يعد المفكر المصري السيد ياسين أحد أبرز الباحثين البارزين في مجال الدراسات الاجتماعية والمستقبلية، إذ قدّم في كتبه قراءات مهمة للأوضاع السياسية والاجتماعية، مصرياً وعربياً، اهتمت بأسس البحث الاجتماعي، تشريح السلوك الإجرامي، الشخصية العربية بين تصور الذات ومفهوم الآخر، مصر بين الأزمة والنهضة، الوعي التاريخي والثورة الكويتية.

 كما اعتنى في السنوات الأخيرة بدراسة جماعات الإسلام السياسي، كاشفاً انحراف أفكارها. وهو يكشف في حواره مع «بيان الكتب» عن جملة تفاصيل ورؤى خلص إليها، مستعرضاً مضمون وسياقات بحث كتابه الأخير «الزمان الثوري.. 25 يناير - 30 يونيو تحليل للموجات المتدفقة».

لماذا عنونت كتابك بـ«الزمان الثوري»؟

لأنه يعبّر عن حالة التوتر في التاريخ العربي المعاصر، بعد ثورات ما أطلق عليه الربيع العربي، وعلامته البارزة الانتفاضات الجماهيرية والتمردات والثورات. ومن ثم الزمن الثوري له مواصفات خاصة، وله حركية محددة في التغير..ومن ثم لا تعرف متى وكيف سترسو سفينة المجتمع الثوري.

الزمن الثوري سيستمر طالما لم تتحقق الأهداف التي قامت من أجلها الثورات، وكما رأينا في مصر خلال ثورة 25 يناير، تبعتها موجة ثورية جديدة (30 يونيو)، مرة أخرى هناك احتمالات أن تحدث موجات ثورية في كل بلد قامت فيه ثورة.

لا مستقبل لها

هل ستشارك في هذه الموجات التي يحتمل حدوثها، جماعات الإسلام السياسي؟

إنها تشارك في التخريب والعدوان، حالياً، على الشعب المصري، إذ أصيبت بصدمة مروعة بعد سقوط جماعة الإخوان المسلمين التاريخي، وما يحدث من أعمال عنف وترويع للشعب المصري شيء غريب، إن الجماعة الإخوانية أغرب جماعة سياسية في التاريخ، تريد أن تحكم الشعب بالقوة..

ومن ثم لا يمكن تصور أن يكون لها مستقبل، لذلك وضعت عنواناً لكتاب سابق حول جماعات الإسلام السياسي «الفشل السياسي والسقوط التاريخي»، فحتى لو مارست حياتها المريضة بتمرد وعنف ضد القوات المسلحة والشرطة والشعب، لا مستقبل لها، لأنه ثبت تاريخياً أن هذه الصيغة لا تقبلها الشعوب..

ومن ثم لا مستقبل لها إلا إذا راجعت نفسها مراجعات جذرية، كما فعلت الجماعة الإسلامية الإرهابية وجماعة الجهاد الإرهابية، وأنا أشك أن لديها القدرة على ذلك، لأنها متشبثة بمجموعة أفكار مريضة لا أساس لها تاريخياً ولا واقعياً.

شرط أساس

عالجت في الكتاب عدداً من القضايا المتعلقة بتلك الجماعات وعلاقة الدين بالسياسة، كيف تتصور العلاقة بين الدين والسياسية في مصر خلال الفترة المقبلة؟

علاقة معقدة وستبقى كذلك معقدة إلى أن يستقر مبدأ أساسي، والشرعية الوحيدة للأحزاب السياسية ينبغي أن تكون شرعية دستورية ديمقراطية، لا دينية. أما إذا قام حزب سياسي لجماعة الإخوان المسلمين أو السلفيين، وقيل إن المرجعية دينية، فلا مستقبل لهذا الحزب، ولا مستقبل لهذه السياسة.

ماذا عن دور المثقفين في هذا الشأن؟

لا بد من إعداد مشروع ثقافي لمواجهة أتباع الإخوان والسلفيين وفكرهم، ولا بد من وجود جهود ثقافية منهجية لتبيان حجم الإفلاس الفكري لهؤلاء. إن «الإخوان» جماعة إيديولوجية، وتخلط بين الدين والسياسة، وتتبنى التطرف الإيديولوجي. وهناك تناقض ثقافي شديد بين رؤية ليبرالية بالدولة المدنية المنفتحة، وبين رؤية دينية منغلقة تتبنى مشروعاً وهمياً، هو استعادة الدولة الإسلامية، لتصبح مصر فيه مجرد ولاية عاصمتها القدس.

وصفة حلول ناجعة

ماذا عن انتخابات الرئاسة المقبلة في مصر، وما رأيك في ما يثار حول المشير عبد الفتاح السيسي، وإعادة إنتاج عبد الناصر، وعهد الستينيات من القرن الـ20؟

إعادة زمن الستينيات كلام سطحي، لا يمكن تكرار الزمن وإعادة التجارب القديمة، لأن الزمن حالياً مختلف تماماً عن زمن عبد الناصر. القضية التي يجب أن تشغلنا: كيف تكون مواصفات رئيس الجمهورية؟ وفي رأيي يجب أن تكون لدى الرئيس رؤية سياسية واضحة المعالم، ولديه قدرة على تجميع عقول الأمة بصيغة استراتيجية للعشرين سنة المقبلة، ويكون شخصية حاسمة ولديه شعبية كبيرة.

وأنا أرى أن مشكلات مصر جسيمة لا يستطيع الفريق السيسي أو غيره حلها وحده، فنحن كنخبة سياسية «مزعومة» لم نعلم الناس كيف يفكرون، وما مبادئ التخطيط الحقيقية، لم نقل لهم إن للتخطيط ثلاثة أزمان:

القصير والمتوسط والطويل، وغيرها من المبادئ. كان يجب أن نشرح للجماهير الكثير، وتقديم مشكلات مصر الحقيقية، وتقديم الحلول المتاحة، والمدة التي تستغرق في حلها. بهذه الطريقة سنساعد الرئيس القادم أياً كان، فلا يوجد رئيس يمكنه حل كل مشكلات مصر. الحل يكمن في المشاركة بين الرئيس والجماهير.

 مقالات تناقش الواقع المصري وتستشرف مستقبله

 تنبع أهمية كتاب «الزمن الثوري.. 25 يناير - 30 يناير تحليل للموجات المتدفقة» للمفكر السيد ياسين، من كونه يعيش اللحظة التاريخية التي تتمثل في ملاحظة وقائع الثورة المصرية في 25 يناير لحظة وقوعها. ويتابع تشكلها وتطورها من يوم إلى آخر، حتى الموجة الثورية الثانية التي خرج فيها ملايين المصريين، لإطاحة حكم الإخوان المسلمين..

ودعم القوات المسلحة لإرادتهم الرافضة لاستمرار هذا الحكم، وهو ما ترتب عليه عزل رئيس الجمهورية الإخواني، وتعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا الرئيس عدلي منصور، رئيساً للجمهورية. وإعلان خريطة طريق تتضمن إدخال تعديلات على دستور 2012. وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة، وما جرى بعد ذلك من عنف وإرهاب من الجماعة الإخوانية.

قسمان

الكتاب يقرأ ويحلل الواقع المصري السياسي والاجتماعي والثقافي، وانعكاسات المحيط العربي والعالمي عليه، ويحاول استشراف المستقبل، وهو يشكل سلسلة مترابطة من المقالات التي نشرت بدءاً من يناير 2013، وتنقسم المقالات إلى قسمين، الأول موضوعه أحداث الثورة المتسارعة، ويضم مجموعة من المقالات، منها:

«تحليل لأحداث الثورة»، «ثلاثية المقاومة والتمرد والثورة»، «البحث عن الشرعية المجتمعية». أما القسم الثاني، فموضوعه أصداء الثورة، ويضم مجموعة من المقالات، مثل: النخب والثورة، الانحراف السياسي والعنف الفوضوي، الثورة والقانون.

«العقل أساس»

يؤكد ياسين في كتابه أن العقل أساس اتخاذ القرارات السياسية وصياغة الاستراتيجيات المناسبة للتطور، والعقلانية الاقتصادية في تنظيم الموارد وتحديد سبل الاستثمار، ويقول «على ذلك، لا يجوز في الممارسة السياسية الرشيدة الخلط المعيب بين الدين والسياسة». ويضيف «الأحزاب السياسية ذات المرجعيات الإسلامية تبدو خطورتها.

- إضافة إلى الخلط المعيب بين الدين والسياسة - في أنها تعمد إلى تكفير خصومها السياسيين، والادعاء الكاذب أن أعضاءها هم وحدهم المسلمون، وهم وحدهم الذين يمثلون صحيح الدين، وينطبق ذلك في عرفهم علي التيارات السلفية ذاتها التي شكلت هي أيضاً أحزاباً سياسية دينية، تنطلق من تهويمات غيبية، ليس لها وجود ملموس في الواقع الاجتماعي».

خلاصة

يرى المؤلف أن التطرف الإيديولوجي الذي تمارسه الجماعات الدينية، مثل جماعة الإخوان المسلمين أو الأحزاب السياسية الدينية الأخرى، هو أحد المعوقات الرئيسة للنمو الديمقراطي في العالم العربي. وبعض هذه الحركات التي تمثل التطرف الإيديولوجي ربما تندفع إلى ممارسة العنف ضد الدول القائمة الذي يصل إلى حد ممارسة الإرهاب المنظم.

يخلص ياسين، في الكثير من تحليلاته، إلى أن المصالحة السياسية مع الجماعة الإخوانية مستحيلة، لأن جماعة الإخوان المسلمين- في ما يبدو - ليست مستعدة للتنازل عن جميع مفردات مشروعها السياسي الأساسي.

سيرة

السيد ياسين مفكر مصري، أستاذ علم الاجتماع السياسي في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، شغل مناصب عديدة، منها: مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ولد سنة 1919 في الإسكندرية. وتخرج في كلية الحقوق - جامعة الإسكندرية. فاز بجوائز عديدة، منها: جائزة العويس للدراسات الإنسانية والمستقبلية (الدورة13: 2013-2012). لديه مؤلفات كثيرة، بينها: الشخصية العربية بين تصور الذات ومفهوم الآخر.