محطات بحثية وتوثيقية، عدة، يرصد فيها الأديب الإماراتي عبدالله محمد السبب، صوراً كثيرة لمبدع حاز مواهب متنوعة فبرز كأديب مميز جمع بين موهبة الإبداعات الشعرية، في كتابه «جمعة الفيروز بين احتراقات الذاكرة واختراقات النسيان»، موثقاً أيضاً إبداعاته القصصية والكتابات المسرحية والأعمال التشكيلية والألحان الموسيقية.

 ويركز السبب على جمع لمحات بانورامية شاملة في الكتاب، عن الأديب جمعة الفيروز (1955 - 2000)، الذي راكم في مجمل الحقول الإبداعية، تركةً ثقافية وفنية كبيرة، ملهمة وفريدة. إلا أنه رحل عنها فجأة، ومن دون سابق إنذار. ولكنه، كما يقول السبب في كتابه: «عاش الفيروز كأنه لن يموت أبداً ومات كأنه لم يولد بعد..!!».

يوضح عبدالله السبب في حواره مع «بيان الكتب»، أن دافعه للكتابة عن الفيروز وسيرته، هو كونه قامة أدبية إماراتية جمعت بين مدارس الإبداع ومذاهبه ومجالاته، مبيناً أنه يهدف في هذا، إلى نقل ذاك التراث إلى المهتمين والأجيال المقبلة، وكذا تسليط الضوء على تلك الموهبة.. كي لا يخترق النسيان ذاكرة الأجيال القادمة، فيأتي يوم يجهل فيه الناس الراحل، والذي، أيضاً وأصلاً، لم يوف حقه، تماماً، من قبل البعض..

كما أن الكتابة عن الراحلين، برأيه، هي الأكثر صدقاً. فلا تملق أو محاباة فيها. ويخلص إلى السبب في السياق، إلى قناعته الراسخة، بأن لأدبائنا الراحلين حق علينا لا بد أن نوفيه، من خلال الكتابة عنهم وعما قدموه من إجداء وإذكاء للفكر والثقافة في المجتمع.

كم من الوقت استغرق إنجاز هذا الكتاب؟

أشير، بداية، إلى أن فكرة الكتاب ليست وليدة اليوم، إذ إنها راودتني منذ فترة طويلة، وشرعت قبل ست سنوات، في العمل على هذا المشروع، محاولاً جمع كل ما يتصل بالراحل جمعة الفيروز، من مقالات وشهادات وقراءات ومشاركات موثقة بالصور التي تضمنتها المجلات الثقافية والصحف والملاحق والدوريات الأدبية، التي يمكن الاستدلال بها. وهو ما تطلب مني جهداً إضافياً في عملية التوثيق والبحث.

وثائق مهمة ومنهج دقيق

ما الصعوبات التي واجهتها وأنت تعد للكتاب؟

تمثلت الصعوبة الأولى في أنني لم أكن متفرغاً للإعداد له، كوني موظفاً، ذلك خاصة وأن البحث في السيَر يتطلب وقتاً وجهداً ولقاءات وتمحيصاً وتفتيشاً في الكتب وشبكة الإنترنت، وهذا كان يحتاج عملاً كبيراً، خاصة بحكم كوني، أيضاً، مسؤول النشر في اتحاد كتاب وأُدباء الإمارات. كما أنني كنت أمام واقع مهم في الخصوص.

وهو أنه كان قد تقدم الدكتور هيثم الخواجة بالكتابة عن الراحل، الأمر الذي جعلني أتريث في إنجاز طباعة الكتاب، إلى وقت لاحق، كي لا أدخل في منافسة أظلم فيها نفسي أو أظلم د. الخواجة. وكذلك لم أرد الانقسام على وحول الشخصية نفسها.

وجاء هذا في صالح الكتاب، ووفر له معيناً وفرصة تذخيره بإضافات، إذ استطعت أن أحصل على وثائق أخرى ضمنتها فيه، مع العلم أنني أعطيت الدكتور هيثم الخواجة، في السياق، دراسة نقدية عن كتابي الأول لمجموعة شعرية بعنوان «الآن» صادرة سنة 1996 وكان من المفترض أن أضمنها في كتابي، إلا أنني لم أفعل.

تجربة مهمة

لابد أنك استفدت من العقبات التي واجهتها في مشروعك الإبداعي هذا؟

بالتأكيد. فبالرغم من كوني كاتباً في مجال الشعر والقصة، إلا أن هذه التجربة فتحت لي نافذة على آفاق إبداعية رحبة جديدة، بمقدوري معها حالياً التسلح بالجلد والحنكة في إتقان تنفيذ ما يتطلبه عمل من هذا القبيل، من مجهود متمثل في التوثيق والترجمة وتناول الشخصية بكل أبعادها ومفرداتها، وهو ما يمثل بالنسبة لي فاتحة لتناول لشخصيات أخرى، مثل أحمد عبيد ثاني. واقتربت في هذا العمل إلى أكثر من شخصية وإلى الفيروز أكثر. وعموماً، فإني أعتبره إضافة لي أكثر مما أضفته إليه.

«لا مجال للمحاباة»

لماذا تركز على سير الراحلين؟

أعتقد أن الراحلين أولى بالكتابة عنهم وعن إرثهم الثقافي والأدبي، وأرى أنه حق يجب أن نبادر إلى الالتزام به فنسلط الضوء على أعمال هؤلاء، لنعيد قراءتها ونعرف بها، المهتمين والأجيال القادمة. كما أننا حين نمارس هذا النوع من الكتابة عن الراحلين، فإننا نكون أكثر صدقاً. إذ ليس هناك مجال لمجاملتهم لأنهم رحلوا عن الدنيا..

هم ولا يستطيعون أن يقدموا لك الشكر إذا مدحتهم، عكس الأحياء الذين باستطاعتهم الدفاع عن أنفسهم وتقديم الشكر إذا قمت بمجاملتهم. كما أنني أعد لمشروع أتناول فيه سير الأحياء، أمد الله في أعمارهم، كالشاعر حبيب الصايغ، وعلي محمد راشد.

ماذا عن أبرز المحطات التي تناولتها في هذه السيرة؟

توجد أكثر من محطة في حياة الفيروز. فحياته الثقافية والفنية الممتدة، حافلة قدم فيها الكثير. وجميعها حاولت الإضاءة عليه. إذ لديه إسهامات عدة في المسرح، وفي أنشطة اتحاد الكتاب، وكذا في اليوم العالمي للشعر الذي انعقد للمرة الأولى في إمارة الشارقة، عاصمة الثقافة العربية، عام 2000. وهناك، أيضاً، أعماله الموسيقية التي قدمها للإذاعة في المناسبات الوطنية.

ولا ننسى كونه شاعراً وطنياً حقيقياً لديه الكثير من القصائد التي تتغنى بالوطن. وكذلك أعماله في التلفزيون التي قدم فيها إسهاماته في الأفلام الوثائقية والسهرات التلفزيونية، إلى جانب الأغاني الوطنية التي قدمها إلى بعض المدارس بالإضافة إلى إسهاماته في التراث الشعبي.

ومن المحطات المهمة التي استطعت أن أضمنها في الكتاب، لقاءاته الأدبية في ثمانينات القرن الماضي، التي ضمت مجموعة من الأدباء والمثقفين كانوا يجتمعون في مكان واحد، من دون أن تربطهم ضوابط وقيود مؤسسية، وإنما حباً بالأدب والثقافة، وهم: الراحل محمود يوسف، عبدالعزيز جاسم، يوسف أبو لوز، مسعد النجار.

ابن بيئته

أي الميزات كانت الأبرز في كتابات الراحل.. وما الصبغة التي غلبت عليها؟

كان الفيروز شاعراً وأديباً، احتشدت كلماته في تسلسل سردي جميل وحكائي متقن الحبكة وغنائي متقن البلاغة، ذلك نظراً لما امتلكه من مخزون ثقافي وأدبي وفني. إضافة إلى المخزون اللغوي الكبير لديه.

ازدهار ثقافي

بمن تأثرت في كتاباتك؟

أريد القول إن الإنسان نتاج أمرين: نتاج قراءات ومكابدات، حياته الإنسان بكل تفاصيلها وآلامها (فحياته انعكاس على إبداعه، وإبداعه مرآة حقيقية لحياته، مثل الوجه والوجه الآخر). أنا تابعت وقرأت للكثير من الأدباء، واستفدت منهم بلا شك، إلا أنني لم أتأثر بأي أسلوب أو مدرسة.

كيف ترى واقع الحركة الأدبية والشعرية في الإمارات؟

الحركة الأدبية والشعرية في الإمارات أراها في نمو وتطور، بالإضافة إلى الحركة الثقافية عموماً. إذ نشهد زيادة في عدد الكتَاب والأنشطة الثقافية والمسابقات التي تقام، كجائزة الشيخ زايد للكتاب. وأيضاً: مسابقة غانم غباش، مسابقة جمعة الفيروز للقصة القصيرة، وغير ذلك. كذلك هناك معارض الكتب في الدولة.

 «الفيروزيات».. روح بين ضفاف وفضاءات

يأتي كتاب «جمعة الفيروز بين احتراقات الذاكرة واختراقات النسيان»، لمؤلفه عبدالله السبب، ضمن سلسة أعلام من الإمارات، التي تصدرها مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، إذ يتناول فيه السبب، الحياة الأدبية والفنية للراحل جمعة موسى الفيروز، في إطار احتفائي تأبيني، مضيئاً على أوجه القصور في حق الراحل وحال نسيان إرثه الثقافي، من قبل البعض.

8 فصول

يتألف الكتاب من ثمانية فصول، وفي مقدمة كل منها، أشعار وكتابات للراحل، بالإضافة إلى ملحق يتناول المراجع. وخصص المؤلف، الفصل الأول لمقدمة تضمنت الإهداء وتقديم الكتاب، بقلم الأديب إبراهيم مبارك.

محطات وإسهامات

يضيء عبدالله السبب، بعمق، على حياة الراحل وإبداعاته. ويستهل توثيقه وبحثه، بنبذة مختصرة عن مولده ونشأته وأبرز المحطات في حياته، موضحاً فيها، بدايات التحاقه بالمسرح الوطني في رأس الخيمة.. ومن ثم انضمامه إلى اتحاد الكتاب والأدباء، ومشاركاته وإسهاماته المختلفة. وما قدمه من إبداعات فنية، إلى جانب دوره في إثراء الساحة الثقافية بأعماله الأدبية، من قصص وقصائد.. وكذا ألحانه ومسرحياته.

رباعي الأضلاع

يتناول عبدالله السبب، في كتابه، الأعمال الأدبية والفنية للفيروز، بين ضفاف عدة: ضفة المسرح وضفة اتحاد الكتاب. وكذا ضفة المنتج المسرحي وإصدارات الراحل قبل رحيله، وضفة المنتج الثقافي للاتحاد التي عاصرها الراحل، والتركة الثقافية التي عاصرها الاتحاد بعد وفاته، حيث صدرت له ثلاثة أعمال أدبية. كما يقدم الفضاءات الشعرية للراحل.

عقد على الرحيل

يرصد مؤلف الكتاب، حياة الراحل، كظاهرة أدبية أثرت المشهد الأدبي الإماراتي، مدرجاً شهادات نُشرت في الصحيفة الثقافية «همايل»، بعد عقد من الزمان على رحيله. كذلك، يستعرض السبب مرثيات وقراءات، لجمع من الأدباء والمثقفين، يرثون فيها الراحل. كما ضمن المؤلف، الكتاب، العديد من اللقاءات والمشاركات والمخطوطات المدعمة بالصور التي توثق ما ذكره.

واشتمل الكتاب أيضاً، على بعض الأعمال الأدبية والفنية للراحل.

بطاقة

عبدالله السبب. قاص وشاعر إماراتي، من مواليد الرمس في إمارة رأس الخيمة. حاصل على بكالوريوس في التجارة من جامعة بيروت - قسم إدارة الأعمال. بدأ النشر في الصحافة المحلية منذ 1986. وهو عضو في العديد من الهيئات والمؤسسات الثقافية. شارك في ملتقيات وندوات ثقافية متنوعة. لديه مجموعة من المؤلفات.