الرواية في عالم الشخصيات العامة أو الرسمية أو السياسية، تحيطها تفاصيل كثيرة، عادة، متعلقة بالحنكة والإدارة والقيادة، ذلك باعتبارها تمثل أحد أهداف الرصد التاريخي للبلدان والمجتمعات في العالم. وفي السياق، يأتي اختيار الباحث الإماراتي سالم حميد، رئيس مركز المزماة للدراسات والبحوث، للمغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، حاكم دبي في الفترة (من عام 1878 وإلى 1958)، كأول إطلالة توثيقية لسيرته في كتاب بعنوان: «الشيخ سعيد بن مكتوم..
رمز خالد من رموز الإمارات.. عبقرية الآباء المؤسسين في إدارة الأزمات (1878-1958)»،الصادر، أخيرا، عن برنامج"وطني".وهو ما يمثل ريادة محلية تكشف العمق الإنساني وشفافية العلاقة السياسية والاجتماعية وأبعادها في صياغة نمو حضاري واقتصادي، حيث تبنى برنامج "وطني" طباعة الكتاب ونشره. ويؤكد حميد في حواره مع "بيان الكتب"، أن الشيخ سعيد بن مكتوم مهد الطريق لصياغة وصقل أيقونة التنمية والريادة: دبي.
التساؤلات عن الراحل الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، يطرحها المؤلف في الكتاب، عبر جابات تعريفية وتوضيحية مستفيضة. ويحكي عن ذلك: "خلال توثيق مرحلة الشيخ سعيد، تجد النهضة والانتكاسات الاقتصادية والحراك السياسي والبنية العمرانية وتعايشاً بين جاليات العالم، وحضوراً مؤثراً للمرأة في المجتمع..وجدت في تجربة الرصد تلك، بداية لتجسيد رؤية وأيقونة مدينة دبي، وسر نموها وتميزها".
أول مقابلة صحافية
يرصد الباحث سالم حميد حواراً صحافياً نُشر للشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، خلال زيارته الهند، أجراه معه عبدالمنعم العدوي في بومباي عام 1944، نشر في العدد الخامس لمجلة "العرب"، تحت عنوان: "مشاهداتي في الهند".
بناء معماري
بعد العرض التاريخي للحكام السابقين وأبرز التحديات السياسية في المنطقة، يسترسل حميد في الحديث عن خصوصية بناء بيت الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم في منطقة الشندغة، وعمارته المتقنة. ويلفت إلى أهمية وتاريخ ومراحل إنشاء منطقة (الشندغة): مقر الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم. إذ تميزت بموقعها الاستراتيجي وطبيعة المواد المستخدمة في الأبنية، وتجسدها كبانوراما عمرانية تناغمت مع النمط التقليدي المحلي.
تعميق الخور
سالم حميد، وفي أوج تحديات البحث عن مصادر موثوقة من رواة محليين أو وثائق وطنية، ينتقل من ساحة البحث والتنقيب حول الذائقة الحضارية العمرانية لدى الشيخ سعيد، إلى قضايا نوعية رسمت الملامح الاقتصادية لدبي ولرؤى حكامها في التطور والنماء.
ومنها، آنذاك، مبادرته بعد امتلاء ميناء دبي بـ"الغري": (الطين المائي) بسبب الأعداد المتزايدة من السفن، ذلك في عقد الثلاثينات من القرن الـ20، لتبني قرار تعميق الخور. ويلفت حميد إلى أن ذلك يعد قراراً جريئاً وطموحاً، يدل على بعد النظرة المستقبلية للقادة في المنطقة، وهو ما أدى إلى تدعيم مكانة دبي وأهميتها كمركز تجاري مهم لإعادة التصدير.
قرارات استثمارية
"أطول مدة حكم، استمرت 46 عاماً، مقارنة بين جميع فترات حكم أمراء دبي، ذلك اعتباراً من العام 1833". هذا ما يوضحه مؤلف الكتاب في حديثه عن مدة حكم الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم.
مؤكداً أن دراسة المرحلة الأطول من حياة دبي التنموية (تلك الفترة)، تمثل منهجاً موضوعياً للقدرة على تقييم المرحلة الحالية والمستقبلية للمنطقة، ومبيناً أن بدايات تسلم الشيخ سعيد لحكم الإمارة هي الأكثر نشاطاً، إذ شهدت العديد من القرارات الاستثمارية في ذلك الوقت، منها: إلغاء الضريبة الجمركية على صادرات اللؤلؤ. وفي أثناء مواجهة كساد تجارة اللؤلؤ، استثمر الشيخ سعيد آل مكتوم مورداً بديلاً، وهو الاستفادة من امتيازات الخطوط الجوية، لقاء رسوم سنوية تسددها بريطانيا لإمارة دبي.
عراقيل
يتحدث حميد عن الإنجازات خلال تلك المرحلة، مشيراً إلى أنها، أيضا، شهدت أالكثير من الصعوبات، ولكن الضمير الحيّ للشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، جعله دائماً بمثابة الأب لرعاياه. ويحكي المؤلف عن ذلك: "خلال فترة العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين، واجه تجار دبي، الكثير من المصاعب المالية، فكان، رحمه الله، يحاول قدر الإمكان، إقناع الدائنين، وهم في الغالب من التجار الهنود الذين يطلق عليهم لقب (البانيان)، في تقديم المزيد من الدعم".
أوجه التنمية
عندما نتحدث عن التنمية، فالرجوع إلى مقومات صرحها يشرح أشكال تطورها في الإمارة، وفترة الشيخ سعيد، كما يبين حميد، تقدم نماذج نوعية لمجموعة من المشاريع، منها: افتتاح مستشفى آل مكتوم، افتتاح بنك فارس الإمبراطوري، افتتاح مكتب البريد، محطة تلغراف دبي، الدراسة المسحية لإمارة دبي، تأسيس شرطة دبي.
جسر آل مكتوم
من بين أبرز المحطات الاقتصادية في حياة دبي، كما يشير حميد، فكرة إقامة جسر يربط ضفتي خور دبي، المعروف حالياً بـ "جسر آل مكتوم". وراودت الشيخ سعيد بن مكتوم هذه الفكرة في عام 1950. إلا أن سبب تأجيل تطبيقها حينذاك، حسب حميد، تمثل في التكلفة العالية. إذ جرت مفاوضات مع شركة "هولواي براذرز" البريطانية حول إقامة الجسر. ولكن المشروع رأى النور في عام 1962، في عهد المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم.
قائد حكيم
يستعرض مؤلف الكتاب، جانباً مهماً في منجزات وممارسات الشيخ سعيد بن مكتوم، لافتاً إلى مواقفه الأولى حيال منح بريطانيا حق الامتياز النفطي في دبي. إذ فضّل التأجيل والتروي قبل التوقيع على الاتفاقية في الخصوص، وذلك إثر إجراء البريطانيين تعديلات على مسودة عام 1937.
ويشير حميد في الصدد، إلى المكانة والاحترام اللذين كان يحظى بهما المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم بين حكام الإمارات، في تلك الفترة. إذ رفضوا جميعاً، التوقيع على الاتفاقية النفطية مع بريطانيا ما لم يقبل بها ويوقع عليها الشيخ سعيد بن مكتوم. ومن بين جملة الردود التي قدمت باسم حكام الإمارات المتصالحة، آنذاك، على البريطانيين حول موضوع المعاهدة النفطية: "أفضل أن تتفق أولاً مع شيخ دبي"، "ما تتفق عليه مع الشيخ سعيد، سأوافق عليه"، "أعقد الاتفاق بعد أن تعقده مع الشيخ سعيد".
رجل السياسة ورائد الإنجازات الحضارية
يعنى الكتاب برصد مسيرة حياة وإنجازات الشيخ سعيد بن مكتوم. ويؤكد حميد انه رمز خالد من رموز الإمارات، مختاراً في فصول تناوله جعل الكتاب بمثابة وثيقة متكاملة عن سيرة المغفور له الشيخ سعيد آل مكتوم، عبر التطرق إلى مواضيع عديدة، أبرزها حنكة الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، في قيادة الأوضاع الداخلية، وسياسته في فض النزاعات، إلى جانب مشروعات التنمية التي أنجزها في دبي، ومنها التعليم والمعاهدات النفطية وتسوية مشكلات الحدود.
حوار
يوثق سالم حميد في الكتاب، نسخاً مصورة عن الحوار مع الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم المنشور في مجلة "العرب"، إضافة إلى مقتطفات إخبارية من المجلة نفسها، تحكي عن إنجازاته وقراراته.
.. في مديح الشيخ سعيد
يحتوي الملحق الرابع في الكتاب، على قصيدة للشاعر العماني محمد بن شيخان السالمي، المتوفى عام 1927، قيلت في مديح الشيخ سعيد بن مكتوم. كما يعرض مؤلف الكتاب لأبرز المصادر الرئيسية التي استقى منها مادته العلمية.
ومن بين تلك المراجع: "تو ألفا ليما.. السنوات العشر الأولى من تاريخ قوة ساحل عمان وكشافة ساحل عُمان 1950-1960" للباحث بيتر كلايتون، كتاب "الشيخة الجليلة أم راشد حصة بنت المر" للباحث عبدالغفار حسين، "راشد بن سعيد آل مكتوم.. الوالد والباني" لـ جريم ويلسن، "الإمارات العربية والخط الجوي البريطاني إلى الشرق 1929-1952" للدكتورة فاطمة الصايغ.
سيرة
الباحث الإماراتي، الدكتور سالم حميد. وُلد عام 1974 في دبي، وهو خريج جامعة ويلز (لمبيتر) في المملكة المتحدة. حاصل على درجة الدكتوراه في الدراسات الإنسانية.
مؤسس ورئيس مركز المزماة للدراسات والبحوث في دبي؛ سبق له العمل في حكومة دبي في المجال الثقافي. أسهم في وضع العديد من الأبحاث والاستراتيجيات لتطوير وتعزيز القطاع الثقافي في إمارة دبي ودولة الإمارات عموماً. لديه العديد من المؤلفات المطبوعة باللغتين العربية والإنجليزية. كما كتب مقالات عديدة في الصحافة الإماراتية، وفي جريدتي: الـ"ميدل إيست أونلاين" و"العرب الدولية".


