يُركّز الباحث محمد جمال باروت، على تناول قضايا ملحة وحيوية، تمس مختلف جوانب الحياة في مجتمعاتنا، معتنياً في هذا السياق، بتوضيح طبيعة الجذور والأسس التاريخية لشتى الإشكالات والمشكلات الحالية. ويؤكد باروت في حواره مع «بيان الكتب»، أن ثمة عقبات واجهته في اعداده كتاب "التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية: أسئلة وإشكاليات التحوّل من البدونة إلى العمران النظري"، منها: محدودية الدراسات والبحوث المتعلقة بتاريخ المنطقة.
يُبيّن جمال باروت، أنه اضطر في أبحاثه الخاصة بالكتاب، للجوء إلى حزمة واسعة من المراجع والوثائق والمذكرات، وسد الثغرة بالعودة إلى وثائق الجريدة الرسمية والمداولات البرلمانية، إضافة إلى القيام بعملية إعادة البناء التاريخية للأحداث والاتجاهات، ولاسيما أنه يناقش مسائل حساسة وأساسية، مثل الهجرات وبناء العمران البشري والحضري في الجزيرة، بعد طول اندثار وخراب.
ويضيف المؤلف، أن هناك مثلاً حالة الثورة الزراعية في الجزيرة ومشاريع توطين اللاجئين الفلسطينيين فيها والعلاقات السورية التركية.. كل ذلك تطلب عملية إعادة بناء جديدة وكتابة تاريخية.
«مادة لم تستخدم»
يقول المؤلف: "كنت محظوظاً في أن أجد في الأرشيف الوطني السوري في مركز الوثائق التاريخية بدمشق مادة غنية ومتنوعة، لم تستخدم حتى اليوم في الكتابات التاريخية السورية، إلا على نحو جزئي". كما شكّلت الجريدة الرسمية للباحث منبعاً لا ينضب للتفاعل البحثي مع المواد الهائلة والمتنوعة التي تقدمها هذه المجموعات
ويتابع باروت: " حاولت في هذه الفصول، ان استند الى أكمل مكتبة مرجعية أساسية ومساعدة ممكنة بأنواعها في قواعد البيانات". ويشير إلى أنه يدين لها (المكتبة المذكورة) بالكثير. إذ قام المؤلف ببناء قاعدة بيانات ومعلومات جديدة بهدف استخدامها.
دقة
أخضع الباحث ما استطاع، بطريقة منظمة علمياً، البيانات والمعلومات كافة، في هذه المراجع المساعدة، بما في ذلك معلومات الصحف، إلى القواعد التقليدية التي أرستها المدرسة "المنهجية" في النقد الداخلي والخارجي للوثيقة والنص أو بتعبير معاصر أرحب للمعلومة. ويقول هنا: "لجأت الى المعلومات المقارنة، ولم أعتمد أي معلومة مفردة إلا في سياق احتماليتها ونقدها".
وفي ذلك كله كان الباحث يرغب في التأكيد أن حجم معلومات كتابة تاريخ الجزيرة وسوريا عموماً "ملقاة على الرصيف"، وتحتاج الى من يستخدمها بشكلها "الخام" أو من خلال بيانات وسلاسل ومعلومات جديدة في ضوء المقاربة المنهجية المركبة والتكاملية للعلوم الاجتماعية والإنسانية.
حقل مهم
يختم جمال باروت قائلاً:" يضع هذا الكتاب نفسه في حقل المكتبة التاريخية السورية، أو استوريوغرافيا" التاريخ السوري الحديث، لكن في ضوء المقاربة التاريخية في المناهج الحديثة التي تتسم بهضم معطيات العلوم الاجتماعية والإنسانية كافة في حقل ممارسة التاريخ، أو إنتاج المعرفة التاريخية في موضوع مميز لتاريخ العمران، هو عمران الجزيرة السورية".
دراسة بانورامية
يوضح باروت أن "التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية: أسئلة وإشكاليات التحوّل من البدونة إلى العمران النظري"، يحاول أن يدرس التكون الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للجزيرة السورية، باعتبارها جزءاً من الإقليم التاريخي للجزيرة الفراتية، وهو يتعقب هذه المنطقة بقبائلها وعشائرها وطوائفها وتحالفاتها وانفكاك هذه التحالفات، والهجرات إليها، والصراعات التي نشبت فيها أو على أطرافها بين القبائل المختلفة، أو بين أبناء الديانات المتنافسة، والموازين الديموغرافية التي استقرت عليها.
وفي هذا السياق، يغوص الكتاب في المصالح المتنافرة التي تحكّمت بهذه المنطقة، ولا سيما مصالح تركيا وفرنسا وبريطانيا، والتي كان لها شأن في عملية رسم الحدود والفرز السكاني وإشعال النزاعات المسلحة بين الأكراد والسريان والأشوريين وغيرهم من الأقوام النازلة في الجزيرة الفراتية.
«الجزيرة العليا»
يُبيّن المؤلف أنه، ولفهم كيفية نشوء الجزيرة السورية الحديثة، وعلاقتها بإقليم بلاد الجزيرة التاريخي، كان لا بدّ من تحديد مفهوم الجزيرة، والعودة الى جذور تبلوره وتطوره. وفي هذا الإطار يشير إلى أنه يقصد بالجزيرة السورية في هذا الكتاب، ما كان يُشكّل من الناحية المجالية البشرية جزءاً من "ديار ربيعة، في إقليم بلاد الجزيرة التاريخي، أو ما اطلق عليه الخبراء والإداريون الفرنسيون، في مرحلة الانتداب الفرنسي على سوريا، اسم "الجزيرة العليا". أو ما يعنيه اليوم المفهوم الإداري لمحافظة الحسكة في التقسيمات الإدارية السورية.
العمران البشري والأقوامي في دراسة شائقة
يُمثّل كتاب "التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية: أسئلة وإشكاليات التحوّل من البدونة إلى العمران النظري"، دراسة شائقة عن العمران البشري والأقوامي، ولا سيما في تركيزه على نشوء المدن الجديدة - مثل القامشلي -، جرّاء الهجرات الحديثة، بعد ارتسام الحدود بين تركيا وسوريا والعراق.
«إطار تاريخي»
يبحث الكتاب في التكون الاجتماعي والسياسي التاريخي الحديث للجزيرة السورية الحديثة، من خلال خمسة أقسام تؤلف في مجملها خمسة عشر فصلًا. إذ يضع الفصل الأول (القسم الأول) "الجزيرة الوسطى السورية جدلية العمران الحضري والتبدون: إطار تاريخي"، إطاراً تاريخياً للإقليم عموماً، وللجزيرة الفراتية الوسطى (السورية لاحقاً) خصوصاً، محدداً مفهوم الجزيرة ومجالها الجغرافي البشري وصولاً الى التشكيل الحديث لمفهوم" الجزيرة العليا" الفرنسي الانتدابي.
. ويتألف القسم الثاني "تاريخ الهجرات والاعمار: نشوء الجزيرة السورية الحديثة" من خمسة فصول مترابطة، أما الفصل الثالث فهو تحت عنوان "المشرق العربي الحديث: نشوء المشكلات الكردية والكلدو- اشورية والأردنية وتساقط آثارها على سورية: الأصول التكوينية والتاريخية".
مقاربة وعوامل
يبحث الفصل الرابع في "الهجرات الكبرى: موجة الهجرة الثالثة 1925-1939: التاريخ الاجتماعي والسياسي"، والتي شكلت الجزيرة السورية الحديثة أبرز مقاصدها. ثم يبحث الفصل الخامس في ردة الفعل على هذه الهجرات، عبر تعيينها في مقاربة " قلق الحركة الوطنية من موجات الهجرة"..
والعوامل التي تحكمّت بها، مع أن أثرها الصافي في اعمار الجزيرة كان إيجابياً. وهذا الأثر هو الذي يبحثه الفصل السادس "إعمار الجزيرة"، على مستوى تطوره وسيرورته وقوامه البشري وسياساته في المرحلة الانتدابية الفرنسية.
«عصيان الجزيرة»
يتطرق المؤلف في الفصل السابع، إلى "مشروع الكيان الكردي الكلدو- أشوري- البدوي في الجزيرة 1937-1939، وفي الفصل الثامن "عصيان الجزيرة: إعادة تشكيل الأحداث"، وفي الفصل التاسع " من النظام الخاص للجزيرة الى الجلاء 1939-1946 : المشاحنات الفرنسية البريطانية- التركية". ويبحث الفصل العاشر في الثورة الزراعية، كما يتوقف الفصل الحادي عشر عند "مشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين في سورية: مشاريع الجزيرة وجونستون وتحويل نهر الأردن".
«النظام الخاص»
تغطي الفصول اللاحقة في الكتاب، عملية تطور تكوين الجزيرة منذ مرحلة نهاية "النظام الخاص" الفرنسي والجلاء الفرنسي عن سوريا 1946، وحتى منتصف السبعينيات من القرن الماضي، مع توغل في بعض القضايا ذات الصلة بقضايا التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية، وإلى اواخر مرحلة السبعينيات من القرن ذاته. ويشدّد الكتاب هنا، على نشوء مشكلة "أجانب تركيا" في سوريا، وخلفياتها وأبعادها.
«الإشكالية المعاكسة »
يقارب المؤلف في الفصل الأخير، الإشكالية المعاكسة لنشأة الجزيرة السورية الحديثة وتطورها بالصيغة التالية: من الهجرة إلى الجزيرة إلى الهجرة منها: من مجرة الأسئلة إلى العمران الخامس، بعد مراحل عمرانها السابقة في الحقبة العثمانية والحقبة الانتدابية والحقبة الوطنية.
سيرة
محمد جمال باروت. كاتب وباحث سوري. ولد عام 1958 في حلب ــ دير حافر. حاصل على الإجازة العامة في اللغة الفرنسية وآدابها. وهو ناقد وباحث في قضايا الفكر السياسي والاجتماعي وخبير بقضايا التنمية البشرية. يعمل باحثاً مشاركاً في المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات، ويتولّى في المركز مسؤوليّة اقتناء الموادّ العلميّة للمكتبة..
ويشرف كذلك على عمل الباحثين المساعدين، إضافةً إلى إنجاز موضوعاته البحثيّة الخاصّة به. كما أنه المؤلف الرئيسي للتقرير الوطني الثاني للتنمية البشرية، ومدير مشروع - سوريا 2025 في برنامج الأمم المتحدة الإغاثي. لديه أكثر من 30 كتاباً، منها: الشعر يكتب اسمه، حركة القوميين العرب.
بحث شامل يدرس التكون الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للجزيرة السورية باعتبارها جزءاً من الإقليم التاريخي لـ«الفراتية»
محاور دراسية تعرض للمصالح المتنافرة التي تحكّمت بالمنطقة وكان لها شأن في عملية رسم الحدود والفرز السكاني
5 أقسام تؤلف 15 فصلا تحدد كاملة مفاهيم الدراسة وأطرها المرجعية وخلفيات النزاعات الراهنة
رصد لتفاصيل قبائل المنطقة وعشائرها وطوائفها وتحالفاتها والهجرات إليها والصراعات فيها
نهج بحثي منظم أخضع البيانات والمعلومات كافة إلى القواعد التقليدية للمدرسة «المنهجية» في النقد الداخلي والخارجي للوثيقة
كتاب شامل يضع نفسه بحقل المكتبة التاريخية السورية لكن في ضوء المقاربة التاريخية في المناهج الحديثة


