يحكي الروائي الاسكتلندي إيان بانكس، في حوار صحافي، أجراه معه، ستيوارت كيلي، قبل رحيله جراء مرض السرطان، ونشر في ال"غارديان" بتاريخ 15 يونيو 2013، عن مذهبه الابداعي، وشجون الحياة وشؤونها، مشيرا الى تفضيله عوالم روايات الخيال العلمي، لما فيها من حرية.. ولا يغفل في ثنايا الحوار، أيضا، الحديث عن شعوره بالأسى لقرب مغادرته هذا العالم ومرارة شعوره أن الفرح في العالم سيتواتر ويتتابع من دون أن يكون هو حاضرا.
وموضحا، كذلك، جملة جوانب في شأن روايته الاخيرة " ذي كواري" ( المقلع)، التي لم يرد أن تصدر وهو في العالم الآخر. فكان أن طلب من الناشر، تقديم موعد صدورها. وهو ما تحقق له. إذ احتفى بالعمل مع أصدقائه.. ولكن القدر لم يمهله حتى يرى الرواية متصدرة أرفف المكتبات وواجهاتها. فرحل عن 59 عاما، حفلت بالعطاء الادبي الثرّ.
ما رسالتك قبل أن يأزف الرحيل. وماذا عن شعورك إزاء حالك تلك ؟
إن وضعي الصحي سيء للغاية. تلك حقيقة. وكوني قادرا على إعلان ذلك. فهذا يعني أنني أعلن بدء خطوات مشوار رحيلي القريب عن الدنيا. وهو أمر شبه مؤكد. كما أن نصيبي من حبكم سيكون معي في العالم الآخر . لكنني أكره أكره التفكير في أن العالم وناسه سيستمرّان بمرح بعد رحيلي.. كيف يجرؤون؟
أسباب
أين تجد نفسك أكثر في عوالم الرواية: الخيال العلمي ام النمط الثقافي والاعتيادي ؟
أستمتع كثيرا في كتابة رواية الخيال العلمي، أكثر من الروايات الثقافية والاعتيادية. إنني أحب الحرية الموجودة فيها. والكتابة تحتاج إلى درجة عظيمة من التركيز. واود الاشارة هنا إلى أنه هناك الكثير من التركيز على الثقافة.
وكل رواية من رواياتي ترتبط بتاريخ الثقافة.. وممكن أن التجريب والمتابعة والغوص في هذا الحقل، أمور جعلتني أستنتج بجلاء ووضوح، أن رواية الخيال العلمي، لها طعم حرية السبك وقيمة التشويق في الحبكة.
لماذا اخترت شخصية الابن ليكون محور "المقلع"؟
الرواية تسرد الاحداث وتفاصيل القضية التي تكون مضمونها، على لسان شاب مراهق، وهو الابن كيت، الذي يعيش مع أبيه في منزل يقع على حافة المقلع. وهو متعلق جدا في لعبة " بطل الفضاء". وربما أنه جاء اختباري له، من منطلق سمات هذه المرحلة العمرية التي تتصف بالحيوية والموهبة والقدرة، أكثر من المسن، على استيعاب الحياة.
هل يمكن اعتبار روايتك تنبؤية؟
حقاً. إنها تنبؤية من الطراز الأول. هناك أعمال ادبية تتكون عبر أحاديث وتخطيط مسبق، لكن هذه الرواية لم تستغرق مني سوى يومين،لانجازها، ذلك في شهر أكتوبر عام 2012. وعندما علمت بمرضي، كنت قد أنهيت 90 بالمئة منها. أي نحو 87 ألف كلمة من ضمن 97 ألف كلمة تتألف منها.
لذلك أخذت معي الكمبيوتر المحمول إلى المستشفى. وبدأت اكمالها هناك. وفي ذاك المكان، كتبت الفقرة التي يقولها فيها غي: " لن أكون محبطاً لأني أترك جميع السفلة يعيشون ورائي". ويحتمل أنه كان نوعاً من المبالغة في تفكيري، وغير ايجابي. لكنه تفكير البطل.
لا ...!
هل أنت، فعليا، بطل الرواية :(غي- الأب)؟
كلا. لست بطل الرواية غي، ولكنني، ربما اشبهه في كوني أرى الحياة تذهب بعيداً عني. و"المقلع " رواية مليئة بالأحاسيس الغاصبة، والمكبوتة أيضاً.
ما الرسالة القيمية والفكرية في جوهر " المقلع"، بعيدا عن مفردات المرض وتفاصيله؟
إنها نتاج ادبي مغاير بالنسبة لي. إذ تمثل تحولا من سرديات وحبكة الغرائبية إلى الواقعية. وهي تنضح بالتساؤلات والتاملات حول القيم والمعاني الانسانية. وكذا تعمد غلى النبش في عنق وعمق الحقائق وماهيات الوجود.نفسه جميع حقائقها.
«أفضل الملغزين»
بدأ الروائي الاسكتلندي إيان بانكس ( 1954 - 2013)، حياته الادبية في مجال القصة القصيرة. درس بانكس الأدب الإنجليزي والفلسفة وعلم النفس في جامعة ستيرلينغ. وفي العام 1979 انتقل إلى لندن ومن ذلك المكان شرعت تنبثق إبداعاته.. فسارعت " ماكميلان للنشر"، إلى طلب التعاون معه.
وهو ما تحقق في روايته " مصنع الدبابير " عام 1984. وعقب ذلك، تولت دار نشر "ليتل براون"، مسؤوليات وحقوق نشر أعماله الأخرى. وحاز بانكس على (18) جائزة. كما حصل على لقب "أفضل الملغزين الشباب في الرواية البريطانية"، عام 1993.
قصص تجربة ذاتية في ثوب روائي
تسرد "المقلع"، الرواية الاخيرة للكاتب الاسكتلندي الراحل، ايان بانكس، التي صدرت بعد رحيله في يونيو 2013، قصة شاب ( كيت)، يعيش مع والده غي، الذي يشارف على الموت بفعل مرض السرطان.
والمفارقة المريرة، أن الكاتب نفسه، كان يعاني من مرض السرطان في مراحله المتقدمة الخطرة في أثناء تحضيره لصدور الكتاب. إلا أنه لم يكتشف المرض إلا حين الانتهاء من كتابة الرواية.. لذلك عُدت الرواية، مستلهمة من تجربة الكاتب الذاتية .
«بطل الفضاء»
الراوي في العمل، شاب اسمه كيت. ويبرز لنا أن من اهم اهتماماته في الحياة، أداء دور شخصية، محدد، ضمن برنامج لعبة على شبكة الأنترنت تسمى "هيرو سبيس" : (بطل الفضاء).
ونتبين أن هذا الشاب يعيش حكايات ويختبر مشاعر جمة، متناقضة، فيها الغرابة.. وفيها الشعور النبيل.. وكذا تعكس تناقضات ما. وتجسد منحى تساؤلات وجدالات فلسفية غير مباشرة، مع اسرار الحياة وكنهها. فهو يبدو ملتزما، إلى حد بعيد، في الاعتناء بوالده المريض.
وفي المقابل، نجد أن الاب: غي، يتعامل بانفتاح ومباشرة مع ابنه ومجموعة أصدقائه الجامعيين الذين دعاهم الابن ليشاركوه ويخففوا عنه في معاناته خلال لحظات معايشته فراق والده، خطوة بعد أخرى.. وهنا نطالع في الرواية، سردا موسعا وتفصيليا، حول مرض السرطان وما يحدث للمصاب به. وكذا يستعرض تهيؤ صاحبه في حالة سلام داخلي، لمغادرة هذا العالم وترك كل ما يدور حوله.
شخصية مركبة
جوانب اخرى، عديدة، تتكشف لنا في صفحات العمل، اللاحقة، حول شخصية الابن. إذ نعلم أنه يعاني الوحدة والكبت الجنسي. كما يفضل هوايات خاصة، يتقدمها جمع العملات والانغماس في التفكير التاملي حول الحياة ومعانيها.. وفي هذا الخضم، وعبر تعمقه في شخصية والده وحياته وعلاقاته، نتبين أنه يكتشف خبايا كثيرة، مذهلة، حول انانية الناس، والطمع والحسد، اللذين ينهشان أواصر علاقات البشر.
مشهد مغاير
كما يختار بانكس، إبراز شخصية الاب في منحى ربما يفضله ويتقمصه شخصيا. إذ يبدو لنا جسورا رافضا مشاعر الشفقة، من ابنه واصدقائه. وتعبيرا عن ذلك، يظهر كما كبيرا من القساوة والعدوانية. وربما يخفف المؤلف من تلك السمات الحادة للاب، بتبريرات مفادها ان المرض ( السرطان) يفعل فعلا مهولا إفرازاته التسبب بهذا السلوك لدى الوالد.
خاتمة «مقلعية»
ونفاجأ في خواتيم العمل، أنه شرع المقلع يتمدد، ذاك كرمز للنهاية في الرواية وبالنسبة لحياة الاب.. وهكذا يقترب من بيت غي المريض، منتظراً موته، غاية أن يقتلعه ويترك فجوة مكانه.
وهنا، يروي لنا الابن كيت، المصاب ايضا بحالة خفيفة من مرض التوحّد، ماهية الأحداث حين قدم أصدقاء والده في نهاية الأسبوع، ليعودوه. إذ أتوا لوداع زميل الجامعة القديم. وتنتابه في تلك الاثناء، امواج احاسيس سلبية، مردها تثبته من أن الخيانة بات سيد الموقف في علاقات الناس.. والصدق والوافء غديا مفهوما شعاراتيا.

