مي منسّى: حبري أصبح أسود من هول الحروب

صورة

تستمد الروائية اللبنانية مي منَسى أفكارها الأساسية، من واقع الحياة. وهكذا كتبت عن الحرب، عبر روايتها «أنتعل الغبار وأمشي» وكتبت عن سيرة والدتها عبر «ماكنة الخياطة».

وفي كل المرات تطغى على الرواية اللغة الإنسانية العالية التي ميزت كتاباتها، لتعكس من خلالها تجربة حياة، وتعكس سلامها وهدوءها الداخلي، بعد أن اعتادت على إشكاليات الحياة وعلى وجود الكثير من الأحداث التي وصفتها بالسوداء.

تحكي مي منَسى، في حوارها مع «بيان الكتب»، ملامح تجربتها وتفاصيل همومها في عوالم الكتابة، متحدثة عن السلام الروحي الذي تشعر به وسط هذه «الدراما العربية»، موضحة ماهية التجديد المستمر في تجربتها الروائية، ومخصصة حيزاً كبيراً، في السياق، لمضمون ورؤى روايتها «ماكنة الخياطة». وفي المجمل، تؤكد مي بألم وحسرة، أن حبرها أصبح أسود من هول الحروب التي تحيط بنا، وتغيب الفرح.

كيف اشتغلت على روايتك «ماكنة الخياطة»؟

عادة ما أنطلق من كل رواياتي من حدث وقع، مثل حدث الحرب، الأخ، الأم، العائلة، والسجون الإسرائيلية، ومن كل هذا يجب أن تكون في يدي العجينة، وفي «ماكنة الخياطة» تحية لوالدتي التي توفيت في دير الراهبات، بعيداً عن منزلها، والقصف كان على بيتها الذي تركته مع أغراضها..

وكان همها بعيداً عن الحرب، أن تسألني ما الذي فعلته بماكينة الخياطة التي كانت تخيط ملابسنا عليها، وتوفيت والدتي وما عرفت الذي حدث بماكينة الخياطة، وهذه الرواية أخذت مني الكثير من الانفعالات والآلام.

أنتعل الغبار

عناوين رواياتك لافتة.. فكيف تختارينها؟

العنوان بالنسبة لي هو كتاب يبقى يختمر ويعتمل في ذهني طوال ما أنا أكتب الكتاب، فـ«أنتعل الغبار وأمشي» الرواية التي وصلت إلى تصفيات جائزة البوكر، كانت تصف المجزرة التي حدثت في قرية من قرى لبنان، ذهب فيها رجال ونساء وأطفال، ولملم صديقي الكاهن الأطفال المشردين بفعلها وأخذهم إلى فرنسا ليتعلموا. والرواية مستمدة من قصة الصبي الذي تعرفت إليه عند الكاهن ووجدت أن وجهه مشظى، فسألته «لماذا وجهك هكذا يا إيلي؟» فقال:

«عندما دخل الإرهابيون ليقتلوننا نامت أمي فوقنا، ماتت أمي، وبقيت أنا وأخذت الشظايا، أما شقيقته التي اختبأت وراء الستار، ففقدت لغة الكلام».. ولاحقاً، وجد الطريقة ليعود ويدخل في المقاومة، بينما الفتاة تعلمت الصحافة وهي خرساء فأحبت الكتابة.. أحبت أن تعمل في البلدان الساخنة، وكانوا في الجريدة حيث تعمل، يقولون ما دامت خرساء أي «معاقة» فلتذهب إلى الأماكن الساخنة.

قالت هي، يريدوني أن أكون هناك لأني لا أنفع شيئاً أنا يتمية، خرجت من مجزرة بلدي، وأنا معاقة فإذا مت من سيبكيني. وفي العراق، تحت الضرب والقصف ركضت وهربت مع الناس، وفقدت حذاءها وهي تركض بين المجاري والمياه. لم تستدر لتأخذ حذاءها. قالت «سأنتعل الغبار وأمشي» وكان هو العنوان، بل من هنا يخلق العنوان.

الأحداث الدرامية التي يمر بها العالم العربي.. مادة خصبة للدراما.. إلى أي مدى شكلت هاجسك في الكتابة؟

أصبحت إنسانة سوداء.. حبري أسود، تعلمت أن الحياة هي هكذا، الحروب إن لم تكن عندنا هي في سوريا، والآن بعد أن أعطيت روايتي الجديدة لدار الساقي، بدأت أكتب بالفرنسية عن مأساة سوريا.

لم لا؟

لماذا بالفرنسية؟

لا أعلم، وهذا ما سألتني عنه أختي فينوس خوري غاتا، الكاتبة الكبيرة في باريس. قالت: تكتبين هذه المرة بالفرنسية، عندي كتب مترجمة إلى الفرنسية، وكتبت لحفيدتي بالفرنسية، وأكملت سيرتي الأدبية بالعربية، لكن هذه المرة لا أعرف لماذا رأيتني أكتب هذه القصة بالفرنسية، لا أعرف ما دامت اللغتان في وجداني وفي عقلي وفي ثقافتي، فلم لا؟

هل يمكن أن تشتغلي على فكرة روايتين في وقت واحد؟

لا، لكن حال قدمت روايتي الجديدة «تماثيل مصدعة» للناشر، ربما في اليوم ذاته، أتتني إشارة من التلفزيون فباشرت، فوراً، كتابة رواية مستوحاة عن الأحداث والقتل والاحتراب في سوريا.

على خطى السلام

تتحدثين في روايتك «تماثيل مصدعة» التي ستصدر قريباً، عن طفل تعرض للاغتصاب من قبل والده.. هل تستندين في هذا إلى قصة واقعية؟

ذات مرة، أتى إليّ وشرع يقول، أنا بحاجة إلى مساعدتك، لا أعرف من هو الذي طرق بابي، وعندما سألته لماذا تأتي إليّ.. قال: «لأنك صديقة كاهن يحب الفقراء والأيتام.. وأنا اليوم متزوج ولدي ولدان. ولكني في حال من اليتم والمآسي. أود لو تصليني به». لم يخبرني عن قصته، اتصلت بالكاهن، وقلت له سأرسله إليك.

عنده مأساة سيخبرك بها. وذهب هذا الرجل وسعى إلى أن يربط بين الزوج والزوجة لأنهما كانا على قيد الانفصال، وعندما لم يستطع الكاهن أن يوفق ما بينهما، هنا علمت ما القصة، وقصة هذا الرجل عندما كان طفلاً اعتدى عليه والده. واستمر في ذلك إلى حين بلوغه الخامسة إلى السابعة عشرة، وكان يقول له، إن تكلمت أحرمك من الطعام والمدرسة، أحرمك من الحياة ..

وكان والده إنساناً معروفاً جداً وكان العالم يجله.. وعندما أصبح عمر زواجه عشرين سنة، ولديه ولدان أراد أن يعترف بكل ذلك لزوجته ليفرغ ما في قلبه من هذا السر، وعندما قال لها ذلك قامت الدنيا وقالت له أنت كذاب أنت لوطي وكذبت علي مدة عشرين سنة، لست الزوج الذي أريده. وأريد الطلاق ومن هنا جاءت مأساة أخرى عندما أراد هذا الرجل أن يحرر هذا السر لشريكة حياته، فوجد فيها عدوة لدودة. من هنا أخذت قصة الكتاب...».

تمتلكين الكثير من السلام في كتاباتك. ما الذي أسهم في هذا الشيء؟

أنا على خطى السيد المسيح، أتأمل وأصلي. فأشعر بسلام داخلي.. لا أحب العذاب الجسماني، أمشي على خطاه في المحبة التي أعطتني هذا الدفء، منذ 44 سنة وأنا أعمل في جريدة النهار اللبنانية. وسألوني لماذا الناس يحبونك إلى هذه الدرجة، وطالما أقول لأني أحببتهم.. هذه هي سيرتي التي أخذتها من المسيح، ومن دانتي الرجل المسالم.

44 سنة

تتحدثين بمودة في سيرتك عن «النهار»، رغم أنه لديك مجلة شهرية هي «جمالك».. فما الذي يجعلك تحبذين الانتماء إلى النهار والحديث عنها؟

«النهار» هي منزلي الذي عشقته طوال 44 سنة. وما عشت مع أهلي هذا الزمن. 44 سنة وأنا أدخل إليها. إنها انتمائي وعنوان فخري. وعندما أدخل أرى الجميع يبتسمون لي ويقولون لي، القدامى والجدد، عندما تدخلين نرى الحياة أفضل. 44 سنة وأنا أكتب المواضيع التي أحب أن أكتبها. مجلة «جمالك» للمرأة وهي ليست لي بينما المقالات التي أكتبها هي لي. هي المسرح..

هي الكتاب.. هي فلسفة الوجود.. وهي الإنسان الذي يشتغل لهناء الإنسانية وللسلام.. هؤلاء أحب أن أكتب عنهم، في مجلة نسائية لا نكتب عن السلام نكتب أشياء سطحية لذلك لا أتكلم عنها.

ما الذي تطمحين للوصول إليه؟

ها أنذي وصلت هنا، وأنا أمشي كل يوم بين كثبان الرمال، ولا أجد نفسي سأصل إلى مكان، أي إلى اللانهاية، وأنا الآن أعرف أن الحياة من هنا والموت. من هنا أعرف الموت. إذ اختبرته ولم يعد يخفيني، بل يخيفني موت الآخرين.

ما الذين يؤلمك وتحرصين على إيصاله إلى الناس عبر كتاباتك؟

يؤلمني اختفاء السلام بين الأمم والسلام بين الناس والسلام بين الأديان، والسلام بين المرأة والرجل. أقول إنه لو عم السلام في العالم لتغيرت الكرة الأرضية.

تحية للوالدة الراحلة بعيداً عن منزلها

تحرر مي منَسى، في رواية «ماكنة الخياطة» الصادرة عن دار «رياض الريّس»، ذاكرتها، وتستعيد آلام عائلة عانت نوعين من الفصام، انفصام شخصية الابن الذي كان يعِد بأن يكون شاعراً، وانتهى في مصح للأمراض النفسيّة، وانفصام الهوية اللبنانية التي تشظت من الداخل على كافة الصعد.

فالحرب اللبنانية وتداعياتها وآثارها في البشر والحجر، ليست مجرد إطار زمني تجري فيه أحداث الرواية، بل هي المحرك الأساسي في التغيير الذي طال حياة الناس، مثلما طال الوطن.

والعائلة في الرواية تغرق في العتمة حين تسدل ستائر البيت كي لا يرى الجيران ما يجري مع الشاب المريض، وفي الوقت ذاته، يغرق الوطن في ظلمة الحرب التي لا يعرف متى سينتهي منها، وفي أحداثها يتوزع أفراد العائلة بين المصح والهجرة والتهجير، في صورة تعكس توزع أبناء الوطن بين الغربة داخل الوطن وخارجه.

شاهد

هكذا، تصبح «ماكنة الخياطة»، التي كانت تملكها والدة بطلة الرواية، وضاعت خلال الحرب الهوية، الآلة التي كانت الأم تخيط عليها فساتين بناتها الثلاث، اللواتي كن محرومات من حياة مرفهة.. ومحاطات بالكتب، فهي بالتالي الآلة التي كانت شاهدة على الفقر والحرمان، وحين أتيح للابنة أن تبيع بيت والديها، تركت كل ما فيه.

وحين تسألها أمها وهي على فراش المرض عن الماكينة، تشعر بأن استعادة تلك الآلة العتيقة ربما تكون مصالحة مع الماضي واعتذاراً للأم الحاضرة في تفاصيل حياة أولادها. أما الماكينة فضاعت في الواقع، وتستحضرها منَسى في الرواية، لتضعها عند امرأة جنوبية ترفض التخلّي عنها.

تنتهي سيرة الماكينة في الحياة، لتفتح المجال لقصص أخرى، تتراوح بين المعاناة من والد عسكري متشدد، يحب اللغة الفرنسية، وأم ممرضة وخياطة تحب جبران خليل جبران ابن بلدتها (بشري). فكانت النتيجة، وجود ابن فقد توازنه العقلي، وفتيات ثلاث تختبئ الواحدة منهن في حنان الأخرى، أملاً في الوصول إلى الخلاص.

تعليقات

تعليقات