يعنى الأديب الإماراتي، إبراهيم الهاشمي، في كتاباته الثقافية التي تهتم في فن السيرة، بدقة البحث والتقصي في خصوص مجموع ما ورد عن حياة الشخص المعني وصفاته وأخباره. إذ نجده يتتبع من يترجم له بأسلوب علمي، يعتمد على تأريخ وتصوير الأحداث بطريقة تضفي عليها الحياة والحركة.

ويتضح لنا هذا المعيار والأساس المنهجي لدى الهاشمي، بجلاء، في كتابه "الشاعر مبارك بن حمد العقيلي". إذ يتناول فيه سيرة وحياة شاعر مبرز، وفق إطار ومضمون موضوعيين. ويؤكد الهاشمي في حواره مع "بيان الكتب"، أن الشعر والأدب في الإمارات في أفضل حال، ذلك بفضل الجهات الداعمة والبيئة المحفزة، وكذا تطور التعليم ومواكبة وسائل الإعلام المتنوعة. ويلفت الى ان اشعار العامية للعقيلي تفوقت في احيان كثيرة على اشعاره بالفصحى.

ما سبب اهتمامك بالكتابة عن الشاعر الراحل مبارك بن حمد العقيلي؟

ما جعلني أكتب عن سيرة الراحل مبارك بن حمد العقيلي (1875 - 1954)، أنه شاعر كبير وله اسم رنان وحسٌ مرهف، وكذلك لم يعط حقه بالشكل الذي يليق به كشاعر كبير. وهناك أيضاً، سبب شخصي، فمنذ الثمانينيات من القرن الماضي، حين اطلعت على ديوان "كفاية الغريم عن المدامة والنديم" للعقيلي، وأنا شغوف بشعره وإرثه الأدبي.

وهو ما جعلني أكتب حول سيرته دراسة نُشرت في مجلة الرافد عام 1997م، وعندما طلب مني الأخوة في مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، أن أكتب عن سيرة الشاعر الراحل، وبمساعدة أخوة أفاضل، قدمت هذا الكتاب.

قدرات وإمكانات

ماذا ميز قصائد الشاعر الراحل.. وما الصبغة التي غلبت عليها؟

العقيلي من الشعراء الذين امتلكوا ناصية البلاغة الأدبية والقدرة على الكتابة باللغة العربية الفصحى، وأيضاً بالعامية. وهو ما جعل قصائده تتسم بالقوة في العبارة والرصانة. وكذا سبكه الجميل للقصائد.

واتسمت قصائده، كذلك، بالشجاعة، كونه كان جريئاً ويذكرك ببعض القصائد التي تعود إلى العصرين: العباسي والأندلسي. كما غلبت على أشعاره صبغة الحكمة والتأمل، وتجلت النزعة الدينية في الكثير من قصائده، بالإضافة إلى قصائد الغزل التي درج فيها على استخدام المرادفات وتكرار الألفاظ بمعانٍ مختلفة.

شاعر طليعي

كيف تجد أو تحدد مكانة العقيلي ودوره في الساحة الأدبية الإماراتية؟

أعتقد أن العقيلي يأتي في طليعة الشعراء في الإمارات. وأشير هنا، أنه لا أحد ينكر أن الماجدي بن ظاهر سيد الشعراء في الإمارات، ومن ثم يأتي العقيلي في الصف الثاني.

وكان للعقيلي شهرة كبيرة. وكان مجلسه الأدبي الذي كان يرتاده أعيان ومثقفو عصره، أمثال: الشيخ مانع بن راشد آل مكتوم، الشيخ بطي بن راشد آل مكتوم، الأديب أحمد سلطان بن سليم، الشيخ صقر بن سلطان القاسمي، الشيخ محمد المحمود، محمد أحمد بن دلموك، سالم بن علي العويس، عبيد البدور، عيسى القرق، أحمد أمين المدني، يوسف الخاجة، المؤرخ عبدالله بن صالح المطوع، عبدالله الصانع (أحد أدباء الكويت). كما زاره في مجلسه، رجالات الأدب والفكر، ممن كانوا يزورون دبي، منهم: الزعيم والمفكر التونسي عبدالعزيز الثعالبي.

منهج متكامل

هل هناك منهج محدد اعتمده العقيلي في قصائده؟

امتلك العقيلي ناصية اللغة، وهو ما أهله ليكون متفرداً في شعره، وما جعله يعمد أحياناً إلى محاكاة شعر الأقدمين، على أكمل وأدق الأوجه.

وأيضاً طرق عدة فنون شعرية، مثل شعر العرضة والحربية والمواويل، إلى جانب الشعر الديني والغزلي.. وأبدع في جميعها. وأرى شخصياً، أن شعره العامي يفوق شعره الفصيح قوة وبلاغة. وهذا لا يقلل أبداً من شاعريته. ولا ننسى أنه أسهم تغربه وترحاله، في صقل تجربته الشعرية ومده بلغة واسعة، قوية وبليغة. إذ تناول في أشعاره، غالبية الجوانب، من مدح وحكمة وتأمل وغزل ونصيحة وفخر.

ما الجديد الذي أضافه كتابك حول سيرة العقيلي وحياته، في ظل ذلك الكم الكبير من الكتابات والمؤلفات التي أنجزت عنه، سابقاً؟

لا أخفي حقيقة مهمة هنا. إذ إنه عندما طُلب مني أن أكتب حول العقيلي وسيرته، شعرت بخوف شديد، وقلت لنفسي: ما الذي يمكن أن أضيفه إلى ما كتبه مجموعة من المثقفين والمؤرخين، قبلي. وكذا ما كتبته أنا مسبقاً؟

ومؤكد أن هذا الأمر دفعني إلى أن أسلك اتجاهاً وجوانب لم تطرق، عمدت معها إلى التقيد بالدقة والمنهجية. وسخر الله تعالى، لي، الظروف والأشخاص والجهات، التي أمدتني بالعون، فتوسعت في ما كنت قد كتبته حول سيرة العقيلي وقدمت تصحيحاً لبعض المعلومات بالاعتماد على الوثائق التي توفرت من جديد، ولم تكن متاحة مسبقاً.

وذلك مع مختارات من شعره الفصيح والشعبي، ومن ديوانيه المعروفين: "غاية المرام لأهل الغرام"، ديوانه الشعبي "كفاية الغريم عن المدامة والنديم".

وذلك مع إضافة عشرين قصيدة من شعره الفصيح، وعشرين قصيدة أخرى من ديوانه الشعبي. وكلها تنشر للمرة الأولى. ولم يتضمنها أي كتاب منشور، مع نشر الكثير من الوثائق حول سيرته. كما تضمن الكتاب مخطوطات للشاعر الراحل كتبها بخط يده، إضافة إلى مخطوطات كتبها غيره، ورسائل متعلقة بحياته.

دعم وإسهامات

كيف استطعت أن تحصل على المخطوطات والقصائد التي ضمنتها في الكتاب؟

كان لعدد كبير من الأخوة الفضل الكبير، بعد الله، في حصولي على هذه المخطوطات التي ضمنتها في الكتاب. فالشاعر سلطان العميمي وفر لي عدة مخطوطات أماطت اللثام عن الكثير من قصائد الشاعر المجهولة، والتي لم تنشر من قبل. وكذلك الأديب بلال البدور وكيل وزارة الثقافة المساعد للشؤون الثقافية والفنية، الذي أمدني بنسخة مصورة عن مخطوطي ديواني الشاعر، الفصيح والشعبي، معاً.

وكذا بعض الوثائق المهمة، المتعلقة بوصية الشاعر. ولا أنسى ذكر تعاون ومساعدة الأخوة إدارة التراث العمراني في بلدية دبي الذين منحوني مخطوطات لم تكن متاحة مسبقاً. وهي عبارة عن دفاتر الشاعر الخاصة، التي حصلوا عليها من الشاعر يوسف الخاجة، مع الكثير من المراسلات والوثائق.

بيئة نموذجية

كيف تقييم الحركة الشعرية، حالياً. والأدبية عامة، في الإمارات؟

تطور المناخ والنتاج الإبداعي الأدبي في الإمارات، في الوقت الحالي. ولا شك في أن الساحة تحفز على الإبداع. إلا أن هناك نوعاً من العشوائية.

هل خفت بريق الشعر في الإمارات، حالياً، لصالح الرواية؟

هذا سؤال نسمعه كثيراً. ولكن مقياس الشعر يختلف عن مقياس الرواية ولكلٍ جمهوره، إلا أننا نجد الشعر الشعبي مسيطراً أكثر بدليل أن لبرنامج "شاعر المليون" و"أمير الشعراء" حضوراً قوياً على الساحة.

بالإضافة إلى صدور مجلات ودوريات كثيرة متخصصة في الشعر. ذلك رغم أن الشعر أصبح شعر فكر وشعر عاطفة وفلسفة، أكثر من تركيزه على نمط الأشعار التي تحرك حماس الجمهور، وما نسمعه عن هيمنة الرواية في الساحة الأدبية أكثر من الشعر، ما هي إلا فقاعات إعلامية.

وثائق وقصائد جديدة تصحح تفاصيل مهمة

يستهل إبراهيم الهاشمي، كتابه "الشاعر مبارك بن حمد العقيلي"، بالحديث عن سبب شغفه في شعر العقيلي وإرثه الثقافي، موضحاً أن ذاك الشغف جعله يكتب عن الشاعر الراحل، قبل هذا الإصدار. وهو كما يبين، يركز على تصحيح بعض المعلومات المهمة، الدقيقة حول سيرة العقيلي والكثير من قصائده. كما أنه، وبمعاونة بعض الأدباء من الإمارات، استطاع أن يضمّن الكتاب قصائد ومخطوطات عن الشاعر، لم تنشر من قبل.

جوانب وتفاصيل

يجمع الهاشمي في تفاصيل تناوله سيرة العقيلي، كل الجوانب التي تمس الشاعر الراحل. وهكذا نجده يفرد صفحات خاصة للحديث عن نسبه، والذي يرجع إلى بني عقيل العامريين من آل مانع التي ترجع إلى ربيعة بن عامر بن صعصعة. ويستعرض الشاعر مولد العقيلي، مبيناً أن مولده، وعلى وجه الدقة كان في العام 1875م. إذ يؤكد ذلك، حسب الهاشمي، في إحدى قصائده، وذلك على خلاف ما ذهب إليه البعض.

ويحكي الهاشمي عن نشأة العقيلي، موضحاً أنه نشأ في الاحساء في المملكة العربية السعودية. وكان يتنقل باستمرار بين مناطق شبه الجزيرة العربية .. إلى أن استقرت به الحال في دبي، في عهد الشيخ بطي بن سهيل آل مكتوم سنة 1906م.

مستوى عالٍ

لم يغفل الهاشمي في كتابه، التعريف بالمستوى المتميز لثقافة وفكر العقيلي. ويلفت إلى انه اختار "دانة الدنيا" للإقامة كونه وجد فيها البيئة الشعرية المحفزة.. وأيضاً عشقها، فعكس ملامحها وجمالياتها في أشعاره.

كما يتناول بإسهاب، أُموراً أخرى تتعلق بحياة العقيلي، مثل: سجنه في الأحساء، تاريخ قدومه إلى دبي، مكانة دبي لدى الشاعر، مكانته الأدبية كشاعر، علاقته بالأمراء والشيوخ التي تظهر مكانتهُ وتقديرهم له من خلال طلبهم من الشاعر القدوم إليهم. ويؤكد الهاشمي أنه كان للمرأة نصيب من شعر العقيلي. كما أن المتعمق في شعره الفصيح يجد الحس العروبي الوقاد، والذي عبر عنه في كثير من قصائده، وكذا تناوله القضية الفلسطينية والقضايا الوطنية.

سيرة

إبراهيم الهاشمي. شاعر وكاتب إماراتي. أمين عام اتحاد كتاب وأُدباء الإمارات. رئيس تحرير مجلة "قاف". لديه أربعة دواوين شعرية. ولديه، أيضاً، مجموعة من المؤلفات والدراسات والمقالات.