حرصت الكاتبة والسينمائية الإماراتية، منال علي بن عمرو، على أن تحيط إصدارها الثاني بالحب، وذلك عبر عنوانه الفرعي: «نصوص عن الحب وما يجاوره»، ذلك تحت عنوانها الرئيس «نقول الكثير في مزحة».
ومنال تمتلك تجارب متنوعة، تنقلت فيها بين أكثر من مجال إبداعي. فمن التصوير الفوتوغرافي إلى الإخراج السينمائي، ومن ثم إلى الكتابة. وفي كل حقل منها، استطاعت أن تحقق الكثير من النجاح الذي أهلها للحصول على العديد من الجوائز.
ويبقى لكل مجال لدى منال، دوافعه وأسبابه، فالكتابة بالنسبة إليها حاجة روحية، تحاول من خلالها ملامسة مشاعر الآخرين. وعن هذا تحدثت إلى «بيان الكتب»، أما البداية فمن عنوان إصدارها الأخير.
لماذا اخترت «نقول الكثير في مزحة» عنواناً رئيساً.. واخترت عنواناً فرعياً آخر من بين كل العناوين المتنوعة التي ضمتها مجموعتك؟
«نقول الكثير في مزحة»، إنه تعبير عن تلك الحقائق المقلقة التي تسلبنا قدرة المواجهة أوالاعتراف بما يقطن خلجات النفس من حقائق وآراء ومعان صادقة، نخشى على الآخر من ذكرها، رغبة في بقائه أو عدم جرح مشاعره. فنقدمها له على شكل مزحة مغلفة كحلوى العيد، محملة بالضحكات والنوايا العفوية التي تحتاج منا تمعناً أعمق لفهمها واستيعاب المبطن ضمنها من مقاصد.
العنوان الرئيس يمثل الأغلبية، فالكل يشترك في محاولات طرح الحقيقة من خلال المزح في موقف وآخر، أما العنوان الفرعي فهو وسيلة لضم روح الكتاب تحت مظلة الحب، لأنه شعور يعني كل من حولنا بنسب متفاوتة، وكل ما هو حولنا من أشياء تعنينا، (نصوص عن الحب وما يجاوره).
انعكاس
الإصدار عبارة عن مجموعة من الأفكار المختلفة. فما الذي يدفعك إلى الكتابة عن موضوع، من دون الآخر؟
الكتابة، بحد ذاتها، لا يحفزها سوى ملامسة موقف أو تجربة للروح والعقل، سواء تجربة سعيدة أو محزنة. فهي تأخذ طريقها نحو تلك الأزرار التي تشغل طاقة اللجوء إلى الحرف والكلمة والجمل والفقرات
.. اللجوء إلى التعبير لنفض ربكة ما من خلال فكرة أو شكل، يمكن أن نقدم فيه موضوعاً ما للقارئ، في محاولة لملامسة إحساسه والحصول، ولو للحظة، على شعور صادق يعكس ما يشعر به، أو شيء ما قريب منه. وعليه، فإن ما يدفعني للكتابة هو الرغبة في تخليص روحي من تفاقم مشاعر ما، وإطلاق العنان لها على صفحة قاحلة ترتجي الارتواء تعبيراً.
مجموعة كبيرة
كيف كنت تختارين عناوين النصوص؟
بعض النصوص تسبقها العناوين فتحدد شكلها، وهناك أخرى تأتي بعد الانتهاء من النص، بيد أن اختيار العنوان يكون مزعجاً في الكثير من الأحيان. ورغم محاولاتي المتعددة لعدم جعل ذلك عائقاً، إلا أنه في الكثير من الأحيان، يعرقل العنوان.
أحاول جاهدة أن يكون العنوان معبراً عن النص أو مستلهماً منه، أو أن يكون جزءاً من المتن، كي لا ينفصل عن الموضوع. ونادراً ما أضع خيارات متعددة للعناوين، أنا أكتفي بعنوان واحد فقط، يدون من أول مرة، شريطة أن يكون ملائماً.
متى كتبت هذه النصوص، وكيف جرى اختيارها وهل استبعدت بعضها.. ولماذا؟
كتبت تلك النصوص في فترات متعددة، خلال عام 2010 وحتى عام 2012. وتلك مجموعة كبيرة، واختيرت منها النصوص التي أدرجتها في (نقول الكثير في مزحة).
نصوص بصرية
تعملين في التصوير الفوتوغرافي والإخراج السينمائي.. كيف انعكس هذا على مجال الكتابة؟
لا أُنكر التأثر الجلي في الكتابة بعالم الصورة والإخراج، غير أنه تأثر إيجابي يركز على الصورة، ويحث على التخيل. لا أرى أي ضير منه، أو مس بطبيعتي وأسلوبي الأدبي. والكتابة لدي أيضاً تركز على الصورة وملامحها وتفاصيل المكان والزمان، وعلاقة البشر ببعضهم البعض، مع كل التباينات الواضحة بينهم.
«ما يشبهني»
ما المجال الذي تشعرين أنك ستستمرين فيه أكثر من غيره: السينما، التصوير، الكتابة. وماذا عن السبب في اختيار واعتماد الاستمرار في أيها؟
لا أعتقد أني سأختار مجالاً على الآخر، وكما أعرف عن نفسي. فأنا أميل إلى مجال أكثر من الآخر عندما يحين موعده، وتلح الحاجة التعبيرية على مزاولته. فلا أعرف الانفصال عن الصورة والإخراج أو التعبير الأدبي. هذا جزء من تكويني وتراكمات الخبرة في هذه المجالات لا تترك المجال لفكرة التخلي عن إحداها.
ما الذي تريدين إيصاله إلى الناس عبر الكتابة؟
مهما كان شكل الإبداع، فإن النتاج الفني أو الأدبي هو تجربة حقيقية تقدم بشكل مناسب ليقترب منها الآخر، بغرض المتعة أو المعرفة أو الخبرة، أو التجربة أو ربما التسلية. لذا أنا أريد أن أوصل ما يمثلني ويشبهني ويعبر عني، رغبة في التقريب من فرص التواصل وتبادل الأفكار وردود الأفعال التي تسهم في التطوير والتغيير، وتشجع على الطموح والتطلع إلى الأفضل.
هل تكتبين كل ما يخطر على بالك فجأة أم تؤجلين ذلك؟
لا أؤجل رغبة الكتابة. فهي تطرأ فجأة، في أي مكان وأي زمان. إنها إحدى حاجات الروح التي لا بد من تلبيتها.
أتشعرين أن هناك ما يميز كتاباتك كأنثى، أو هل أنت مع فكرة تصنيف الأدب، بين نسائي وآخر يخص الرجال؟
لا أحبذ هذا الفصل أو تخصيص فئة حسب نوع الجنس، الإبداع إنساني لا يجب أن يكون مقسماً أو محدداً ولا يجب أن يوجه نحو الفروقات بيننا كبشر.
رموز محلية
كيف تحضر البيئة المحلية ورموزها في إصدارك الأخير؟
إنها موجودة إلى حد كبير، والتأثر واضح في الطرح. لا أحاول الانسلاخ مني، بل أنزح نحو الأعمق، لأن سعادة غامرة تتملكني كلما اقتربت أكثر من شيء يذكرني بما يشبهني ويمثلني، سواء في الماضي أو في الحاضر.
لديك مهارة الاختصار وإيصال أفكارك في عبارات مختزلة.. كيف يحدث هذا؟
أعتقد أنه كثيراً ما يأتي ذلك من منطلق عدم ترك الملل يتسلل إلى القارئ. وبذا تبدأ مرحلة إعادة الكتابة والإلغاء، وتركيز المعنى في جمل مقتضبة وإيصال فكرة ما من خلال بعض الجمل، هي محاولات لضبط النص قدر الإمكان. وهذه مهارة لا تأتي إلا بعد تجارب، سابقة وقادمة، أتطلع أن توصلني إلى مرحلة التمكن منها.
هل تفكرين مستقبلاً، في إصدارات روائية.. أو هل لديك مشروع لكتابة رواية؟
حالياً، أكتب مشروع رواية أتطلع إلى إتمامها.. وهي بعنوان (غابت تحت شجرة).
لمن تقرئين ولماذا؟
أحرص على قراءة أسماء معينة، مثلما أحرص على قراءة الجميع، لأن من نعتاد على القراءة لهم يقدمون لنا المتعة والفائدة بنتاجهم والإبحار في عالم قيم مؤثر وملهم.. ومن أهم الكتاب الذين لا أتوقف عن القراءة لهم: واسيني الأعرج، عبد الرحمن منيف، إيزابيل الليندي، ماركيز، ميشيل فوكو، غسان كنفاني، نزار قباني، سركون بولص.
ما مشاريعك المستقبلية على صعيد جميع المجالات التي تعلمين عليها؟
كما أسلفت، أعمل على مشروع الرواية. وكذلك تطوير نصوص لأفلام سينمائية قصيرة وفيلم طويل، غير أن النصوص السينمائية تتوقف عند مرحلة التطوير حالياً، وذلك لأنني أطمح إلى بلوغ مراحل إنتاجية أفضل من ما كنت أعمل عليه في السابق، ذلك لما تشهده الساحة المحلية من تقدم ملحوظ وجودة متميزة في الإنتاجات السينمائية.
«نصوص عن الحب» في لغة بصرية تعانق الحالات الإنسانية
يتميز كتاب «نقول الكثير في مزحة.. نصوص عن الحب ومايجاوره»، للكاتبة والسينمائية الإماراتية، منال علي بن عمرو، بلغة بصرية محكمة، وبأحداث حيوية، تناولتها الكاتبة بعبارات مقتضبة، جامعة بين الكتابة السينمائية، من حيث التقنية السينمائية، ذلك عبر 35 نصاً تراوحت ما بين النصوص العادية والقصيرة، إذ استهلتها بإهداء قالت فيه: «إلى طفل بقلب سمكة، في طريقه للملاهي رسم على وجهه شارباً كبيراً».
«الولادة»
تتناول منال في قصتها الأولى ضمن الكتاب، المعنونة بـ «الولادة»، موضوعاً يرمز إلى بدايات الإنسان التي ربما يصنعها أو تصنعه في كل مرحلة، وتقول في الخصوص: «حتى هذه اللحظة، ما زلت أمارس الكثير من العادات القديمة، التي كنت أعتقد أنني سأتركها، أو تتركني يوماً، صحيح أنها تركتني في عزلة داخلية لا أعرف أن أفسرها لمن حولي». إلى أن تصل إلى القول: «كنت أنتظر محطة أخرى تنقلني نحو عوالم لم أرها وبشر لم أعرفهم».
«خزائن الصبر»
تلامس الكاتبة في نصوص أخرى، ضمن الإصدار، حالات إنسانية متنوعة، وذلك مثل ما تفعل في نصها: «خزائن الصبر«، الذي قالت فيه: «هو الإيمان وطاقة الصبر، ومنهم نصيبنا في الحياة، وتقبله مع ارتداء معطف الرضا». ونجد أن ألوان الحالات الإنسانية، مثل الصبر، تتكرر في نصوص الكاتبة وتتنوع، ضمن الكتاب، بِأشكال كثيرة، فأحياناً هي مثل:
«بالقرب من خارطة القلب».. و«أخطاء». أو ربما تطفو إلى السطح حالات إنسانية أخرى، مثل: الغياب.. «وداع متأخر».. «من يغمض عينيه وآثر الغياب، وأشرع للصمت السيادة شخص لم يعرف الحب».
ونجد أنه توالت العناوين في الكتاب، التي تختزل حالات مختلفة، والتي يكشف عنها العنوان أحياناً، مثل: «تحت وطأة الحاجات، الراحلون بعيداً». كما أن منال استحضرت في نصوص أخرى، مشاهد من البيئة المحلية لتنسج حدثاً في أجواء تثير ذاكرة الكثيرين مثل «نوارس الخور».
عبارات تقديم
يبدو لافتاً أن الكاتبة الإماراتية، وضعت عبارة قبل كل نص. ومن بينها تلك التي تقول فيها: «المرة الأولى التي شاهدت فيها البطة تنام واقفة على قدم واحدة، عرفت أن السر في التوازن وليس في الكمال». وذلك قبل نصها «شيء مني».
محطات
حصلت الكاتبة والسينمائية الإماراتية، منال علي بن عمرو، على بكالوريوس الاتصال الجماهيري من جامعة الإمارات عام 2000.
أخرجت العديد من الأفلام القصيرة. وفازت في جائزة مهرجان دبي السينمائي في دورة عام 2006، ذلك عن موهبتها في فيلم «وجه عالق». كما حازت جائزة أفضل مخرجة إماراتية في مهرجان دبي السينمائي 2009.
نظمت العديد من معارض التصوير الضوئي. وحصلت على المركز الأول «الميدالية الذهبية» في فئة البورترية من مسابقة المعرض الأوروبي الثالث للمصورين العرب في ألمانيا.
لديها كتاب بعنوان: «بعيداً عن أيادي المومسات».

