يُعد كتاب "ظاهرة الإبدال في لهجات الإمارات"، للباحث الإماراتي أحمد محمد عبيد، قيمة توثيقية، فريدة، على صعيد المستوى النوعي لأشكال البحث اللغوي في المنطقة (خاصة محلياً)، وذلك ليس فقط، لبساطة وتنظيم مراحل التحليل والقراءة، ضمنه، لأبعاد التطور الصوتي وموسيقى التفاعل مع الكلمة المنطوقة، بل لما يحتويه من أطروحات اجتماعية وثقافية...
عززت مفهوم ارتباط اللهجة بمعايير تتضمن قانون الاستسهال والقرب الجغرافي للقبائل العربية وتفاعل الجيل الجديد. إذ يرصد الباحث الإماراتي، النمو الأكثر شيوعاً في اللغة حول العالم، متطرقاً إلى ظاهرة الإبدال، وارتباطها المباشر بقوانين الصوت، كميدان vحيوي لدراسة المجتمعات، اعتماداً على استخداماتها تاريخياً.
وكذا ارتباطها الزمني مع تطور الأفراد في كل منطقة، ساحلية كانت أو جبلية أو صحراوية. ويوضح عبيد في حواره مع (البيان)، أن الكتاب وثّق أكثر من 90 ظاهرة في الإبدال محلياً، مطالباً بضرورة مراقبة أشكال ومشروعات جمع مفردات اللهجة المحلية، لما لها من بعد تاريخي مؤثر في مجال البحث التوثيقي.
أوضحتَ أن ظاهرة الإبدال عالمية الانتشار في معطياتها النوعية، وأن التطور الصوتي ألقى بظلاله على جميع لغات العالم، ومنها اللغة العربية. بين تعريفك للظاهرة ودراستك الوصفية لها، ما نسبة الإبدال التي شهدتها اللهجة في الإمارات؟
في البداية، يجدر بنا التعريف بظاهرة الإبدال المرتبطة بجملة من التغيرات الصوتية، إذ يحدث تحوّل في الصوت الواحد للكلمة إلى صوت آخر، مع بقاء الدلالة والمعنى الأصلي للكلمة المنطوقة، والإبدال تحديداً يحدث على مستوى الصوت الذي يُنشِئ بدوره اشتراكاً بين كلمتين أو أكثر، ويصدر عبر جهاز النطق، محدثاً ما يسمى بالتشابه اللفظي في البناء والمعاني.
فعلياً، استخدمت الدراسة الوصفية، لاستنباط أبعاد توجهات الأفراد أو المجموعة في منطقتنا المحلية، إلى استخدام هذا التغير الصوتي على مستوى الدلالة من جهة، والتفاعل الثقافي للتداخل المجتمعي من جهة أخرى، والذي يرجع إلى ديمومة الحركة والانتقال والهجرة الداخلية، ما يتيح لنا، كباحثين، الاستناد إلى ظاهرة الإبدال في دراسة المنظومة الاجتماعية للمنطقة..
وليس الاكتفاء بتوثيقها فقط، وبالنسبة لمعدل الإبدال الذي شهدته اللهجة الإماراتية، فإنني لا أملك نسباً محددة، ولكن يمكن القول إني استطعت توثيق ما يزيد على 90 ظاهرة، مؤكداً بذلك فكرة التطور والنمو في اللهجة الإماراتية.
المفردة الشرقية
دائماً تميل إلى الحديث عن ثراء اللهجة المحلية في المنطقة الشرقية، ونجدك من أكثر الباحثين نشاطاً، في تجميع مفردات تلك المنطقة وتوثيقها، والبحث عن مدلولاتها الفكرية والثقافية. هل توجهك ذاك مرتبط بكونك أحد أبناء المنطقة الشرقية، أم بفعل رؤية خاصة محفزها أهمية استثمار هذا الجانب قليل التوثيق محلياً؟
أنا مؤمن تماماً أن لكل لغة جمالياتها.. كما أي لهجة تتسم بثراء من نوع خاص.. إلى جانب: مكنوناتها النوعية على مستوى المفردة، استخداماتها، التأثير المباشر لقوانين الصوت في نموها وانتشارها.
ولكن السبب الرئيسي في اهتمامي باللهجة المحلية في المنطقة الشرقية، غير مرتبط بالعلاقة المباشرة بها انطلاقاً من كوني أحد أبنائها، ولكن لقلة الباحثين المهتمين بمخرجات اللغة فيها، لذلك جندت نفسي للمهمة، لإيماني بالقيمة النوعية للتجميع والتوثيق.
اللهجة الموحدة
في الكثير من التصريحات الصحافية، حول نشاطك البحثي على مستوى اللهجة المحلية، تثير مفهوم (اللهجة الموحدة) أو ما أوضحت أنه إحدى مخرجات جيل الشباب في الإمارات، بالتوازي مع التداخل الخليجي والعربي. كيف تفسر أبعاد هذا الطرح على تنوع اللهجات ككل في الإمارات؟
في الفترة الأخيرة من الملاحظة والبحث في مجال اللهجات المحلية، وجدت أن الشواهد والخلاصات، جميعها، تقود إلى فكرة توحيد اللهجة، لأسباب رئيسية وجانبية عدة.
ومنها: ما يشهده الجيل الجديد أثناء هجرة أبناء المنطقة الشرقية والفجيرة ورأس الخيمة على سبيل المثال إلى الإمارات الأخرى، للحصول على فرص وظيفية أفضل، إضافة إلى تأثير السكن الداخلي للطلاب والطالبات، الأمر الذي أسهم في وجود معظم أبناء الإمارات في مكان واحد..
وبالتالي حدوث تفاعل مباشر، يؤدي بشكل ما، إلى تأسيس لهجة موحدة من قبل الشباب، وينظر إلى المسألة علمياً بأنها جزء من الحراك المجتمعي، كما تمتلك اللهجة الموحدة، سمة القرب من الإيقاع الخليجي المتصل بدولة الكويت مثلاً.
الانقراض اللغوي
هناك لهجات هي في طريقها إلى الانقراض. وبين الدعوة إلى التوثيق وتحليل التطور النوعي للهجة المحلية، في أي مرحلة يقع دوركم كباحثين، في هذه المرحلة التنموية؟
نعم. هناك لهجات بدأت تنقرض. ومنها: لهجة قبيلة (الزيودي) في منطقة دبا الفجيرة. وما أحاول صياغته في تجربتي البحثية، العمل ضمن نطاق مجهود خاص. وفي الحقيقة، أنا أتبنى مشروعاً وطنياً.
والمرحلة التنموية التي أشرتم إليها، تحتاج إلى نظام مؤسسي يقتضي تعزيز بيئة البحث، والفكرة ليست دعماً مادياً، بل مساهمة في إثراء الحالة الثقافية من قبل مجموعة باحثين، إلى تأسيس سياسة منهجية تضمن رصد موسوعات عامة وخاصة، من خلال التنسيق بين أعمال الباحثين المطروحة والمنجزة، ما سيسهم في متابعة حالات الجمع التي يتبناها العديد من الباحثين أخيراً في الإمارات. وتجنباً للوقوع في مغالطات على مستوى المفردة ومعانيها ومصادر نشأتها.
القصور التعليمي
يؤكد الباحث الإماراتي، أحمد محمد عبيد، أن القصور التعليمي، الحادث أخيراً، في مجال البحث اللغوي، أسهم.. ويسهم، في بروز أخطاء في أشكال التجميع للمفردات من قبل طلبة الجامعات..
والذي أدى بدوره إلى إيجاد إشكالية جديدة في البحث التوثيقي، خاصة وأن البحوث الطلابية تأخذ مجرى جدياً في التناول بين الأوساط العلمية. كما يبين أن معظم الطلبة يكونوا غير مهيئين لتمييز وتدوين الخصائص اللغوية، لافتاً إلى أن مشروع الباحث في الإمارات يجب أن يعتمد على تأهيل مسبق، يشترط الخبرة في التناول والطرح العلمي.
روح الصوت في الكلمات.. إيقاع اجتماعي وفكري
يتغنى كتاب "ظاهرة الإبدال في لهجات الإمارات" بروح الصوت ومدلولاته بينما يتحدث عن اللغة ومقاربات اللهجة، مؤكداً فكرة المضي نحو الإيقاع الاجتماعي والفكري للأفراد في المجتمعات. ويقدم الباحث، من خلال عقد مقارنات تناولت "ظاهرة الإبدال" في المنطقة المحلية، ماهية أشكال تداعيات الالتقاء النوعي للهجات في الوطن العربي..
وصولاً إلى بيان أصول الظاهرة في اللغة العربية، وتأثير "عصر اللحن"، اعتماداً على قوانين ومعايير علمية ترتكز إلى علم الصوتيات المتداول في البحث اللغوي. ويضيف الكتاب، الكثير في الحقل، مشكلاً إضافة نوعية. إذ تولت دار الكتب الوطنية في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، إصداره ضمن مجموعتها المعنية بالدرجة الأولى بالباحثين في المنطقة المحلية والعربية.
بساطة الطرح
أسهمت سهولة التصنيف، في جعل الكتاب في متناول كل المهتمين في المجال البحثي من جهة.. والتعليمي من فئة الطلاب، من جهة أخرى. فهناك ترتيب أبجدي بحسب نظام الفهرسة، لأبرز الأحرف والمفردات التي تمت فيها ممارسة فعل الإبدال في لهجات الإمارات المتنوعة.
ونتبين أن الكتاب، في وجهته العامة، يمثل جزءاً من الدراسة الشاملة التي عمد إلى توثيقها بشكل تدريجي، عن اللهجات في الإمارات، ذلك من خلال معاجم لغوية موضوعية، تهتم بالجانب العلمي في الاستنباط والتحليل التاريخي المقارن.
تفاصيل
أثناء قراءة الكتاب يجد المتلقي تفاصيل أسماء القبائل وتحركاتها داخل المجتمع، وهو ما يعمق المعرفة بالتباين على مستوى اللهجة المستخدمة والدارجة، بين كل قبيلة وأخرى، ذلك مثل: قبيلتا (الشحوح) و (الظهوريون). كما يتعمد عبيد، الإضاءة، بشكل منهجي، في كتابه، على العديد من الظواهر اللغوية، المصاحبة للإبدال. ومن بينها: تعطيش الحرف، نوادر أشكال الإبدال في بعض الأحرف المستخدمة في اللهجة.

