تدعو الأديبة الإماراتية، الدكتورة ناديا بوهناد، القُراء إلى تبني مفاهيم العفو والتسامح والغفران، وتطهير النفس من الحقد، وتقدير الذات، عبر روايتها التي أصدرتها، أخيرا، بعنوان "كارما". وتغوص بوهناد فيها، بعوالم النفس لتظهر أهمية التطهير النفسي، وتقدم في هذا الإطار فكرة معنى حب الذات وفوائده السلوكية، على الإنسان. ولكن خارج إطار الغرور والأنانية.

وعن هذه الرواية، قال الناقد عبدالدائم السلامي، في مقال كتبه بعنوان "الوظيفة الأخلاقية للأدب في رواية (كارما)" : "إن أكثر ما تمتاز به (كارما) هو أنها رواية تحضر فيها كاتبتها لا بوصفها فاعلا سرديا، بل بوصفها قارئة ناقدة داخل النص...".

و"كارما" هي الرواية الثانية التي أصدرتها بوهناد بعد "رغبات". وفي حوارها مع" بيان الكتب"، حول روايتها ورؤاها، تؤكد نادية بوهناد، أنها تستمد موضوعات اعمالها من الواقع. كما أنها لا تكتب للجوائز، بمعنى غرض الفوز بالجوائز، بل تكتب لنفسها وللناس، مشددة على انها كاتبة تحب الواقع وتكتب منه وعنه.

لماذا أطلقت عنوان "كارما" على روايتك.. وهل كان العنوان الأول المرشح لها؟

الكارما في الديانة البوذية، متداولة بشكل يومي، وتعني إذا أساء الإنسان سيعاقب في الحياة الأخرى، ويدفع ثمن هذه الإساءة دائما.

وكنت قد اخترت العنوان في جملة طويلة. وبعدها وجدت أن الكلمة لوحدها كافية، ذلك بعد أن استهواني هذا المفهوم، والذي درسته لسنة كاملة، غاية الوصول إلى الشفاء الروحاني، كنوع من ثقافة التسامح. وحاولت بداية، أن أفسر هذه الفكرة في العنوان أكثر، لتوحي بالمعنى المتداول "كما تدين تدان".

من المقالة إلى الرواية

كم استغرقت من الوقت، في كتابة روايتك "كارما"؟

بقيت ثلاثة شهور وأنا أكتب الرواية. وكان هذا في العام 2012. إذ رصدت من خلالها، أحداثا تدور في الثمانينات من القرن الماضي. لكني أعتبر "كارما" رواية قصيرة، فهي قصة واحدة تتميز بأنها طويلة.

قبل "كارما" أصدرت رواية "راغبات". ما الذي دفعك الى الكتابة في هذا الحقل، رغم انشغالك بتخصصك العلمي في مجال علم النفس؟

كتبت "راغبات" لنفسي ولم أكتبها بهدف النشر، وبالفعل أصدرت عددا محدودا من النسخ. ولهذا لا تتوافر في المكتبات بقدر ما توجد عند الناس الذين أعرفهم، والذي دفعني الى كتابة هذه الرواية، هو كوني في العام 2006 توقفت عن كتابة المقالات في إحدى الصحف بعد التدخل في كل شيء في المقال، حتى العنوان. ومن ثم بدأت أرتب أفكاري من جديد، وأكتب. وأنتجت "راغبات" التي أحببت فيها جنوني بالكتابة. وبعد أن انتهيت منها، سألت نفسي:" معقول أني كتبت هذا الكلام...؟". وهو ما جعلني أرتب طاقتي في كتاب مطول.

كيف تستندين إلى الواقع في قصصك؟

استمد الأفكار من واقع الكتابة، وكذلك التفاصيل، وحتى لو افتعلت حبكة حكاية، لا بد أن تبقى واقعية. وأذكر أكثر من حديث هنا، وعندما تأتيني أفكار عامة، تتطور إلى تفاصيل أكثر من الخيال. يمكن لأني أحب الواقع، وأنا كاتبة من الواقع.

في عوالم النفس

بحكم دراستك وعملك، تمتلكين معلومات وافية في علم النفس. كيف توظفين هذا المخزون في روايتك؟

بداية. لا أرى نفسي أديبة، ولما قررت أن أكتب، وجدت في "راغبات" المزيج من الحكايات القصصية السلوكية من سير ذاتية موجودة. أما "كارما" فهي قصة من وحي الخيال، تستند الى فكرة عشت بعض أحداثها وأنا صغيرة في دبي، وأدخلت في الرواية حيثية كيف أنه تسامحت البطلة مع نفسها. وفي مناطق أخرى، أدخلت معلومات طبية عن قضايا انسانية متنوعة.

ومعلومات أخرى في علم النفس من الممكن أن يستفيد منها القارئ، كما دخلت في تفاصيل استحضرت بها دبي، وبعض الأماكن فيها، ونوع من أنواع سيارات المرسيدس المستخدمة أيام زمان، أو اسم "كوفي شوب"، حتى ان بعض الناس تذكروا كل تلك الأشياء التي وصفتها.

ما الخلاصة التي أردت طرحها في "كارما"؟

طرحت فكرة أساسية، وهي الغرام مع النفس، وهذا ليس بأنانية أو غرور، بل هو حق للناس ومفروض أن يحب كل منهم نفسه، ذلك مثل ما يقع في الغرام وتتغير حواسه. ذلك لأجل أن يحب ويعرف أن يعطي نفسه الشيء الصحيح.. ويسامح غيره، ولا يعرف الكره. وسألتني إحدى المترددات على مركزي: كيف أحب نفسي؟

فقلت لها، ممكن أن يكون لديك طفل وتحبينه من غير شروط، فلم لا تفعلين ذات الشيء مع نفسك، وتقعي في الغرام مع النفس. شعرت بهذا وأنا أقود سيارتي. فجاءتني الفكرة وتمعنت في كيفية الإحساس في الوقوع بالغرام مع الذات.

حريتي أولا

لماذا رفضت "كارما" من قبل المجلس الوطني للإعلام، عندما تقدمت بها للحصول على موافقة النشر؟

اعتبروا أن بها أفكارا تنادي بالانحلال الأخلاقي، مع العلم أن فكرة سيدة أو أسرة واحدة لا يمكن تعميمها على الجميع. وأنا التي حاربت لأحصل على حريتي، ذلك بعد أن انقطعت عن الكتابة في صحيفة لها سقف معين. ولهذا، بعد أن كنت سأطبع الرواية في بيروت، حصلت على موافقة النشر في الإمارات، ومن ثم نشرتها في "دار مدارك للنشر" في دبي.

هل تفكري في التقدم برواياتك إلى إحدى الجوائز الأدبية؟

لا أكتب للجوائز، إنما أكتب لنفسي، ذلك رغم ما يمكن أن يلاقيه الكاتب أحيانا. فعند عرض "كارما" على أحد الناشرين، بقيت لديه يومين، ليحدثني فيما بعد بفكرة الرواية عن المغفرة والتسامح، وعن رغبته في كتابة مقال عن هذه الأفكار، فأجبته لو سمحت أن تؤجل المقال إلى حين نشري الرواية، ولكن وجدت أفكاري في مقاله، ولهذا حفظت حقوق الكاتبين. وعلمت حين نشرت كتبي أن حفظ الأفكار والملكية لا يكلف إلا ثلاثين درهما فقط، مع العلم أنه يستحق أكثر من ذلك.

هل هناك عمل جديد تشتغلين عليه، حاليا؟

أعمل على رواية بعنوان "راغبون"، ذلك بعد أن قال العديد من الرجال، إني ظلمتهم في رواية "راغبات". ويتألف العمل من العديد من الحكايا التي تخبئ وراءها أخرى كثيرة.. بأسلوب تحليل وتساؤلات وقصص وتفاصيل واقعية.

 الحب والغدر والتسامح في نسيج روائي

تدور أحداث "كارما"، حول الحب والخيانة والإدانة والتسامح، واتخذت كاتبتها ناديا بوهناد من إمارة دبي، مسرحا لأحداث هذه الرواية، في زمن يعود إلى أواخر الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي، متنقلة بين الإمارات والولايات المتحدة الاميركية، من خلال حكاية مريم ومطر وآخرين.

مريم ومطر

تسافر "مريم"، طالبة الطب، إلى أميركا لاستكمال دراستها. ومن ثم يلتحق بها" مطر"، خطيبها، الشاب الذي لم يكمل دراسته الإعدادية. وتحفزه، بدورها، على تعلم اللغة الانجليزية، حتى يستطيع دخول الجامعة.

وهناك تبدأ الإشكالية التي تعود الى استعلاء مريم وانتهازية مطر. وتتقاطع الشخصيتان المحوريتان، مع شخصيات أخرى، مثل "سمية" زوجة "عبيد" عم مريم، التي أغوت مطر بأموالها وتزوجت به منتقمة من مريم، التي فضحت خياناتها لزوجها عبيد. وتنتقم كذلك من عبيد الذي كان سببا في طلاقها من زوجها الأول. كما كان ايضا، يخونها في العديد من المناسبات، عقب زواجه منها.

عودة .. فصفاء

بعد هذه الأحداث، تعود مريم إلى الإمارات وتنتهج حياة جديدة فيها الكثير من الصفاء النفسي والروحي، ما يجعلها متسامحة مع كل الناس. فتتزوج وتنجب ابنتها "ملاك". ثم تموت بسلام في المستشفى، بحضور ابنتها وزوجها. وكذلك، يموت العم عبيد بمرض السكري.

وذلك في الوقت الذي تفتر فيه علاقة مطر بزوجته، بسبب مرضها وكبر سنها. وهو ما دفع مطر العودة إلى مراهقته العاطفية من جديد، رغم إغراءات سمية المادية. ذلك في جو تبرز فيه الكاتبة الأضداد، كالحب والكراهية والأنوثة والذكورة والإخلاص والخيانة. وأيضا: المعرفة والجهل والتعالي والدونية والانتقام والتسامح.

14 حكاية

جاءت هذه الأحداث على لسان "أم سيف" التي روت القصة لابنتها "روضة". إذ انزعجت من "طيف" لأنها اختطفت عريس صديقتها "سارة". ما جعل "أم سيف" تحدث ابنتها عن صديقتها "مريم" التي تعرفت إليها في الجامعة في أميركا.

ولكن المفاجأة في الخاتمة ،أن حكاية "أم سيف" لابنتها "روضة" ليست سوى الحكاية التي احتضنت حكاية "ميرة" خلال جلسة علاج مع طبيبتها النفسية، وتنتهي الحكاية عندما تفتح ميرة عينيها ودموعها تملأ وجهها..كانت تبكي كالطفل وهي تصف نهاية "مريم" . وزعت بوهناد روايتها إلى أربع عشرة حكاية. ومنها: الصدمة وكافيتريا الجولان، فندق شيكاغو بيتش، رجل للبيع ووفاة، كورنيش الشارقة، سمية وأخواتها، نهاية مؤلمة بلا نهاية، كما تدين تدان.

سيرة

الدكتورة نادية بوهناد. أديبة وباحثة إماراتية.

حاصلة على الدكتوراه في علم النفس التربوي وتربية الموهوبين من جامعة أريزونا عام 1996 .

أستاذ مساعد في قسم علم النفس في جامعة الإمارات، خلال الفترة، من 1997 إلى 2005 .

مؤسس ومدير عام سيكولوجيا للاستشارات منذ العام 2000.

رئيس جمعية الإمارات النفسية ( ومن مؤسسيها)، في الأعوام: 2003 و2004 و2007.

رئيس لجنة جائزة الأسرة المثالية من العام 1999 إلى الوقت الحالي.

معدة ومقدمة برامج متخصصة (نفسية واجتماعية)، مثل" سكيولوجيا وحياتها" على قناة دبي.

أصدرت العديد من الكتب، منها "اتجاهات".

صدرت روايتها الأولى " راغبات" في العام 2011 .