تكمن جماليات كتابة السيرة الذاتية أو المهنية أو الإبداعية، في أبعاد الصياغة الجمالية للنص، بصبغته الإنسانية والاجتماعية. وذاك ما يتبدى جلياً، في مفردات كتاب الباحث الإماراتي نجيب الشامسي "صدى الذات"، وكذا في حديثه. إذ نتبينه يسطر عبق الكلمة كصاحب سيرة أو مؤرخ يعي، بعمق، أهمية المرور على عتبة التاريخ عبر التوثيق، مشكلاً به ابتكاراً ثقافياً يتسامى مع مبادئ المجتمع المرتبطة بحب الوطن والانتماء الفريد إلى البيئة الجغرافية ومعها ملامح التطور الحضاري.
يحكي الأديب نجيب الشامسي، في حواره مع "بيان الكتب"، عن ماهية كتابه ورؤاه، مبيناً أنه يمثل رد جميل إلى الوطن. ويضيف: "لم أكن مشغولاً كثيراً بأن يكون (صدى الذات)، سيرة ذاتية، وإنما أن يجسد اختزالاً لمراحل من العمل الوطني، وتعميق مفاهيم المواطنة، وإرساء قواعد التطور المجتمعي في الإمارات، ومقاربتها مع المتلقي المحلي والعربي والعالمي. وفي الكتاب، تجدني في الطفل الشغوف والباحث والمؤسس لمراكز عامة وأهلية، وفي الحقيقة فإن الإصدار يهدف إلى إيضاح تفاصيل بناء الإنسان لذاته من أجل وطنه".
الاطلاع على (صدى الذات) يقود القارئ إلى كنه العلاقة الحميمية بين نجيب الشامسي والأشخاص والأماكن، احتفظت بمجمل الصور القديمة، تعمدت تسجيل الأسماء، وتدوين ملاحظات الوفاء، لأصدقاء الدراسة والعمل في مجالات الأدب والاقتصاد، وكشفت بعض جوانب انتقالاتك بين مراحل عمرية مختلفة، هل سعيت هنا إلى الارتماء في أحضان الوطن (بالمعنى المعنوي والمادي)؟
السيرة الجمعية تُعد التعريف الموضوعي لكتاب (صدى الذات)، هناك وضعت ذاتي أمام المتغيرات المجتمعية، وكنت مصراً على وجود صور شخصية وعامة، لأشخاص ولمناسبات شهدت منجزات علمية وعملية، وتجاوز الموضوع فيها فكرة التوثيق إلى تشكيل إيقاع يتناغم مع هدف الكتابة.
وهو إيضاح لأشكال التعبير المختلفة لمعاني الانتماء والولاء والعشق لهذا الوطن المعطاء، إنها رسالة للأجيال، الحالية والقادمة. إن معنى الوفاء يتجلى في مكامن المنجز الإنساني. وما فعلته هو شيء متواضع، جاء تمثيلاً لفلسفة المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في أن الوطن هو الإنسان في معادلة عطائه وجهده لهذه الأرض.
الفجوة الثقافية
توثق في كتابك مجموعة من إصداراتك الثقافية، ومنها: "التنمية الثقافية في دولة الإمارات العربية المتحدة"، الذي كنت قد أصدرته عام 1997، و"المشهد الثقافي في الإمارات" إذ اهتممت فيه بتشخيص المشهد الثقافي بالامارات عبر أكثر من ثلاثة عقود. ما أسباب فجوة عدم ترجمة البحوث المنجزة في الحقل، إلى مشروعات عمل معتمدة ومقررة، أي مرحلة التطبيق العملي لها؟
أحياناً لا نمتلك إجابات واضحة وتامة في موضوع المسؤولية الكاملة عن أسباب الفجوة، بين توفر البحوث والتحليل والقراءات العامة، وبين إقرار التنفيذ بالمقترحات التي تقدمها تلك الإصدارات والبحوث في مجال الثقافة، خاصة وأن من يتحمل تفعيلها جهات عدة.
وفعلياً فإننا كمثقفين، نعاني أحياناً من إجحاف مستمر في مدى إمكانية الكتابة في وسائل الإعلام والتواصل مع الجمهور، لا ننكر جهد بعض الصحف في إبراز المطبوعات المحلية، وتحليل محتواها. ولكن أهمية حضورنا يمثل أولوية ومساهمة في إبراز مواطن الضعف والخلل، ومحاولة تطويرها مجتمعياً.
اهتمام خجول
شغلت منصب رئيس قسم البحوث والدراسات في دائرة البحوث والإحصاء في مصرف الإمارات المركزي. وبناء على تجربتك، كيف توصف الوضع ميدانيا، في العالم العربي، في شأن قلة العمل في مجال البحوث العلمية ؟
أريد التأكيد أنه لا يمكن اتخاذ أي قرار تنموي أو استراتيجي، من دون إجراء دراسات وبحوث تفصيلية. وذلك لما يحمله الفعل البحثي من قراءة متأنية وجادة لمختلف الأبعاد والمصادر في الحالة المجتمعية المطروحة. وبالنسبة للدول في العالم العربي، فإنه لا يزال الاهتمام بتلك المباحث الحيوية (خجولاً). ويكاد يكون غائباً.
ضوء خافت!
بحسب ما ورد في "صدى الذات"، أسهمت في تأسيس عدد من الجمعيات ذات النفع العام، وكذا مؤسسات حكومية. كيف ترى الاختلاف ومعايير الخدمة المجتمعية التي يقدمها الطرفان، في ظل تسيد أنشطة المؤسسة الحكومية، في الوقت الحالي، إذ يرجع البعض ذلك إلى ضعف المبادرات من قبل القائمين على الجمعيات الأهلية؟
الإيمان بالارتقاء التفاعلي بين احتياجات المجتمع، وبين المنهج المنظم للعلاقة بين الأفراد وتطلعات الوعي الثقافي والاجتماعي، أسباب جعلت مني دائم العمل على رؤى صناعة مؤسسات أو مشاريع تُسهم في الحراك التنموي في الإمارات، وفعلياً جمعيات النفع العام، لها دور في مخاطبة شرائح مهمة في المجتمع على الصعيد الثقافي والفني، من خلال رصدها لأشكال التطور من جهة، وللظواهر والقضايا والإشكاليات التي تطرأ في بعض المجالات من جهة أخرى.
وفي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، شهدت الجمعيات الأهلية المحلية تفاعلاً حقيقياً، وأقرت، على إثرها، مجموعة تشريعات وأنظمة. أما اليوم فلم يعد لها صدى فعلي، واكتفت بكونها شكلاً مؤسسياً لا أكثر، خاصة وأن دعمها المادي الضعيف وحضورها الإعلامي المقل، عززا خفت أضواء دورها الفاعل الموجه نحو العمل المجتمعي.
أول ناشر إماراتي
أوضحت في كتابك أنك (أول ناشر إماراتي)، وذلك بتأسيسك مؤسسة "المسار للدراسات والبحوث والنشر"..كيف اتخذت قرار مشروع إنشاء تلك المؤسسة في ظل أزمة النشر والقراءة في المنطقة المحلية؟ وماذا عن شغفك بالكتابة المسرحية؟
تبني مشروع (المسار) من قبل إمارة الشارقة، والتي تمثل إحدى حواضر الثقافة في العالم العربي، حاليا. وجاءت الفكرة إيماناً بأهمية المسؤولية الثقافية لدى المثقفين، ولتوفير منافذ نوعية للنشر المحلي لإنتاجات إماراتية. وبالنسبة للكتابة في المسرح، فإنني أستطيع عبرها، البحث في تجليات مضامين الوعي المجتمعي.
وأتذكر مسرحية "أحجار الشطرنج" التي وصفت خلالها ما يحدث اليوم في العالم، من حراك سياسي واجتماعي. إن المسرح فعلياً هو أبو الفنون. إذ يقدم لنا حالة من التواصل الذهني بين ذاكرة التاريخ وحاضر المتغيرات ومستقبل التطلعات نحو مجتمعات أكثر وعياً ونضجاً.
فصول الحب والامتنان
يلخص الباحث نجيب الشامسي، عبر (صدى الذات)، ملامح مسيرة عطاء وبذل، يختلط فيها الذاتي بموضوعة الوطن ونمائه. إذ يدرج معالم وخطوطاً رئيسة في طبيعة المنجز الشخصي والوطني الاجتماعي العام، طوال أكثر من 50 عاماً من العمل الوطني، وذلك ضمن فصول من الحب والامتنان لوطنه.
ويشعر القارئ أن لكلماته مدى الانتماء الكامل للكاتب للحظات الوفاء مع أصدقائه، وهو يذكر مواقفهم في الباب الأول من سيرته الشخصية. ثم يحول إلى الحديث عن سيرته العلمية، بتفاصيلها، ذاكراً سنواته في المدرسة القاسمية والمرحلة الابتدائية، وفي مدرسة الصديق التي شهد فيها المرحلة المتوسطة والثانوية. ويستعرض مرحلته الدراسية في جامعة الإمارات، التي بلورت مضمون كفاءته العلمية.
ويصل بعدها، إلى سرد سيرته المهنية في مصرف الإمارات المركزي، وكذا في الدائرة الاقتصادية في رأس الخيمة، وفي الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي. كما جاء فصل "السيرة والمؤلفات"، ضمن الكتاب، لإبراز مجموعة من الإصدارات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، لنجيب الشامسي، والذي يقدم للقراء في الفصل الأخير من كتابه، صوراً عن شهادات شخصية وتقديرية.
يصف نجيب الشامسي المرحلة الأولى من حياته في حارة (المحارة) في رأس الخيمة القديمة، بالمرحلة المهمة. ويقول في الخصوص: "حيث النشأة الأولى، ومرحلة الطفولة وحتى عمر العشر سنوات هي مرحلة التعليم الابتدائي، حيث الحارة القديمة التي يفوح منها عبق جميل، وتكونت فيها صداقات حميمة، وشهدت مواقف مختلفة، هي مرحلة العشق للبحر وسواحله الذهبية حيث اللعب واللهو".
تخصص الإعلام!
ويوضح الشامسي، أنه أثناء دراسته في جامعة الإمارات (من نوفمبر 1977 وإلى يونيو 1981)، أنه بالرغم من رغبته الملحة في التوجه نحو تخصص الإعلام، إلا إن وزارة التربية والتعليم، وقتها، لم تتح فرصة اعتماد التخصص رسمياً. ففضل، بعدها، المضي نحو كلية العلوم الإدارية والسياسية.
لحن الوفاء
يخصص الباحث نجيب الشامسي في "صدى الذات"، محوراً خاصاً للحديث عن إصداره كتاباً حول سيرة الأديب الإماراتي الراحل جمعة فيروز، موضحاً أنه أحد أعمدة الإبداع في الدولة..ويمثل صديقاً وأخاً له، يتسم بالشفافية والمصداقية، ولافتاً إلى أنه عزف لحن وفاء لتلك الشخصية، من خلال نص مسرحية "جثة من ورق".
توثيق 50 عاماً من النمو والتطور في الإمارات
كتاباتي المسرحية غوص في مضامين الوعي المجتمعي
المثقفون يحتاجون اهتماماً أوسع في المنابر الإعلامية
فجوة كبيرة عربياً بين نظريات البحث العلمي والواقع الميداني
جمعيات النفع العام لعبت دوراً محورياً في الثمانينيات
قصص مفعمة برائحة المكان تعطرها مفردات البيئة المحلية
وجماليات المحطات الحياتية ضمنها

