يعد مكاوي سعيد أحد أبرز المثقفين الذين شاركوا في ثورة 25 يناير 2011. كما أنه شاهد عيان على الكثير من أحداث الثورة، وعلى مطالب المصريين بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية. وحرص على تدوين وقائع هذه الأحداث بصورة ملخصة في «كراسة» بحجم كف اليد، ثم فكر أن يعود إلى هذه الكراسة ليجد عند مطالعتها، أن هذه اللحظات تتراءى بتفاصيلها له، فعزم على أن يكون كتابه مجرد كراسة، يضعها بين يدي القارئ في الحالة التي هي عليها، فكانت «كُراسة التحرير».

يتحدث سعيد في حواره مع «بيان الكتب» عن كتابه، موضحاً في الوقت نفسه أفكاره ورؤاه إزاء مجموعة قضايا إبداعية ومجتمية، ومشيراً إلى أنه اعتنى ويعتني بالكتابة عن المهمشين، لكونه يحبهم، بل إنه، أصلاً، واحد منهم.

كيف تصف خصوصية «كراسة التحرير»، وتعرف طبيعة مضمونه؟

اعتنيت في كتابي بالمشاهدة. مشاهدة تفاصيل صور ميدان التحرير ومقاهي وسط البلد التي جلست على كراسيها الشخصيات التي شاركت في الثورة وألهمتني ما أكتب.. إن هذه الكراسات، برغم صغرها، تحوي ما أريد قوله عن الثورة، وإن ما يسرده الكتاب يرسم الصورة كما رأيتها.

كنت تحمل، وأنت في ميدان التحرير، كراستك فتسجل ما يعنيك، وعندما تعود إلى المنزل تتداعى المشاهد أمام ناظريك.. ألم تخشَ أن تخرج كتابتك في وزنها الإبداعي، وهي على هذا المنوال، دون طموحاتك، لا سيما أن الكتابة الإبداعية عن أي حدث، حسب البعض، تحتاج إلى الكثير من الوقت للتأمل؟

لا تتضمن الكراسة كتابة إبداعية إلا في الحكايات التي انتهيت منها بعد عام ونصف العام من الثورة، وأخذت جهدها وتطورت في ذهني، حتى تخرج كما خرجت، وليست بها شبهة تسجيلية، سوى المكان والأحداث التي تمر بالشخصية وتتفاعل معها. أنا لا أكتب إلا ما أحبه، وما أنشره هو ما أحب أن يُعرض على الناس.

لم أكن في «كراسة التحرير» حريصاً على تسجيل الأحداث، فالكراسة تتناول أحداثاً يعرفها كل العالم. كنت أتحايل على ذلك بتقديم الطريف والمدهش من واقع رؤيتي الشخصية التي أعتقد أن غالبية القراء لم يعرفوها، كما أن تضمين النص بعض حكايات التحرير التي نسج الخيال خيوطها، بالتضامن مع الواقع، جنبني فخ الوقوع في التأثير المباشر التسجيلي.

كيف ترى الاختلاف بين الكتب التي تحدثت عن الثورة وبين «كراسة التحرير»؟ وهل تُفكر في كتابة عمل إبداعي يؤرخ للثورة؟

جميعها مُهمة، وستستخدم جميع تلك الأعمال في مرحلة تالية؛ لتوثيق الثورة، وللحديث عنها بوجه عام. وفي ما يتعلق بفكرة كتابة عمل روائي إبداعي، يتحدث عن الثورة المصرية، أرى أن إقحام الأدب في الثورة، على هذا النحو، لا بد أن ينال من العمل الإبداعي بشكل عام، إذ يضره ولا يفيده.

«تغريدة البجعة»

استخدمت في «تغريدة البجعة» تقنية الريبورتاج السينمائي. ماذا عن جدوى هذه التقنية الكتابية.. أكان ضرورياً استخدام صيغة التحقيق للبحث في الأزمة وتحولات شخوص روايتك؟

أثنى النقاد والقراء كثيراً على استخدام التقنيات السينمائية في الرواية؛ لأنها ساعدت على تدفق الحكي وسرعته، مع التحرك بسلاسة داخل أزمنة عِدة، من دون أن يمل القارئ أو يفقد تركيزه أو يتشوش تحصيله.

تحتفي «تغريدة البجعة» بإشارات تصلها بالواقع الاجتماعي العربي وتاريخ مصر في فترة السبعينيات من القرن الـ20، وهذا يمتزج بالكثير من الذاتي والشخصي. ما نظرتك ككاتب إلى إسهام خبراتك الحياتية وتاريخك في إنجاز هذا العمل؟

أهتم بكتابة الرواية التي تتضمن معلومات ربما تغيب عن معظم القراء، والتواريخ المهمة التي تتقاطع وتتوازى مع تاريخي الشخصي، بقدر اهتمامي بعدم الخوض فيها كثيراً، ذلك حتى لا تثقل البناء والعمل الفني.

«مقتنيات وسط البلد»

لماذا تنحاز دائماً في شخوص أعمالك إلى المُهمشين، وهو ما ظهر جلياً العديد منها؟

أسطورة هؤلاء أتت من عوالمهم المدهشة التي لا يكاد يدركها أحد. أنا أعدت تقديمهم إلى القراء والنقاد، وما نسيته من آثارهم هو المدهش أكثر.. لم أقصد أن أبتدع واقعية سحرية، فهم سحرة في الأساس.

وفي «مقتنيات وسط البلد»، بالتأكيد كتبت عنهم قاصداً إبراز حضورهم القوي في فترة السبعينيات من القرن الـ20، والتنبؤات التي كانت تصاحب ظهورهم، والتي كانت تعززها مواهبهم الكبرى في أن يحتلوا مواقع متميزة في واقعنا الثقافي والسينمائي والفني، ثم ذكرت غيابهم القسري بفعل الموت أو الهرب إلى خارج البلاد، أو توقف قدرتهم عن تحمل أعباء الوجود في بلد عملاق اسمه القاهرة.

 كتبت عنهم لأني كنت أحبهم.. كتبت عنهم راثياً لهم، لأني ببساطة كنت واحداً منهم، وابتسم لي الحظ فلمعت، وإلى وقت قريب كنت مهمشاً، وكنت على بعد درجات قليلة من الاختفاء مثلهم. وكنت ساعتها سأتمنى أن أجد من يكتب عني؛ لذا أسميتهم «مقتنيات وسط البلد»؛ لأننا نقتني الثمين والنادر والمهم.. ويبقى بعدنا في أيدي غيرنا الدليل على وجودهم.

حكايات ووجوه وأمكنة تحاور «قرص الشمس»

 ينقسم كتاب «كراسة التحرير»، إلى جزأين، الأول يضم «حكايات» للوجوه التي شاركت في الثورة، والتقى بها الكاتب. وتبدأ أولى الحكايات بفتاة تُدعى «صابرين»، لم يتجاوز عمرها الرابعة عشرة. ويصفها الكاتب «صابرين فتاة ضامرة، لوّنتها الشمس حتى بات من الصعب التأكد من لون بشرتها الحقيقي، وأدماها السير حافية في دروب وسط البلد وشوارعها وأزقتها، فتشقق باطن قدميها وتحول إلى شكل خريطة متشابكة الحدود والتضاريس.. فرت في بداية الثورة إلى الجهات المغايرة لجهات الثوار، هرباً من الدهس والقتل، ومن ثم ضمها الثوار، أو بمعنى أصح: الثائرات، إليهن. وجلست إلى جوارهن».

يتابع مكاوي في حكايته رصد محطات حياة صابرين منذ تلك الأوقات، إذ يبين كيف تلقت خبر رحيل الرئيس بحزن، رغم فرحة كل من حولها، وذلك لأنها لن ترى الفتيات والثوار الذين ارتبطت بهم طوال الفترة الماضية، وبهذا سيرحل كل منهم إلى شأنه، وستبقى هي طفلة في الشارع، يشاهدها المارة من دون أن يعيروها أي انتباه.

«كمال خليل»

تدور الحكاية الثانية في الكتاب حول قصة الناشط السياسي كمال خليل، واسماه مكاوي «نمر الثورة.. كمال خليل» الذي لديه تأثير مذهل وسط الجموع، حسب وصف الكاتب، إذ يصوغ الهتافات التي يرددها الثوار، ويتغنى بهتافه، غير مبال بالهراوة الموجهة إلى ظهره، ولا بالبنادق المشرعة نحوه. ولا يكتفي فقط بهذا، لكن، كما يصفه المؤلف، يستدير بجرأة الصياد المحنك..

ويشير إليهم بسبابته هاتفاً «الحرامي أهه.. الحرامي أهه»، ويستمر في وصفه قائلاً «له إطلالة ساحرة تسرق الأضواء، وتدفع الدماء في عروق المتظاهرين، وتكسوهم بحالة من حالات النشوة تقترب بهم من الوجد الصوفي». ويلفت في السياق إلى أن كمال خليل هو صاحب هتاف «قول يا مبارك يا مفلسنا.. أنت بتعمل إيه بفلوسنا»، وهو الهتاف الذي ألفه وأخذ يردده، حتى قبل أن تندلع ثورة يناير، من غير أن يخشى على حياته.

«بيير سيوفي»

الحكاية الثالثة حول «الثوري الحالم.. بيير سيوفي»، وهو شخصية شهيرة في وسط البلد، لطوله الفارع وبنيته التي تقترب من البدانة. ووفقاً للكاتب، يعد بيير أحد أبطال ثورة يناير الحقيقيين، وبرغم ذلك، لم يسمع عنه كثيرون، كما أنه عاشق للفن، فهو ممثل وفنان تشكيلي وحريص على اقتناء تحف ولوحات..

وعاشق لكل قديم. وفي جمعة الغضب، استضاف بيير في شقته التي تقع في أحد مباني ميدان التحرير، كثيراً من الثوار الهاربين من جحافل الأمن وعنف قذائفه. كما يضم الكتاب الكثير من الحكايات، من بينها حكايات: عم عبد التواب، أحمد لطفي، ابحث عن كارولين.

"أيدي آمون"

ويأتي الجزء الثاني من الكتاب تحت عنوان «أمكنة»، ويتناول الفصل الأول منه «ميدان التحرير.. قرص الشمس الذي أشعل الثورة». ويشير الكاتب إلى أن النظر من أعلى ميدان التحرير في قلب العاصمة المصرية القاهرة، يجعلك تتخيل أنه قرص الشمس، وأن الشوارع العديدة التي تفرعت منه هي أشعة الشمس التي تقول أساطير فرعونية «إنها أيدي الإله آمون، من هنا من هذه الشمس بدأت الثورة المصرية». ويستعرض المؤلف هنا تاريخ الميدان وأصل تسميته.

وتحت عنوان «شوارع وأمكنة شهيرة تتفرع من الميدان»، يتحدث الكاتب عن العديد من الأمكنة الشهيرة، مثل «المتحف المصري، الجامعة الأميركية، مجمع التحرير». ويبين كذلك، الشوارع الرئيسة التي تتفرع من الميدان، ومن ثم يوضح أصل تسمية كل شارع منها، مثل: شارع قصر العيني، شارع شامبليون، شارع مارييت باشا، شارع طلعت حرب.

سيرة

 مكاوي سعيد، كاتب وروائي وسيناريست مصري، رُشح إلى جائزة البوكر 2007- 2008، عن روايته «تغريدة البجعة»، بدأ مشواره الابداعي في حقل الكتابة أواخر سبعينيات القرن الماضي، وتميز خلال فترة دراسته الجامعية بمواهبه الأدبية الفريدة، وكانت له نشاطات دائمة في الندوات الثقافية في الجامعة، حتى حصل على لقب شاعر الجامعة عام 1979. ثم قدم في ثمانينيات القرن الماضي أعماله القصصية الأولى، فاز بجوائز عديدة. من مؤلفاته: الركض وراء الضوء (مجموعة قصصية).