بلغةٍ يغلب عليها طابع الحزن والأسى، لم تظهر فقط في حواره مع «البيان»، لكنها ظهرت جلية في أعماله الروائية، خاصة عمله الأخير «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة»، يتحدث الروائي السوري خالد خليفة، عن واقعٍ من الكبت والقهر.. عن أزمان عدة بقي يعيشها السوريون على مدار نصف قرنٍ من الزمان، كان الفاصل المشترك فيها «البطش والرغبات المكبوتة».
وهكذا نجده (خالد خليفة)، يعلنها صراحة: «إن إحساس العار هو إحساس حقيقي لدى غالبية سكان الوطن العربي». ولا يخفي رأيه الصريح الذي مفاده أن لا محرمات في الكتابة، مبيناً أنه ككاتب اعتاد السير في حقول الألغام ولا تعنيه أو تهمه «قائمة الممنوعات».
بجرأته المعهودة. خاض مع إجابات الحوار، في أمورٍ مسكوت عنها.. فغاص في قلب محبوبته سوريا.. وشوارع حلب التي استمد منها دفء أعماله ولهب كلماته:
في الكتابة لا يوجد أية محرمات.. أنا لا أعرف قائمة الممنوعات، فقط أسير في حقول الألغام.
آخر إبداعاتك (لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة) تحدثت فيها عن شؤون مسكوت عنها في واقعنا.. حدثنا عنها، وعن أبرز الرسائل التي أردت توجيهها بعد روايتك «مديح الكراهية»؟
باختصار هذه رواية عن سوريا في أصعب وقت عاشته، تحت حكم البعث منذ عام 1963 حتى الوقت الحالي، وعموم البلدان العربية هذه السنوات كانت أسوأ سنواتها، وروايتي تتحدث عن المجتمع السوري خلال هذه السنوات الفظيعة. ورسائلها كما رسالة أي عمل يُكتب من أجل الحفر في الذات البشرية في زمان ومكان محددين، ولسوريا وضع خاص مختلف عن بقية بلدان العرب، رغم تقاطع جميع هذه البلدان واشتراكها تحت عنوان القمع وغياب الحريات.
«زمن اللاخوف»
هل حقاً «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة»؟!.. أليست تلك الدماء من سكاكين مطابخنا، أَوَليسَ ما يؤلمنا منها؟
من المفروض أن تكون السكاكين في المطابخ، لكن العنف الكامن والمستشري حالياً، يقول إن «السكاكين في كل مكان إلا المطابخ».
روايتك عن ذلك المجتمع الذي عاش بشكل متوازن بين البطش والرغبات المكتومة.. ألا تعتقد أن هذا المُجتمع بدا لا يخاف (الموت الإنساني والأسى والخوف) وتجرأ على ظروفه؟
نعم الآن زمن «الثورات» التي أعتقد أنها تأخرت أكثر من ثلاثين أو عشرين سنة، على أقل تقدير. لكن في النهاية، البشر لم يعودوا يحتملون كل هذا الذل والقمع، والزمن المقبل هو زمن العرب رغم الصورة القاتمة التي يراها البعض الآن.
تمثل هذه الرواية عملك الرابع. البعض يرى أن «الهم المُشترك» في رواياتك جميعها، خاصة «مديح الكراهية»، كان «الإنسان العربي» والسوري على وجه التحديد.. ما تعليقك؟
نعم أنا مهموم بالبلدان العربية، وسوريا بشكل خاص؛ لأنه لن ينهض كل بلد على حدة. إما النهوض كأمة أو النكوص مرة أخرى، ذلك رغم تمايز ظروف كل بلد عن الآخر، إلا أن ما يجمعنا أكثر بكثير من ما يفرقنا.
التغيير أو الموت
انتهيت من كتابة الرواية في واقع «مؤلم».. ما تأثير ذلك الواقع في مسار الأحداث، وفي اللغة المُستخدمة، التي غلب عليها طابع الأسى؟
بدأت بكتابة الرواية في العام 2007، وانتهت في هذه السنة، لكنني كنت أتحسس بأن المجتمع وصل إلى نهاياته، فإما التغيير أو الموت السريري. لا حلول وسط، ولا قدرة لأحد على امتصاص الغضب من سنوات حكم العسكر الطغاة الفاسدين.. والواقع الذي عشناه سيكون محرضاً لأزمان طويلة، على إنتاج كتابة جديدة.
ليست إسهاباً
بدوت في الرواية مهموماً بالهاجس الجنسي لأبطالها.. كثيرون ينتقدون الجنس غير المُبرر في الأعمال الأدبية. أنت كيف تقيم دور ذلك العامل في أي عمل إبداعي؟
أنا غير مهموم سوى بخلاص أبطالي.. وأعتقد أن الجنس هو المشكلة الرئيسية التي لم يناقشها العرب حتى الآن بشكل جدي، وأنا أيضاً ضد أي شيء غير مبرر في أية رواية.
تشتمل روايتك على بعض الألفاظ القاسية.. والبعض يرى أن الروائي، رغم كونه معبراً عن مجتمعه، يتحمل عبء الارتقاء بالناس عبر انتقاء الألفاظ.. كيف تنظر إلى الأمر؟
لا أزال أعتقد، كما أسلفت، أنه في الكتابة لا يوجد أية محرمات.
مذهب ونهج
هناك في الرواية «بُعد سياسي» واضح جداً، إلا أن بعض النقاد يرى أن دخول السياسية في الأعمال الأدبية على نحو مُتكامل، يُفسدها.. ما رأيك؟
كيف ستكتب من دون سياسة، وأنت محاط بكل هذا الدم؟.. أنا لست نرويجياً كي أكتب عن البحيرات، بينما جثث أهلي غارقة في الدم.
لا تعرف «قائمة الممنوعات» لكن قائمة الممنوعات تعرفك جيدا.. ألا تخشى أن تدفع ثمناً، قمعاً إضافياً، ضريبة روايتك الجديدة؟
منذ بداياتي ككاتب، لم تعن لي أي شيء، تلك التي تُسمى «قائمة الممنوعات». اعتدت السير والعيش في حقول الألغام.
تُرجمت أعمالك إلى لغات عدة.. أتعتقد أن «الرسالة الأدبية» يحتمل أن تصل بالمعنى والإحساس نفسيهما الذي تريده كروائي، إلى قارئ غربي يقرؤها مُترجمة؟
لم أختبر، إلى الوقت الحالي، تأثيرات الترجمة في نطاق واسع. ما اختبرته لا يكفي للحديث عن التلقي نفسه. أعتقد أنه مختلف، خاصةً وأن الغرب لم يأخذ الرواية العربية على محمل الجد، لغاية الآن.
صمت قاتل
كيف تصف الواقع الراهن في سوريا.. وموقف القوى الدولية والعربية من الأزمة؟
إنه واقع يصعب وصفه. ولكن الثابت والجلي، أن هناك شعباً يُذبح وسط صمت مريب، وثورة من أعظم ثورات التاريخ الإنساني، تواطأ على تشويهها العالم، القريب والبعيد.
عاشق لسوريا
ألم تسع في أعمالك إلى وضع حلول منطقية للتعامل مع تلك الأزمات العاصفة ببلدك (سوريا)؟
الرواية لا تنتج حلولاً. ربما يكون هذا الكلام أصبح «كليشة». لكنني لا أجد غيره، إلا أن الحل هنا في يد نظام لا يريد أن يستمع؛ لأنه قام أصلاً على أنه «ممنوع الكلام».
أنت عاشق لسوريا.. حدثنا عن علاقتك مع تلك الأرض التي امتلكتك فجعلت منك مُلهماً...
لا يمكن اختصار علاقتي بسوريا في كلمات، لكنني ببساطة لا أحب أن أموت بعيداً عن هذا المكان، ولا أريد ولا أستطيع العيش بعيداً عنها أيضاً.
هل من إبداع جديد تحضر له؟
نعم. بدأت كتابة روايتي الجديدة. لكن، لا يزال من المبكر الحديث عنها.
مسارات الدم «مهر الحرية والكرامة»
ترصد رواية «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة»، للروائي السوري خالد خليفة، هموم المجتمعات العربية، كاشفة خبايا ومكنون أزمة الإنسان العربي في مواجهة ظروف الاستبداد والقمع. ويسلط فيها خليفة، الضوء على أعماق هذا الواقع بالنسبة للمجتمع السوري تحديداً، مبيناً كيف أن حكم «البعث»، أسهم في خنق الفكر والروح والرؤى لدى الأفراد. فقتل حيوية الإبداع.
علاقة
نتبين في حبكة الرواية، أن خالد خليفة اختار في صيغ المجتمع الذي يصفه في العمل، أن يظهره يواجه «القمع» الذي يلاقيه، و«العار» الذي يلاحقه، من دون رهبة أو خوف. ونجد هنا أنه يسوق أفكاراً جمة في الخصوص، على لسان أحد أبطالها: «جان»، وذلك عبر «تفريغ الرغبة الجنسية والكبت الداخلي» لديه، موحياً بأن ثمة علاقة بين الكبت الجنسي والكبت السياسي.
وليجعلنا نتيقن من حقيقة أن الحريات لا تتجزأ كما لا يتجزأ التعبير عن هذه الحريات. فدوماً، كما نطالع في رؤى خالد خليفة، هناك علاقة بين الكبت والقمع.. ولكن إحساس العار هو إحساس حقيقي لدى كل الغلبية في مجتمعاتنا.
هول مصائر
تظهر لنا شخوص الرواية وكان الأشياء لديها، باتت، في لحظة فقط، سواء، إذ يوحدهم «الموت».. ذلك الشبح الذي عرفوه «يطلي صورة مُستقبلهم». وكأننا ونحن نتتبع تلك المصائر والمسارات، يقابلنا يقين أن شخصيات العمل الروائي، أحياناً، تختار مصائرها من دون أي تدخل من الكاتب..
وذلك يبدو جلياً مع «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة»، بفعل عكسه ماهية الواقع المؤلم فعلًا أكثر مما نعتقد. فهي تنسج وتحاكي قصص أناس يعيشون حياتهم، ولسنوات طويلة، من دون أن يشعروا بإنسانيتهم.. فيمضي العمر وراء سراب أشياء بسيطة جداً:
الحق في الكلام والرأي والعيش والتعليم. وهنا حيلنا حبكة العمل إلى هول كبير مع تمعننا في واقع مرير، طبقاً لما يحوكه ويدبجه خالد خليفة في توليفة رؤاه: إننا بؤساء فعلًا حين ندفع كل هذا الدم من أجل عيش وكرامة وحرية، أو من أجل تغيير رئيس أو حزب.
حكاية أزمة مستمرة
تحيلنا تفاصيل الرواية ومكنوناتها، إلى قصة معاناة مهولة، نتعرف فيها إلى خبايا وخفايا مجتمع عاش خمسين عاماً في ظل الدكتاتورية. واكتسب خصائص جديدة من دون أن يتناولها بالنقد؛ ذلك نتيجة الخوف من المجابهة مع السلطة، والنظام الذي دمر كل أحلام البشر. ونجد الرواية، في العموم، تتحدث عن أزمة مستمرة عمرها مئات السنين من فقدان القرار السياسي الذي أدخل جميع البشر في دوامة لا تزال مسيطرة.

