يعتني الباحث الفلسطيني، تيسير الخطيب، في تكثيف استقاءاته ودراساته حول الموسيقى وتاريخها ومراحل تطورها. ويأتي كتابه" علم الموسيقى..تاريخها ونظرياتها الشرقية والغربية"، كثمرة دراساته ومتابعاته في الخصوص، إذ يسد معه ثغرة مهمة في المكتبة العربية.
ويوضح الخطيب في حواره مع " بيان الكتب"، أن المنتج الموسيقي والغنائي العربي، حاليا، يعاني الكثير، وفيه نماذج جيدة، لكنه، في نسبته الغالبة، يفتقر الى العمق. ويطالب الخطيب بضرورة ان تحرص الاعمال في هذا الحقل، على التجويد وحفظ الهوية، بشكل متواز.
كيف تصف المنتج الموسيقي العربي، ومعه الأغنية العربية، حاليا؟
لا شك انه يوجد اعمال جميلة تنتج في وقتنا الحالي. ولكنها وللأسف قليلة جداً. وغالبية الاعمال باتت تجارية الطابع، وتخلو من القيمة الفنية الحقيقية لموسيقانا العربية الجميلة. إذ نجد أن النسبة الاكبر منها تعتمد على المؤثرات البصرية في الفيديو كليب، ولا تولي الموسيقى في جوهرها، قيمة وعناية. وعلى هذا الاساس، نجد أنه هناك نتاج غزير من حيث ال" سي دي" الغنائي.
ولكن فيه القليل القليل من ما ينتظره السامع الذواق. وتبرز في هذا الصدد تجارب الكثير من الشباب، وذلك بفعل نقص مهول في المعرفة والثقافة الموسيقية العميقة والمجدية لدى مجتمعاتنا. ونتيجة لهذا، غدت موسيقانا لا ترتقي بالذائقة الفنية العربية. أو ببناء إطار فكري فني ذات بعد استراتيجي يصب في خانة نماء وتطوير ثقافتنا الشاملة.
ولا شك أن الأغنية العربية أخذت شكلا جديدا فيه التطور وفيه التقنيات الفنية الحديثة، ولدينا فنانون جيدون، إنما ينقصنا التركيز على الاختيار الصحيح للأصوات وللانماط والقوالب الموسيقية. نحتاج الاعتناء بايجاد موسيقى جاذبة، لكن من دون ان نفقد فيها ومعها هويتنا الموسيقية، أي الشخصية الحقيقية لأغنياتنا العربية، ذات اللغة العربية الفصيحة الجزلة، التي تكاد تصبح شبه منقرضة في ظل الواقع الحالي.
علينا أن ننظر وندرس موسيقانا العربية كيف كانت ونمت وارتقت خلال عقود القرن الماضي. ولنتنبه الى ان أغنية الأمس لدينا، كان فيها البساطة والموهبة العميقة رغم القصور المعرفي التخصصي في ذلك الوقت. فما بنا، ونحن الان تتوافر لنا مصادر النهل العلمي حول الموسيقى كتخصص وعلم، لا نسعى الى التجويد الحق، والتعاطي مع موسيقانا واغنياتنا بعيدا عن سطحية الهدف والتصور او الطابع الاستهلاكي.
جذور وحال
تستعيد في كتابك، ماهية جذوة الموسيقى وأساسها الحق، ذلك كونها علما وروحا وثقافة واكبت الحضارات البشرية واغتنت منها وأغنتها.. هل أردت أن تعيد التذكير بالتعريف السليم للموسيقى ومضمونها، في ظل واقع النظرة والتعاطي الحاليين معها في العالم العربي؟
طالما بقيت الموسيقى كنزا لا يخفت بريقه. وهي ضاربة في القدم والعراقة في وجودها. اذ ذكرت ونوقشت ووظفت، على مدى الحضارات كافة. ونجد انه، مقارنة بالعلوم والفكر بحقولهما شتى، لم تنل عربيا، وافر الاهتمام.
ولكن هذا لا يمنع عنها صفة القدم والدور المؤثر. إذ تدلل الحفريات على أنها رائجة وحاضرة ومؤثرة منذ سومر وبابل. ومن ثم شهدت في العصرين العباسي والأموي نهضة فريدة. ولكننا، في الوقت الحالي، لا ندرك قيمتها الحق، ولا نوظفها بشكل بناء في المجتمع.
ظاهرة مقلقة
يمتطي مغنون كثر، صهوة الموسيقى والغناء، وبأي شكل ومضمون لمنتجهم، بهدف ولوج عتبات العالمية. ومنهم من بات يمنح نفسه لقب( الفنان العالمي). ما تعليقك؟
إنها ظاهرة مؤسفة ومقلقة. فليس كل من يشارك في عمل موسيقي وفني عالمي، يمكنه أن يحصل على لقب وتوصيف" فنان عالمي". العالمية صفة تطلق على الابداع الموسيقي الخلاق. وينالها أصحاب الاسهامات النوعية في الحقل. ولا تكون إلا نتاجا لتراكم خبرات وسنوات دراسة وبحث وتقص متواصل. وأريد الاشارة هنا الى مسألة مهمة، على صعيد الوطن العربي.
فنحن لسنا مؤهلين حاليا لطرق بوابات العالمية. نستطيع أن نفعل ذلك، فقط حين نجد تكوينات جوقاتنا الموسيقية موحدة تماماً. ولا بد للمغنين والممارسين في هذا المجال، أن يعوا جيدا، أن الرسالة والثقافة والاستزادة العلمية في الموسيقى، وحدها ما يخولنا لأن نكون جديرين باحترام عمالقة الموسيقى في العالم.
خلل وحلول
كيف تجد مستقبل صناعة الموسيقى في الوطن العربي، وما المعوقات؟
إن صناعة الموسيقى في العالم العربي تعاني التراجع والضياع، وتقبع في خانة التشتت. إذ إن مستقبلها مرهون بامكانات ومدارك من هم قائمون عليها، وهؤلاء، للاسف، لا هؤلاء يدركون حجم الأخطار المستقبلية، المتأتية من كونهم لا يحفلون بالتعامل معها كسياق ابداعي يحتاج كبير جهد وتعب وتجديد.
تبدل
هل ان الموسيقى العربية تعاني هذا منذ أمد.. أم كانت الحال، قبل عقود، مختلفة؟
لا ابدا. إنها حال تطغى وتسيطر منذ سنوات. إذ شهدت الموسيقى العربية في القرن الماضي، اسهامات نوعية اغنت تجددها وتطورها، وذلك على يد نخبة مبدعين، وهم عمالقة واساتذة صنعوا تاريخا حقيقياً في عوالم الموسيقى العربية، في زمن قياسي خلال التاريخ المعاصر.
بطاقة
تيسير الخطيب. كاتب وباحث وشاعر فلسطيني. متخصص في مجال الموسيقى. درس الموسيقى الشرقية والغربية. وعمل في الحقل. درس وتخرج في جامعة بانكوك، وحصل على الماجستير. ثم أكمل دراسته في ألمانيا. قدم ترجمات ادبية لمجموعة من الاعمال الالمانية. لديه الحان واغان ودواوين شعرية. إضافة إلى : موسوعة في قواعد اللغة الألمانية، كتاب في فلسفة الأدب الاسلامي. وغيرها الكثير من الدراسات والمؤلفات.
44 مقاماً في توليفة تسرد قصة لحنية
يقدم تيسير الخطيب، في كتابه "علم الموسيقى تاريخها ونظرياتها الشرقية والغربية"، قراءات علمية حول الموسيقى، ويجيب في أبحاث الكتاب، عن العديد من التساؤلات في خصوص النوتات والمقامات والإيقاعات الموسيقية. ونجد المؤلف، يفسر في بداية كتابه، سبب اعتنائه في التوجه نحو هذا السياق من البحث : "
عندما شعرت بالحاجة الكبيرة لفهم العلوم والأدب والفنون، أصبحت أتوق الى تعلم الموسيقى، ورحت ابحث عن كل ما يتعلق بها من علم وفن، وكنت أتمنى أن أجد مرجعا أجد فيه ضالتي حول كل ما ابحث عنه". ويلفت هنا، إلى أنه تعاني المكتبة العربية، نقصا بينا في مجال توافر الكتب المرجعية العلمية المتخصصة، حول الموسيقى وتاريخها وتطورها.
ويتطرق الخطيب في كتابه، الى مصطلحات علمية عديدة في هذا الحقل، مثل: الانسجام والتنافر بين الآلات والسلالم الموسيقية، التكوين الصحيح للفرق الموسيقية. كما أنه يضمن الكتاب: تعريفات بالمسافات الموسيقية وقياساتها والنوتة الموسيقية، أنواع السلم الموسيقي والسلالم الغربية والمقامات الكنسية. كذلك تضم محاور البحث، سردا تاريخيا عن السلالم الإغريقية القديمة.
ويقدم مقارنات بين المقامات العربية والغربية واليونانية القديمة. ولا يغفل الباحث تيسير الخطيب، في الكتاب، تقديم مجموعة إيضاحات وشروحات للسلالم والمقامات الشرقية. ويصل عدد المقامات التي يتحدث عنها ويشرحها، 44 مقاما، ويدرج جملة رسوم توضيحية في الخصوص.

