برز اسم الناقد الأردني، الدكتور رامي أبوشهاب، أخيراً، كأحد الفائزين في جائزة الشيخ زايد للكتاب في هذه الدورة، والتي أعلن عنها في أبوظبي، إذ أهله كتابه "الرسيس والمخاتلة:

 خطاب ما بعد الكولونيالية في النقد العربي المعاصر" للحصول على جائزة الشيخ زايد للكتاب- فرع المؤلف الشاب (الدورة الثامنة -2014)، لما يقدمه من وعي عميق حول أبعاد الدراسات الخاصة بما بعد الحقبة الاستعمارية، والإحاطة بالأصول النظرية لهذه الدراسات، واستيعاب مصطلحاتها. ويتحدث أبو شهاب، في حواره مع "بيان الكتب"، عن تفاصل هذا الكتاب.

 موضحاً في الوقت نفسه، أن وظائف الأدب كما تعلمناها لم تعد صالحة، حاليا، فالتطهير والتثقيف والمحاكاة والتواصل، وظائف ليست مناسبة لعصر يتسارع في واقع افتراضي. وهو ما يتنافى مع الأدب، الذي يعد حالة تأمل تعقبها عملية كتابة.. ولكنه حرِّف حاليا إذ تبدو الكتابة أقرب إلى ردة الفعل، فالجميع يغرد ويكتب ويعبر مباشرة ولا من يقرأ ويتأمل.

*ما المسؤولية التي تشعر بها بعد فوزك بجائزة مهمة كجائزة الشيخ زايد للكتاب؟
**لا بد أن الفوز بجائزة كبيرة، وعظيمة كجائزة الشيخ زايد للكتاب، يتعدى مشاعر الفخر والاعتزاز إلى ما هو أهم من ذلك، فهذه الجائزة مثلت بالنسبة لي مصدر حالة توازن أعادت الي التفاؤل بأنه لا تزال تحضر ضمن الساحة الثقافية في عالمنا العربي، أشياء حقيقية..

وتوجد مصداقية وشفافية، خاصة وأن الجائزة تلتفت الى الشباب من خلال حرصها على تخصيص جائزة للمؤلف الشاب، وذلك لإيمانها بالمستقبل، وهذا يعد نموذجا نوعيا مجددا يكسر نمط التقليدية عربياً.

إشكالية
*كتابك الفائز بالجائزة، يعد بحثياً.. ما طبيعة مراجعك ومصادرها؟
**على الرغم من سعة قائمة المصادر والمراجع، ومنها دراسات النقاد العرب، والمصادر والمراجع التي عُنيت بخطاب ما بعد الكولونيالية، ومعظمها مترجمة أو إنجليزية، إلا أن هنالك عددا كبيرا من المصادر التي شرعت بقراءتها قبل البحث والكتابة.

 وذلك بهدف الاتصال بالسّياقات التي نشأ فيها الخطاب، ولهذا تعددت قراءاتي في التاريخ والفلسفة ونظريات الخطاب وعلم النفس. كذلك: معظم أعمال إدوارد سعيد، كتابات بعض المستشرقين. وعلى الرغم من أن البحث استغرق ثلاث سنوات، قضيت ثلاثا أخرى بالقراءة حول الموضوع.

*هل تعتقد أن النقد العربي المعاصر يستند بشكل كلي، إلى النظريات الغربية.. وفي حال كان ذلك صحيحا. فما السبب؟

**انطلقت من هذا السؤل في تمهيد كتابي وعرضت لتحولات النقد الغربي، بالتجاور مع النقد العربي، متتبعا إشكالية التأثر التي تعود الى بدايات تأسس النقد العربي الحديث، حيث وجد تيار نقدي يستلهم الموروث العربي، ويمثله: حسين المرصفي، أحمد ضيف، جبر شموط.. وآخرون. ذلك مقابل تيار آخر، تأثر بالنقد الغربي، كما لدى: روحي الخالدي، بطرس البستاني (مبكراً).

ومن ثم العقاد والمازني وميخائيل نعيمة. وأيضاً: محمد مندور الذي كان له دور عميق في التأسيس المنهجي للنقد العربي. ولعل عوامل تأثر النقد العربي بالاتجاهات الغربية، تتصل بالسّياقات الحضارية.

 فهنالك نموذج غربي متفوق، وبنى استعمارية مهيمنة، وتتلمذ بعض النقاد العرب بالجامعات الغربية، وازدهار حركة الترجمة. وهذا أسهم في تمكن التأثر العربي بالنقد الغربي، ومع ذلك فإن هذا لم يعد مستساغاً في ظل عالم يشهد تعددا ثقافيا.

 ورفضا لحالة القطب الثقافي الأوحد. فالنقد بالغرب، ليس بالضرورة أن يكون غربيا، ونموذجه خطاب ما بعد الكولونيالية الذي تأسس على يد إدوارد سعيد منهجيا، غير ان لكتاب من إفريقيا دورا في التمهيد لظهوره، ومنهم: فرانز فانون، وسنغور، وإيميه سيزار، وآخرون. ويأتي هذا بالتجاور مع أعمال مفكرين آخرين عملوا على تطوير مشروع إدوارد سعيد، وأخذه نحو مناطق أخرى، ولا سيما من الهند وباكستان، وكثير من مثقفي المستعمرات السابقة..

 ولكن الإشكالية تكمن في النقد العربي الذي لم يستطع إلى الوقت الحالي، استلهام الواقع العربي وخصوصيته، لتطوير بنى نقدية تعبر عن إشكاليات حضارية، ومنها حالة الثورات العربية، فالنقد هنا يرتهن للسياق الحضاري والتاريخي.

انزياحات وهجرات
*أوضح كتابك أهمية دراسات ما بعد الحقبة الاستعمارية وامتدادها في الثقافة العربية الحديثة. فما أهمية هذا في فتح آفاق جديدة للبحث في مستقبل الدراسات العربية؟

** ترك الاستعمار آثاره وندوبه على كل فرد في عالمنا العربي، ولا نزال أسيري تلك الأنساق من التمثيلات التي اضطلعت بها النصوص الغربية، والتي باتت أكثر حدة وعنفا بعد 11 سبتمبر، أي الآلية مستمرة، وإن اتخذت قنوات أخرى، ومنها الإعلام الذي بات يضطلع بعملية التمثيل.

 وتداعيات ما بعد الاستعمار التي خلقت حالة من الانزياحات، والهجرات البشرية من الأطراف نحو المراكز المتروبوليتانية، والتشوه اللغوي والثقافي، الذي طال المستعمرات نتيجة التخريب الممنهج من قبل المنظومة الاستعمارية، وغير ذلك من قضايا.

ثنائية الأدب والنقد
*ما أهمية هذا الكتاب في عالم النقد العربي المعاصر؟
** عندما انتهيت من الكتاب، كنت أشعر بأنه يمتلك شيئاً حقيقياً وعميقاً، ولكني لم أجرؤ على التصريح بذلك. فالكتاب يسبر أغوار موضوع شائك وصعب، إذ كنت أسعى لخلق تصور غير مسبوق، أو لنقل غير مستند إلى تجربة سابقة. فالكتاب يعنى باستقبال خطاب ما بعد الكولونيالية في النقد العربي المعاصر.

*كيف تنظر إلى كتاب "الاستشراق" الذي أصدره إدوارد سعيد، وأهميته في إعادة النظر بالكثير من الاعتقادات؟
**عند صدور "الاستشراق" احتفي به عالمياً وعربياً. لكن الاستقبال العربي توجه إلى مؤلف الكتاب، في حين توارى الكتاب، كنتيجة لحالة عاطفية تتمثل بالافتتان بالمرجعية العربية الفلسطينية للمفكر والناقد.

 وهذا ما حرصت على تجنبه في كتابي، فقيمة الكتاب تتحدد بقدرته على كشف المشروع الاستشراقي، وخطابه الذي تحول الى ممارسة هدفها تمثيل الشيء، وبهذا كان الإدراك للآليات النصية واللغوية، أي العملية التي من خلالها يعمل الخطاب في أن ينوب عن الشيء، بحيث يخرجه عن حقيقته.

ومع ذلك فإن الكتاب غير معني بالحقيقة، بمقدار العملية ذاتها، وهو يتكئ على تصورات ميشيل فوكو الذي أدرك دور المؤسسة في صوغ الخطاب، والإنابة الإنشائية، ولكن الفرق أن سعيد أبقى على دور المؤلف، بينما رأى فوكو بأن العملية برمتها محكومة بالمؤسسة.

*هل تعتقد أن قلة النقد في العالم العربي أدت الى نوع من فوضى الإصدارات الأدبية؟
**يبدو السؤال مخاتلاً، كونه يشتغل على ثنائية الأدب والنقد، وأثر كل منهما بصوغ الآخر، بينما الحقيقة تكمن في أن الأدب والنقد، معاً، يرتهنان للحالة الحضارية والثقافية، وفي عصر يشهد تحولات سريالية، يبدو المشهد الثقافي مرتبكا، فكما نعلم أن وظائف الأدب كما تعلمناها لم تعد صالحة، فالتطهير والتثقيف والمحاكاة، والتواصل، لم تعد وظائف مناسبة لعصر يتسارع في واقع افتراضي، فالكل يتواصل.

 ويعبر، ويشتم كما يشاء، والقيم المعرفية باتت في متناول اليد.. فكيف يمكن للأدب أن يمثل حاجة؟ ولهذا علينا إعادة تقييمنا لمفهوم الأدب ووظائفه، وتشكيلاته، فالأدب حالة تأمل، تعقبها عملية كتابة، ولكن الآن تبدو الكتابة أقرب إلى ردة الفعل، فالجميع يغرد، ويكتب، ويعبر مباشرة، ولكن هل هنالك من يتوقف ليقرأ ويتأمل؟

بين الشعر والبحث
*أصدرت مجموعة شعرية بعنوان "عدت يا سادتي بعد موت قصير" فمتى تكتب الشعر، ولماذا؟
** الجمع بين الكتابة والشعر أشبه بالجمع بين متناقضين، وكتاب "الرسيس والمخاتلة" تطلب مني حالة انضباطية عالية، لذلك أدخلت الشاعر في سرداب تحت الأرض إلى أن أنتهي من كتابي، ولكن تمكن الشاعر من إيجاد طريقة للخروج، ولهذا ينبغي أن أوطد نفسي على الجمع بين هذين المزاجين، ولاسيما أن لدي مجموعة شعرية شبه منجزة.

*ماذا عن جديدك؟
** لدي عمل شبه مكتمل. وهو مجموعة من الدراسات التطبيقية لنصوص أدبية متعددة الثقافات، ضمن الفضاء ما بعد الكولونيالي، منطلقا من تعالق هذه النصوص وتجربة الاستعمار المريرة، ودور المثقف وموقفه من أنساق الهيمنة. وهنالك عمل آخر، لكنه يحتاج المزيد من التأني والجهد، كونه يتكئ على منظور مختلف لدراسة نصوص الحقبة الاستعمارية، وما بعدها، عبر عينة بحثية من الأعمال الإبداعية العربية.

خطاب قلق في النقد العربي يشوبه الغموض

يعتني كتاب "الرسيس والمخاتلة: خطاب ما بعد الكولونيالية في النقد العربي المعاصر"، للدكتور رامي أبو شهاب، في تقديم ثلاثة مستويات ضمن موضوع الدراسة. ويهتم الأول في الخطاب اصطلاحيا..

 والأسس المعرفية التي قام عليها، كما يبحث أبوشهاب في تمثُّل الخطاب العربي، من حيث الفهم المعرفي، وتعالق الخطاب اتجاهات نقدية أخرى، ومنها: النقد الثقافي، النسوية، الماركسية، الترجمة. ومن ثم ذهب الى بحث الآليات والاستراتيجيات التي توصل اليها.

حالة مواجهة
يرى المؤلف في محاور بحثه، أن خطاب ما بعد الكولونيالية بدا قلقا، وغير واضح المعالم في النقد العربي، وأبرز الكاتب تلك الديناميكية التي تمثل حالة المواجهة، بماضيها ومستقبلها، ومحاولة إيجاد حالة من التواصل الحضاري، والحوار، وإعادة النظر في مفاهيم الوطنية والقومية والنماذج المتفوقة.

 ولذلك كان الهدف متابعة محاولة البحث، كون السياقات تثري هذه القضايا، والأدب منذ بدء الاستعمار، وإلى الوقت الحالي، يقع في أتون هذا الواقع، بوعي وبلا وعي. فروايات نجيب محفوظ والطيب صالح وغسان كنفاني وحنا مينا وعبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا..

وغيرهم، هي نماذج وصدى للحقبة الاستعمارية، ومن هنا، كان الكتاب منشغلا بعملية استقبال النقد العربي لخطاب ما بعد الكولونيالية، وتمثله نظرياً وتطبيقياً، والوقوف على الأدوات والوسائل والتوجهات التي حكمت هذه العملية.

مستويان
يبين مؤلف الكتاب، في معرض نقاشاته بالكتاب، أن الثقافة العربية حضرت في ظلال الآخر ضمن مستويين: الانجذاب نحو الآخر، مقابل التنافر والرفض، والإقصاء.

غير أن عملية الاستفادة من هذا التصور لم تستثمر كما ينبغي، باستثناء بعض أعمال النقاد العرب، ومنهم: عبد الله إبراهيم، جابر عصفور، فيصل دراج، فريال جبوري غزول، عزالدين مناصرة. ما يعني، الحاجة الى إعادة تعريف علاقة النقد العربي بالنقد الغربي من حيث الإفادة بما يتصل والخصوصية العربية.

بطاقة
الدكتور رامي أبو شهاب. كاتب وباحث أردني. من مواليد عام 1974. حاصل على الماجستير من الجامعة الهاشمية- في في الأدب والنقد العربي. نال درجة الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث (الخطاب والنظرية النقدية)، من معهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة. شارك في ندوات ومؤتمرات ثقافية عديدة. صدر له عدد من المؤلفات والكتب، منها: عدت يا سادتي بعد موت قصير (مجموعة شعرية).