لا تتوقف دراسات ومؤلفات الشاعر العراقي، والمستشار الإعلامي والثقافي، مؤيد الشيباني، عن الدأب لترسيخ ملمح توجهه الرئيس المبني على التجديد، والمشيد لجسور انفتاح وتكامل بين الأصالة والحداثة. ونتبين في السياق، أن كتابه الجديد: "أحمد راشد ثاني، ما قاله الأصدقاء للموت" - سلسلة أعلام الإمارات (8)، يعزز رؤيته في المجال.

وذلك إلى جانب كونه يمثل وثيقة مهمة على صعيد رصد ما كُتب عن الشاعر الراحل، سواء في الرحيل أو قبله وبعده. إذ ضم جميع هذا بين دفتي كتاب متخصص، شامل وواف، يعرف الأجيال كافة بشخصية وسيرة وقيمة هذا المبدع الإماراتي، شارحاً كيف استطاع تحويل التحديات التي واجهته، محفزاً ودافعاً لإبراز أفضل ما عنده، تماماً مثل الذهب، الذي لا تنقيه من الشوائب إلا الحرارة الشديدة.

ويؤكد الشيباني في حواره مع "بيان الكتب"، ضرورة تركيز الجهات المعنية، للتغلب على أزمة عدم إقبال الشباب على القراءة، على تحويل الكتب الورقية، إلى إلكترونية أو كتب مسموعة، لافتاً إلى أهمية اعتناء وسائل الإعلام بالحقل الثقافي. كما يرى أن الساحة العربية عموماً، لا مكان فيها للمثقف القارئ والموسوعي الذي يمتلك رؤى إبداعية.

كيف تقيّم سلسلة أعلام من الإمارات التي تبنتها مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية؟

أرض الإمارات غنية بفعل ثراء أولئك الذين أعطوا ثمرة حياتهم، كل في زمنه. وسلسلة أعلام من الإمارات، من درر الأدب والثقافة، هدفها تسليط الضوء على سير الشخصيات المؤثرة في الحياة، والتي تركت بصمات وإنجازات وإبداعات وتجارب حياتية، لتعيدها إلى الذاكرة الحية ولتفيد بأفكارها النيرة والطموحة، عقول الأجيال الجديدة. ما يساعد على تكامل صورة الإمارات التي اجتازت الحدود التقليدية إلى فضاءات أوسع من المعرفة والمشاركات الحضارية.

مبدع متمرد وصديق شرس

يوحي عنوان كتابك الجديد بوجع أصدقاء الراحل.. والحسرة على غيابه. فماذا يقول هؤلاء الرفاق للموت في أحاديثهم وشهاداتهم؟

ما إن تسرب خبر رحيل أحمد راشد ثاني، حتى تسرب الأسى والإحباط بشكل كبير إلى نفوس الجميع، خاصة أصدقاء الراحل الذين عايشوه وشاركوه مشروعه الثقافي البعيد، والحياتي اليومي القريب، بكل ما فيه من امتدادات زمنية وأبعاد فكرية وروحية. إذ أوضحت الشاعرة الهنوف محمد في كلمات كتبتها في شخص الراحل، أنه كان مبدعاً متمرداً وصديقاً شرساً.

وهذا فيما أكد أ.د. محمد عبدالله المطوع، أن المبدعين عادة ما تكون أعمارهم قصيرة ولكن إنجازاتهم الأدبية تظل رمزاً من رموز عبقرية العقل الإنساني، في حين توقف عبدالإله عبدالقادر عند مساحة الذاكرة التي جمعته مع الراحل، وبين أنه كان يريد أن يرسم كل شيء من جديد، حتى سواحل خورفكان. كان يود لو يجعلها أكثر عنفواناً واحمراراً، بحثاً عن تخوم جديدة ربما تسعفه في الرد على أسئلته.

وعلى الدرب نفسه، سارت ظبية خميس التي صاغت نصاً مهماً واستثنائياً ومبللاً بالدموع في رثاء أحمد. وكذلك: عباس بيضون، علي العامري، سالم حميد، حبيب الصايغ، يوسف أبو لوز، محمد إسماعيل، سامح كعوش، إبراهيم سعد الظاهري، أحمد العسم، سامر أبو هواش، معن البياري، حارب الظاهري، فاطمة الشيدي، ميرة القاسم، عياش يحياوي، إبراهيم محمد إبراهيم، عبدالله السبب، عادل خزام. وغيرهم الكثير.

مهمة صعبة للغاية

ما التحديات التي واجهتها أثناء إعداد الكتاب؟

استغرقت نحو ستة أشهر في إعادة تحرير ما كُتب عن الراحل، كما كنت دقيقاً جداً في عملية المراجعة النهائية والتصحيح، وحرصت على ألا يكون للتكرار والتجاوزات الشخصية في حياة أحمد راشد ثاني، مكان في الكتاب. كانت مهمة صعبة للغاية، وحتى حين أزعم أنني أكملت كل النصوص، فاتضح بعد الطبع أن ما فاتني عدد غير قليل من ما كُتب عنه.

بماذا تفسر هذا الحب والاحترام والتقدير الذي يكنه أصدقاء أحمد راشد ثاني له؟

كان أحمد راشد ثاني حاضراً بحميمية في مختلف المجالات، على الساحة الإماراتية والخليجية والعربية، وله صوت مميز وملاحه تبقى في ذاكرة كل من يلتقيه. ومن أبرز أسباب ذلك الحضور أنه: منفتح، مسالم غير متطرف، يتفهم ويقبل الآخر مهما كان، وهذا سبب عشق من حوله له.

.. وأنت. كيف تعرف الشاعر الراحل حسب عهدك به؟

أحمد بن راشد ثاني معجزة حقيقية. قرأت له عشرات النصوص، وتساءلت في كل مرة: من أين يأتي بهذا المفاجئ؟ وكيف يبلوره في الرأس ثم في اللغة ثم لدى القارئ؟ من أين له هذه البراعة في اقتناص التضادات الذكية وكيف يعرف أن يضع النقطة في نهاية هذا السطر وليس ذاك؟ كتاباته نابتة في مكانها وليس فيها إقحام ولا ترهلات. شفافة حد وضوح العظم، ونقية.

«نشبه بعضنا»

.. ولماذا أحمد راشد ثاني تحديداً؟

هو صديق بالدرجة الأولى، فضلاً عن أننا نشبه بعضنا من حيث تعدد البيئات الثقافية الموجودة في داخلنا.. وجمع التراث والشعر والمسرح والنص المفتوح والذائقة الفنية الحديثة.

فعل ثقافي مميز

تطرقت في الكتاب إلى محاور وقضايا مهمة في تجربة أحمد راشد ثاني، فهل كان لها أثر على نتاجه الشعري والمسرحي.. وعلى مختلف الأجناس الإبداعية الأخرى؟

بالطبع. فلأحمد راشد ثاني فعله الثقافي المتميز، في السؤال والمقال.. والصمت أحياناً. ربما هذا سببه اعتراضه على الخطأ الشائع في الحياة من وجهة نظر الشاعر. وربما وعيه التأملي العميق، الذي كان يدرك معه، معنى الموت والحياة والمال والأصدقاء والعابر الفاني إلى اللاشيء. وكل تلك المحاور رصدت من قبل بعض الكتاب والصحافيين والمتابعين، في تناولاتهم لحياة الراحل ونتاجه.

ليس عتاباً

العزوف عن قراءة الكتب سمة من سمات الجيل الجديد. فكيف لهذا الكتاب أن يصل إلى أيدي الشباب؟

هناك وسائل متعددة، وأبرزها: تحويل الكتاب وغيره من الكتب الثقافية الورقية، إلى كتب إلكترونية أو كتب مسموعة، بحيث يمكن تشغيلها في السيارة على سبيل المثال، كما أقترح أن نذهب إلى الجيل الذي لا يقرأ عن طريق وسائل الإعلام المحلية، فهي مقصرة جداً تجاه المنتج الثقافي.

.. في داخلك عتاب كبير على وسائل الإعلام المحلية...

ليس عتاباً عادياً، بل عتاب لا حدود له، وتقصيرها في الجانب الثقافي، جعلني أتبنى موقفاً قاسياً في شأنها ضمن هذا السياق. إذ يوجد في الدولة نحو 40 منبراً إعلامياً محلياً، ما بين المسموع والمرئي. ونسبة غالبة منها، تعطي الأولوية للرياضة والغناء. ولا أظن أنه يضيرها شيء إذا خصصت يومياً، خمس دقائق فقط، للمنتج الثقافي، تتحدث خلالها عن أي إصدار يخرج من المكتبة الإماراتية.

أو عن مقال أو فكرة ثقافية أو عن معرض تشكيلي، سواء في الإذاعات أو البرامج التلفزيونية الثقافية ذات الإيقاع المنوع. وأود أن أنوه هنا، بالمبادرات الفكرية الثقافية التي تتبناها وتطلقها بعض المؤسسات الإعلامية، على رأسها: صحيفة "البيان"، "دار الصدى"، والتي تحتاج إلى تكاتف ومساندة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، لتتمكن من تحقيق أهدافها على أكمل وجه.

هل من رسالة معينة توجهها إلى القائمين على رأس المؤسسات الإعلامية المحلية عموماً؟

يجب أن تخصص إطلالة يومية معمقة، على المنتج الثقافي، بعيداً عن المنحى الاستهلاكي. ويكفي الثقافة خمس دقائق يومياً في وسائل الإعلام المحلية.

هل ينال المثقف العربي ما يستحقه وما هو جدير به من اهتمام ودعم، في مجتمعاتنا؟

يفتقر المثقف العربي عموماً إلى حقه في المشاركة في المهرجانات الأدبية والثقافية العربية والعالمية، وإلى الحضور المادي والمعنوي والمكانة التي تليق به، فهو دائماً في الظل بسبب انشغاله بالعمق، في حين أن ثمة موجة على السطح لا يوجد فيها المثقف. فمن يسمح له أن يقول رأيه؟ أو هل يُؤخذ بذاك الرأي؟

الساحة العربية عموماً، لا مكان فيها للمثقف القارئ والموسوعي صاحب الرؤى الإبداعية.

عبق السيرة بشهادات رفاق الدرب

 يمثل كتاب "أحمد راشد ثاني، ما قاله الأصدقاء للموت"، صيغة إبداعية تترجم مفردات عديدة في روض وفاء أصدقاء الشاعر الراحل له، وكذا من عايشوه. إذ إن التنقل بين شهاداتهم المتنوعة، يمكن القارئ الاقتراب من كنه سمات الراحل وملامسة تميز إبداعاته، ذلك على امتداد دواوينه الشعرية الثمانية. فهو يكتب سرداً شعرياً مسترسلاً وجميلاً ولا يفوته التجريب. كما انه قطف ثماراً فنية وثقافية اعتاد أن يدخلها في صلب تقنية الكتابة عنده.

شاعر مغامر

تشرح الشهادات المضمنة في الكتاب، كيف أن أحمد راشد ثاني، في سير الذات وسير الحب، بقي مسترسلاً وحكائياً. ولكنه في أماكن أخرى، استمر يقدر على القطف والتكثيف واختزال الحال، بكلمات قليلة غالباً ما يصدر عنها إشعاع جوهرة الشعر الجميلة.

يعرض رفقاء الدرب في هذا الكتاب، لجوانب التميز والفرادة في طبيعة المنتج الإبداعي للشاعر الراحل. إذ إنه طالما بقي يكتب قصيدة النثر بطريقته الخاصة.. وامتلك حاسة شعرية عالية جعلته يفر من النمطية في الكتابة الشعرية حتى لو كانت نمطية من صنعه هو. كما أن شعره يقوم على المغامرة. وهو ترك القصيدة تكتب نفسها بعيداً عن التحكم المباشر للوعي، فضلاً عن تحكم المنطق.

مقتصد في الكلمات

لا يغفل أصدقاء أحمد راشد ثاني، الإحاطة بأي من مفردات تميزه. وبذا يشيرون في الشهادات التي ضمها الكتاب، إلى اقتصاده في الكلمات، لا عن فقر في قاموسه اللغوي، وإنما خوفاً من إطلاق العنان للتداعيات اللفظية التي صارت تشكل ظاهرة تفتك بالشعر في أشكاله الحديثة.. وتطال إلى مصادره الأجمل والأكثر تأثيراً في الشعر، حتى القديم منه. فالشعر هو ذلك التعبير القائم على التكثيف بكل ما يوحي به من ثقة بالقارئ والاكتفاء بالإيحاء. وهكذا فإنه يترك التفاصيل والثرثرة الفارغة للنثر بمعناه المعيش والسائد.

دور مؤثر

يستعرض أصدقاء الشاعر الراحل، جملة محطات من حياته الشخصية. ويلفت بعضهم إلى أنه قضى سنواته العشر الأخيرة من حياته، منشغلاً بتوثيق الثقافة الشعبية، فأثرى المكتبة الوطنية بأعمال تؤسس لمرحلة مضيئة، تمهد للأجيال فهم مراحل كتابة مخطوطات تراث الإمارات وشخصيات وأعلام الكتابة فيه.

ولكن، احترقت مكتبة أحمد راشد ثاني، وكذا احترقت أحلامه الصبية بموته وهو يحتضن كتابين في النفس الأخير. غير أن كتاباته ورسائله لأصدقائه، ظلت هي الوهج الذي يصبرهم على فراقه.

 الباحث الأديب

يؤكد أصدقاء الشاعر الراحل أحمد راشد ثاني (2012-1962)، في الكتاب، أنه لم يكن مسرحياً تقليدياً، إذ سعى في مسرحياته التي ألفها، إلى أن يكون مغايراً، لا من أجل التمايز فحسب، بل ليواكب الحداثة التي بدأت تفرض نفسها على الأدب الخليجي في السبعينات من القرن الماضي. كما انه كان، وبالتوازي، المسرحي والشاعر والباحث التراثي. إذ كتب المسرح، كونه آمن بهذا الفن. فعبر معه عن خلجات نفسه، من خلال ثماني مجموعات شعرية، طوال ربع قرن من كتابة القصيدة.