز بنوع من التدمير الذاتي. إنه فن مكتوب على الرمال. وفي كل مساء يجمع مجموعة من البشر يتميّزون بالتنوّع وربما بالاختلاف، وهو يقيم حواراً معهم عبر الممثلين الذين يلعبون الأدوار.

لكن هناك دائماً مخرجاً وعملية إخراج ينبغي احترامها وإنتاجها وإعادة إنتاجها. لكن منذ اليوم الذي تغدو فيه تلك العملية ثابتة ومحددة، يبدأ شيء ما غير منظور بالموت والتلاشي». ومن هنا بالتحديد تأتي بالنسبة إلى بيتر بروك أهمية تطوير مخيلة الجمهور.

طاقة إبداعية

إن أكثر ما يرفضه بيتر بروك في أعماله هو «الجمود»، وتأكيده أنه لا بدّ من التجديد. ومن أجل كسر مثل ذلك الجمود، حرص على الانتقال المستمر بين الأمصار والقارات، وليس بين الأمكنة فقط، ولكن بين «لغة القلب» و«لغة العقل»، كما ردد كثيراً. وكان قد كرر كثيراً القول إنه يستخدم طاقاته الإبداعية في «أشكال متناقضة من الإخراج». أمّا هوايته الكبرى فقد ظلّت باستمرار هي الانتقال من عالم الفعل إلى عالم الفكر، ومن الواقع الجاف إلى البحث عن التسامي.

لكنه حرص في الوقت نفسه على أن يظلّ مخلّصاً لـ«مسرح الأشكال البسيطة» التي وجد أفضل نصوصها وأكثرها تعبيراً وعمقاً في نصوص الروائع الكبرى للثقافات العالمية المختلفة، وتحديده القول، خاصّة غير الأوروبية. من هنا كان اهتمامه الكبير بعمله المسرحي الذي نال شهرة عالمية أي «ماهابهاراتا»، وكذلك «مأساة كارمن»، و«بستان الكرز»، و«العاصفة»، وغيرها.

وكانت القارّة الأفريقية هي بمنزلة الأرض التي تحسن التعبير عن البساطة التي أرادها بيتر بروك في أعماله..

كما أحبها في أعمال كاتبه المبدع المفضّل وليام شكسبير. وأفريقيا هي بالنسبة إليه أيضاً أرض السحر والجوع المزمن، ولكن القادرة في كل الحالات على استقبال الدفقات الطبيعية والسلسة للأعمال الشكسبيرية. وفي أفريقيا أيضاً وجد بروك الأجواء التي ترسمها الأساطير القديمة، ومن ثم الأرض التي توفّر مناخاً مثالياً للمسرح كي يتقدّم ويتجدد باستمرار، ولكن رائعته الكبرى كانت من آسيا.

ملحمة «ماهابهاراتا»

تبقى مسرحية «ماهابهاراتا» هي الرائعة الكبرى التي قدّمها بيتر بروك في مهرجان أفينيون المسرحي الشهير الذي تشهده مدينة أفينيون منذ عدّة عقود. وكان بروك قد أعدّها مسرحياً للمهرجان عام 1985 ثمّ قدّمها كفيلم سينمائي. واستلهم العمل من أقدم النصوص الشعرية الملحمية التي سطّرها التاريخ البشري. بيتر بروك وجد في «ماهابهاراتا» مصدر إلهام لا ينضب للمسرح والسينما. وقد قدّمها في هذين المشربين على أساس البعد الإنساني.

صفة التسامح.. تأمّلات حول شكسبير

يشارف المخرج المسرحي البريطاني الشهير بيتر بروك على الدخول في عامه التسعين. وكان قد أمضى قسماً كبيراً من اهتمامه لتقديم أعمال الكاتب البريطاني الشهير وليام شكسبير على خشبات مسارح الكثير من بلدان العالم. أخرج عشرات المسرحيات، وله أعمال سينمائية وكتابات عديدة.

وعلى خلفية مثل تلك الخبرة الطويلة بشكسبير، يكرّس له كتابه الذي يحمل عنوان «صفة التسامح» الذي يعرض فيه تأمّلاته حول بطله. ويشير في المقدّمة إلى أن كلمة «Mercy» التي اختارها في العنوان تعني في اللغة الإنجليزية، إضافة إلى التسامح، مفهوم التعاطف مع الآخرين.

ذكريات

يعود بيتر بروك إلى ذكرياته مع شكسبير إلى سنوات طفولته المبكرة، وبالتحديد عندما كان في العاشرة من عمره، إذ أخرج أوّل عمل مسرحي له. لم يكن ذلك العمل سوى «هاملت»، ولم يكن الممثلون سوى مجموعة من الدمى. ثمّ تتالت الأعمال الشكسبيرية التي أخرجها في فترات لاحقة من حياه.

لقد كتب كُثر عن شكسبير وعن أعماله وسيرة حياته، لكن لا شك أن بيتر بروك من أكثر الذين كتبوا عنه اقتراباً من عالمه، وهو الذي وهب لها الكثير من جهده. والفكرة الأساسية التي يحاول بروك تفنيدها هي تلك التي يقول أصحابها أن شكسبير ربما لم يكن هو الذي كتب الأعمال التي وصلت شهرتها إلى أقصى أنحاء العالم، وغدا شكسبير من خلالها أقرب إلى الأساطير.

عبقرية

ويرى المؤلف أن شكسبير يتربع وحيداً على قمّة جبل العبقرية. وهو يفنّد بكثير من التفصيل الكثير من الادعاءات التي أراد أصحابها النيل من حقيقة شكسبير. هكذا يبدأ بروك كتابه ذا الحجم الصغير بصفحاته الـ122 بنوع من «السبق الصحفي»، عندما يؤكّد أن مؤلّف «هاملت» يدعى شكسبير.

ويشير المؤلف إلى أن مثل تلك التهويمات والأقوال والأفكار العجيبة لم تكن غريبة عن الحقبة الفكتورية، وما ساد فيها من سلوكيات، إذ كانت أجواء الإحساس بالعظمة لا تسمح بقبول أن يكون صاحب الأعمال المسرحية الكبرى هو مجرّد فلاّح يسمّى وليام شكسبير.

لكن هؤلاء لا يفهمون في نهاية المطاف، كما يشير المؤلف، أسرار «العبقرية» التي يمكن أن تظهر في أكثر الأوساط بساطة وتواضعاً على الصعيد الاجتماعي. المثال الذي يسوقه المؤلف على ذلك، إلى جانب شكسبير، هو الفنان الإيطالي الكبير ليوناردو دو فنشي، صاحب لوحة «الموناليزا» الشهيرة. ولا يخفي بروك أن الرائعة الأكبر بالنسبة إليه بين أعمال وليام شكسبير هي «الملك لير» التي تحتوي على كل ما يمكن أن يهم البشر من العائلة والعلاقات داخل الأسرة بين الأهل والأبناء من عواطف إنسانية مشبوبة.