في الأوّل من شهر أبريل من هذا العام 2014، وقبل أيام قليلة من صدور كتابه الأخير:"هل ينبغي تقسيم التاريخ إلى شرائح؟"، توفي المؤرّخ الفرنسي جاك لوغوف، عن عمر تجاوز التسعين سنة. فهو من مواليد شهر يناير من عام 1924 في مدينة تولون بجنوب فرنسا. وأعلنت وسائل إعلام فرنسية عديدة، خبر وفاته تحت عنوان "رحيل آخر العمالقة".
وكانت وزيرة الثقافة الفرنسية، اوريلي فيلييتي، قد نعته بهذه الكلمات :" إن مساهمة جاك لو غوف في مجال تقدم مسيرة العلوم وإثراء نقاشات الأفكار مساهمة لا يمكن تقديرها بثمن. وترك لنا ثروة هائلة من الأعمال الغنية بمضمونها وذات الصرامة الاستثنائية في معلوماتها، والتي ستغذّي لفترة طويلة قادمة، النقاش التاريخي والثقافي والفكري".
عاش جاك لو غوف حياته "مسكونا" بالعصور الوسطى، ولها أعطى جلّ وقته واهتمامه. ودرسها بكل وجوهها وتفاصيلها. وقدّم عنها عشرات الأعمال "المرجعية". ورسم لها صورة، أقل سوادا وأكثر إنسانية، من الصورة التي سادت عنها طيلة قرون عديدة. وهكذا نال بجدارة لقب "مؤرّخ العصور الوسطى" بامتياز. وهو أحد أشهر المؤرّخين الفرنسيين، وأحد المرجعيات العالمية المعترف بها في المجال.
كما أنه من رموز "المدرسة الفرنسية الجديدة لكتابة التاريخ"، المعروفة بتسمية "مدرسة الحوليات" التي تأسست في ثلاثينيات القرن الماضي، بمبادرة العديد من المؤرّخين الفرنسيين المشهورين، على رأسهم: مارك بلوك ولوسيان فيفر وفرنان بروديل . ثمّ انضم إلى تلك المدرسة، جيل جديد، من أبرز شخصياته: جاك لوغوف وايمانويل لوروا لادوري.
المنشأ
ينتمي جاك لو غوف إلى أسرة متواضعة المنشأ، لكنها ذات مستوى مهم من التعليم، حيث كان الأب مدرّسا للغة الإنجليزية، بعد أن عمل لفترة كمترجم مع القوات الأميركية التي شاركت في الحرب العالمية الأولى. وتلقت أمّه تربية كاثوليكية معمّقة.. وكانت أسرته تتميّز أيضا بالانفتاح، في أجواء محيطة تميل نحو الانغلاق والتزمّت.
وورث الابن عن أبويه محبّة العلم والانفتاح على الثقافات الأحرى .كذلك، بعض صفات أبيه الذي كان يكن له أعجابا واحتراما كبيرين. إذ كان أطلق منذ سن مبكّرة على ذلك الأب لقب "بطل الاستقامة".
ذلك الجو الأسري وتلك الصفات المكتسبة من الأب، تركت بصماتها على حياة جاك لو غوف، وعلى طريقته في التفكير والتأريخ، التي اتسمت بقدر كبير من الحزم والنزاهة .
أمضى الطفل جاك طفولته في المدينة التي شهدت ولادته، تولون، جنوب فرنسا، والمدينة التي كان يردد أنها تشتهر بسمتين أساسيتين: سطوع شمسها خلال فترة طويلة من العام من جهة، أنها عرفت نزعات استعمارية وعنصرية منذ فترة طويلة من الزمن . وفي مواجهة تلك النزعة العنصرية بالتحديد، تكوّن لدى جاك، الشاب اليافع، وعي سياسي مبكر وقريب من معسكر اليسار الذي كانت تمثّله في سنوات الثلاثينيات من القرن الماضي حكومة "الجبهة الشعبية" برئاسة ليون بلوم. واشتهر جاك لوغوف بمواقفه المناهضة للاحتلال النازي لبلاده .
وفي الفترة نفسها، قرأ جاك لوغوف أعمال وولتر سكوت، الشاعر والروائي الاسكوتلندي، الذي قدّم العديد من الروايات التاريخية المستلهمة من التاريخ الإنجليزي في العصور الوسطى، ووجد نفسه "مأخوذا بالتاريخ". كانت تلك أيضا بداية قصّة شغفه بتاريخ العصور الوسطى .
في رحاب التاريخ
حصل جاك لوغوف، في عام 1950، على شهادة التأهيل العليا "أغريغاسيون" في مادة التاريخ. وبدأ بعد ذلك، مسارا تعليميا في إحدى المدارس الثانوية، ثم في جامعة مدينة ليل، شمال فرنسا، فباحث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي. وناضل، منذ سنوات شبابه الأولى، ضد النزهات الاستعمارية والعنصرية، إذ انضمّ الى مجموعات شبابية تعارضها. لكن، كانت الصدمات الكبيرة الأولى التي عاشها، تلك التي وقعت في عام 1956، الذي عرف العدوان الثلاثي على مصر واجتياح القوات السوفييتية للعاصمة الهنغارية بودابست لقمع حركة احتجاج ضد النظام الشيوعي.
وعلى خلفية خيبة أمل كبيرة تحوّل لو غوف عن أي عمل "نضالي" إلى الكتابة. وهكذا قبل عرضين اقترحتهما عليه داران للنشر في باريس .
خصّ الأول تأليف كتاب عن "التجّار والمصرفيين في العصور الوسطى" لنشره في سلسلة "زدني علما" الشهيرة، الصادرة عن المطبوعات الجامعية الفرنسية. وكان الثاني يخص تأليف كتاب لحساب دار نشر "سويل" الباريسية، تحت عنوان : "المثقفون في العصور الوسطى". كان الكتابان من المساهمات الأولى في سلسلة طويلة عن العصور الوسطى، بلغت العشرات، قدّمها جاك لو غوف، طيلة سنوات حياته.
وتولّى جاك لو غوف، في نهاية سنوات الستينيات من القرن العشرين، رئاسة "الجمعية الدولية للمؤرّخين الاقتصاديين"، وبرز تعاونه المثمر مع المؤرّخ فرنان بروديل، صاحب العمل الشهير "البحر المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيليب الثاني". هكذا أيضا بدأت علاقة لو غوف مع "مدرسة الحوليات" لكتابة التاريخ ومع المجلة الناطقة باسمها. وتزوّج في بولندا، من هانكا، الطبيبة النفسانية البولندية المتخصصة في الطفولة.
رؤية تجديدية
قدّم جاك لوغوف، مساهمات نوعية تركت بصماتها على طريقة كتابة التاريخ.. كما اهتم في دراسة تاريخ المجتمعات وتاريخ الذهنيات خلال العصر الوسيط . ومن الأفكار الأساسية التي ركّز عليها، رفضه الحازم مقولة القطيعة في التاريخ الإنساني خلال مساره الطويل. ذلك أن "التاريخ مجبول عبر حركات عميقة ومستمرّة ولا يعرف أبدا قطيعة مفاجئة"، كما كتب واكد.
ولم يتردد في تأكيد رؤيته أن عصر "النهضة الأوروبي"، كان نتاج سلسلة من محاولات "النهوض" التي عرفتها العصور الوسطى، وصولا إلى "النهضة الناجحة" في النهاية. كما أنه بقي يرى التاريخ بمثابة "ذاكرة " ليست "موضوعية" بالضرورة . وأيضا، أبدى لو غوف موهبة كبيرة في مجال المساهمة بتبسيط النظريات العلمية المعقّدة .
ومن مظاهر التجديد لدى جاك لو غوف، اهتمامه بما أسماه "الخيال السياسي"، الذي بحث في مكوناته من رموز وطقوس وأحلام وصور. وطبّق ذلك على الفترة التاريخية التي جذبته طيلة حياته، في كتابه " خيال العصر الوسيط".
«العالم لم يتغير.. كولومبوس إنسان من العصر الوسيط»
يبدو السؤال الذي اختاره المؤرخ الفرنسي الكبير، لفترة العصور الوسطى التي كرّس لها عشرات الآمال ومئات الدراسات، كعنوان لكتابه الأخير، الصادر قبل وفاته بأيام، مدرسيا بامتياز. إذ يقول السؤال ـ العنوان :" هل ينبغي تقسيم التاريخ إلى شرائح: عصور؟".
ما يقصده جاك لو غوف، هو التساؤل حول التقسيم التقليدي المدرسي للتاريخ الإنساني، إلى عدّة حقب متتالية.
الماضي والحاضر
إن المؤلف ـ المؤرّخ لو غوف، يشكك في صلاحية مثل هذا التقسيم. ويقدّم بالمقابل، مجموعة من الافكار والمفاهيم حول حقبتين تغطيان التاريح الإنساني كلّه: الماضي والحاضر. ومن خلالهما يتعرّض بالتحليل، لـما يسميه "المصادر الأساسية" للتاريخ نفسه. يولي جاك لوغوف، الكثير من الاهتمام لدراسة الفترة التي أمضى قرابة ستة عقود من حياته في دراستها والتمحيص في خباياها وآليات عملها، أي العصور الوسطى.
ويشير في هذا السياق، إلى "الصورة السوداء" وال"العصر البربري "، التي سادت عنها في كتابات المؤرّخين والمفكرين، من القرن الحادي عشر حتى القرن الثامن عشر. وينقل المؤلف عن فولتير قوله، إن العصر الوسيط "أساء للعقل وللدراسات الجيّدة بمقدار ما لم يفعله البرابرة من الهونس والفاندال".
أسئلة
يطرح جاك لو غوف عددا من الأسئلة، حول مدى صحّة تقسيم التاريخ الإنساني السائد، إلى مجموعة من الحقب المتمايزة. ويرى في عصر النهضة الأوروبي امتدادا للعصور الوسطى التي سبقته. كما لا يتردد في التساؤل عن ما إذا كان عصر النهضة الأوروبي عصر الاكتشافات والنزعات الإنسانية والعقلانية؟
ويلفت إلى أن هناك خطأ شائعا، يقول أصحابه انه مع اكتشاف العالم الجديد "أميركا" من قبل كريستوف كولومبوس عام 1492، "تغيّر العالم تماما". ويبين أن هذا رأي خاطئ، فالعالم لم يتغيّر تماما آنذاك، وكولومبوس " إنسان من العصر الوسيط".
"النهضة الأخيرة "
يبرر مؤرّخ العصر الوسيط تساؤله : " إن عصر النهضة لا يمثّل حسب رأيي فترة تاريخية خاصّة. ذلك أن كان بمثابة النهضة الأخيرة في عصر وسيط طويل ". بل ويذهب لوغوف أبعد من ذلك عندما يضيف :" إن العصر الوسيط لم ينته حقيقة، سوى في عام 1750، عندما انتصرت مفاهيم التقدّم. وبدأت عملية تحوّل الصناعات الحرفية نحو استخدام الآلات وسادت في النقاشات المسائل ذات الطابع العلمي والفلسفي ".

