«قصة النفط في أبوظبي» إصدار يتناول التجربة الناجحة والرائدة للإمارات في ميدان إدارة ثروات الأوطان والشعوب باتجاه المحافظة عليها وتوظيفها في خدمة مؤسسة الدولة والمجتمع والمواطن، الكتاب أنجزه الباحث حمدان الدرعي، وصادر عن دار كتاب للنشر والتوزيع في دبي، وأهل مؤلفه للفوز بجائزة العويس للإبداع لأفضل كتاب يصدره أبناء الإمارات عن الدولة لأهمية موضوع الكتاب. في حوار لـ«بيان الكتب» مع مؤلف الكتاب، الذي أكد أن الكتاب توثيق للتاريخ، إذ مارست حكومة «الهند البريطانية» ضغطاً مُمنهجاً للظفر بالامتياز النفطي أثبتته الوثائق..

كما نقف مع الكاتب على مجموعة من الحقائق المتعلقة بمسيرة هذا المؤلف والمنهجية التي اتبعها في ضبط إيقاع بحثه، وكيف تمكن من الوصول إلى مصادر المعلومات وحيثيات تقسيم الكتاب إلى ثلاثة فصول، فضلاً عن نظرة الكاتب إلى كيفية توظيف الثروة النفطية في خدمة المؤسسة، سواء أكانت مؤسسة الدولة أم مؤسسة المجتمع وتفرعاتهما السياسية والاجتماعية والثقافية وصولاً إلى الحضارية منها، التي أفسحت الطريق واسعاً أمام نهضة الدولة وتبوئها موقع الريادة بين شعوب الأرض، فإلى نص الحوار..

وثائق

كيف جاءت فكرة إصدار الكتاب؟

بحكم عملي مع الوثائق البريطانية، وقع بين يدي ملف وثائقي يتحدث عن الرقيق في أبوظبي، فأخذت استرسل في صفحاته إلى أن استوقفني اسم الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، فتوقفت برهة أسال نفسي كيف تم الزج باسم الشيخ شخبوط في ملف كهذا؟ فأخذت في القراءة إلى أن بدأت ترتسم أمامي مشاهد تمكنت لاحقاً من الربط بينها، فكان ذلك المولود الذي بين أيديكم «قصة النفط في أبوظبي».

برأيك، ما هي أهم رسالة في الكتاب وما الجديد فيه؟

الكتاب يهدف إلى إماطة اللثام عن وسائل الضغط الممنهج التي لجأت إليها حكومة الهند البريطانية للظفر بالامتياز، سواء أكانت سياسية أم التلويح باللجوء إلى الخيار العسكري. فحين وصل ممثل شركة الاستثمارات، ويدعى باسل ليرميت، إلى طريق مسدود في مفاوضاته مع الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، كتب إلى الوكيل السياسي البريطاني في البحرين يبلغه بمشاهدته لتجارة الرقيق في أبوظبي..

والتي كانت حينها مرتبطة باتفاقية منع تجارة الرقيق مع حكومة الهند البريطانية. واعتبرت حكومة الهند البريطانية على لسان المقيم السياسي البريطاني في بوشهر أن أبوظبي قد انتهكت صراحة بنود اتفاقية منع تجارة الرقيق، وقررت وقف إصدار جوازات السفر لرعايا حاكم أبوظبي. وكان قراراً كهذا في ذلك الحين بمثابة تضييق الخناق الاقتصادي على صادرات أبوظبي من اللؤلؤ، الذي كان رافداً اقتصادياً مهماً، سواء للتجارة أو لخزينة الإمارة.

ما سبب ممانعة الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان الانسياق لإملاءات حكومة الهند البريطانية بشأن الامتياز النفطي؟

السبب يكمن إلى حد ما في رغبة الشيخ شخبوط بأن تحظى أبوظبي ببنود امتياز أكثر سخاءً من تلك التي حصلت عليها قطر أو الكويت أو السعودية في تلك الفترة، آخذاً بعين الاعتبار كبر المساحة الجغرافية لأبوظبي التي تشكل 86% من مساحة الإمارات. كما كان الشيخ شخبوط من الفطنة بمكان أنه كان يرصد الأخبار، والتطورات من حوله..

فقد امتد إلى علمه سخاء شركات النفط الأميركية آنذاك، وكيف أن الملك بن سعود قد اشترط 50 ألف جنيه ذهباً، فما كان من الشركة البريطانية إلا أن عرضت 30 ألفاً فقط، فجاء الأميركيون وتلقفوا العرض ودفعوا المبلغ المطلوب، إضافة إلى بعض البنود الأخرى. وجاءت الأيام لتثبت أن الساسة الإنجليز قد ارتكبوا خطأ فادحاً، حيث تم اكتشاف حقل الغوار وغيره من الحقول النفطية المهمة في تلك المنطقة.

وحين لم تجد الضغوط الاقتصادية نفعاً مع الشيخ شخبوط بن سلطان، ارتأى المقيم السياسي البريطاني التهديد بالتلويح بقصف قصر الحصن، وخاطب البحرية البريطانية حول مدى إمكانية تحقيق ذلك. إلا أن الساحة السياسية شهدت في عام 1938 توقيع امتياز النفط في دبي، مما كان له أثر معنوي استتبع ذلك إبرام اتفاق النفط في رأس الخيمة ثم أبوظبي في 11 يناير 1939. وهدأت عندها عاصفة المطالب البريطانية عن نبش الادعاء بتجارة الرقيق، وأصبح الموضوع في غياهب المجهول ولم يفتح من حينها.

منهج تحليلي

على أي أساس اتخذتم قرار تقسيم كتابكم إلى ثلاثة فصول؟

تم اتخاذ قرار تقسيم الكتاب بهذا الشكل على ضوء المنهج التحليلي الذي سلكه الكتاب، فجاء الفصل الأول ليكون بمثابة التمهيد للفصل الثاني، فلم يكن من المستساغ ذهنياً أن أدلف بالقارئ إلى الموضوع مباشرة دون التحدث عن التسلسل السياسي في بناء العلاقة بين بريطانيا وأبوظبي والإمارات الأخرى، والتي دخلت ضمن الإطار الرسمي في عام 1820..

وبلغت ذروتها بإبرام الاتفاقية المانعة في عام 1892، ثم ما لبثت أن تسربلت تلك العلاقة بثوب الخصوصية، حيث طلبت حكومة الهند البريطانية إلى حاكم أبوظبي في عام 1922 عدم إبرام أي امتياز دون الرجوع إلى السلطات البريطانية. كما يشير الكتاب إلى اتفاقية الخط الأحمر التي أبرمت عام 1928 وأسفر عنها تقسيم الحصص في شركة بترول العراق بين الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، وكانت أبوظبي من ضمن المناطق المشمولة في الاتفاقية.

وحري بنا أن نتوقف عند أحد مواقف الشيخ شخبوط الذي تمكن لاحقاً من استقطاع الامتياز البحري من براثن الشركة صاحبة الامتياز، وذلك حين لجأ إلى القضاء للحصول على استحقاق أبوظبي.

أما فيما يخص الفصل الثالث، فقد جاء ليبن نسمات النهضة الشاملة في طورها الأول، حيث بدأت أبوظبي في السير نحو وضع لبنات النهضة الأولى، التي بدت جلية في تأسيس شرطة أبوظبي عام 1957، وبلدية أبوظبي، ونشوء قطاع الخدمات ليلبي حاجات الاقتصاد الجديد القائم على النفط. وتوقف الكتاب قبيل العام 1966، حيث شهدت بعدها أبوظبي نقلة نوعية باستلام الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لمقاليد الحكم في أبوظبي.

غلطة بريطانيا لإشباع نهمها في الاستثمارات البترولية

 مما يزيد من أهمية كتاب «قصة النفط في أبوظبي» للباحث حمدان الدرعي أنه يأتي تزامناً مع انقضاء أحد أطول الامتيازات النفطية في العالم، إذ شهد يوم الجمعة العاشر من يناير الماضي مرور 75 عاماً على التوقيع على امتياز النفط في أبوظبي، بينما يهدف الكتاب إلى الإضاءة على الغلطة التي اتبعتها بريطانيا في سبيل إشباع نهمها لفوز شركة الاستثمارات البترولية بالامتياز.

ولعل أبرز ما قد يسترعي انتباه القارئ هو تشابه الأساليب الغريبة في توليد الضغط السياسي، فحينما تمنع الشيخ شخبوط من التوقيع على الامتياز على مقاس المواصفات البريطانية، لجأ الساسة البريطانيون إلى فتح ملف الادعاءات حول «تجارة الرقيق»، وإلصاق تهمة الاتجار بهم إلى الشيخ شخبوط. ومن هنا بدأت ترتسم ملامح تلك القضية التي تبلورت لاحقاً في صورة قريبة إلى نمط «الحصار الاقتصادي» ثم كادت أن تتفاقم إلى التهديد بقصف قصر الحكم في أبوظبي.

وليس من المغالاة القول إن الخطوط العريضة لقصة النفط في أبوظبي معروفة إلى حد كبير، بعد أن تناولتها على مر السنين العديد من كتب الباحثين والمتخصصين ومقالات الصحافيين والبرامج التلفزيونية والإذاعية ومختلف وسائل الإعلام الأخرى، ومع ذلك لا يزال هذا الموضوع الحيوي يشكل مصدر اهتمام وإلهام للعديد من الكتاب والباحثين حول العالم.

والكتاب استند في تدوينه على عدد من الوثائق البريطانية والمصادر الأجنبية، إلا أنه يؤكد كذلك أن ذلك لا يعني التسليم بصحتها، فهي وان كانت تتسم بأهمية تاريخية ما، إلا أنها تبقى تدور في فلك الفكر الاستعماري وتستقي مضامينها من معين تطغى المصالح فيه على القيم والمبادئ، حيث يقول الكاتب: «في تدوين التاريخ الإماراتي لا نجد في كثير من الأحيان مناصاً من اللجوء إليها، فهي في كثير من الأحيان تميط اللثام عن أمور كانت تصنف بين المحظورات على النشر».

هيمنة

ويرى الكاتب أن الساسة البريطانيين قد سعوا إلى بسط هيمنة شركاتهم على النفط حتى قبل العام الذي تم فيه التوقيع على امتياز النفط في أبوظبي 1939. حيث يذهب إلى القول إن عام 1892 شكل علامة فارقة في تاريخ العلاقة بين بريطانيا والإمارات. حيث إن بريطانيا أبرمت مع الإمارات الاتفاقية المانعة التي اشترطت على الأطراف المعنية عدم تأجير أو بيع أو رهن أرض لدولة أخرى.

كما خولت تلك الاتفاقية بريطانيا مسؤولية علاقات الإمارات مع العالم الخارجي. ولم تنعتق الإمارات من تلك الاتفاقية إلا في عام 1971. وحين شعرت بريطانيا باقتراب الأميركيين من مناطق نفوذها عشية انتهاء الحرب العالمية الأولى، سارعت إلى إبرام التعهدات النفطية عام 1920 والتي قضت بتعهد الحُكام بأنه في حال اكتشاف النفط في أراضيهم، فلن يتم منح الامتياز إلا لمن ترتضيه الحكومة البريطانية.

ملحمة التجاذب

كما يروي الكتاب تفاصيل ملحمة التجاذب بين الشيخ شخبوط والسلطات الإنجليزية، حيث تبدأ ملامح القصة بالظهور عندما شارف العقد الاختياري المبرم في عام 1935 على الانقضاء في عام 1937. فقد أرسلت شركة الاستثمارات البترولية أحد موظفيها للتفاوض مع الشيخ شخبوط بشأن تجديد العقد، ولكن الرجل الذي يدعى باسل ليرميت عاد بخفي حنين، إلا أنه لم يُعدم الحيلة..

حيث ادعى بأن أحد الرقيق قد حاول جاهداً الاستجارة به، ولكنه لم يكن بالمكان الذي يسمح له بأن يُجيره. ومن ثم بدأت ملامح الضغط البريطاني تتجسد في ثوب النزعة الإنسانية، فالبرغم أن المصالح البريطانية كانت اقتصادية بحتة، فلم يكن بداً من أن تضفي على نفسها مسحة إنسانية. ومن حيث لا يدري الشيخ شخبوط، قفز موضوع الاتجار بالرقيق على السطح على نحو غير مسبوق، وتعرضت أبوظبي إلى شبه حصار اقتصادي جائر.

نهضة أبوظبي

كما يرصد الكتاب بدايات عصر النفط وانعكاساته على أبوظبي والانتقال من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد الحديث، الذي جاء محمولاً على أكتاف الزيت ومصحوباً بنمط إداري حديث لم تشهد له أبوظبي من قبل مثيلاً. فقد بدأت تهب أولى نسائم التحول الكبير، إذ تم تدشين حقبة الخدمات البلدية بافتتاح بلدية أبوظبي.

وظهرت شركة للاتصالات والخدمات البريدية، بينما كلف الشيخ شخبوط إحدى الشركات بجلب الماء من السد عبر أنابيب شقت الصحراء. كما احتضنت أبوظبي التعليم الحديث، فتم افتتاح مدرسة للفتيات وأخرى للبنين، وبدا اهتمام الصحافة العالمية بأبوظبي واضحاً عشية تصدير النفط من الحقول البرية والبحرية في عامي 1962 و1963.