يتقن الأديب ابراهيم نصرالله، التنقل، مستعينا بأدواته الحرفية ومضمون معالجاته الذكية، بين السرد والشعر، مصوراً جملة تفاصيل مجتمعية ووجدانية، وراصداً جملة قضايا مجتمعية مهمة، نجده يرسم معها ملامح حكايات تاريخية، تبحر في عمق سجل المكان، وفي مكوناته وسمات أهله. ويختار ابراهيم نصرالله، تأكيد رؤاه في هذا المسار، المتجسدة في الانتصار، على الدوام، لقضايا الناس والنبش في التاريخ.
والإضاءة بعمق، على مجموعة مسائل متداخلة يحوكها في نسيج أدبي يقرأ في عمق الماضي ويستشرف المستقبل. ويلفت في حواره مع "بيان الكتب"، إلى أنه مؤمن أن العمل الادبي عماده الخيال، ومشيرا الى أن مخزون التاريخ ميدان روائي خصب، وأن الاخلاص للإبداع معيار جوهري، مهما تنوعت صيغه.
وفي السياق، تشكل روايته، حديثة الصدور: "قناديل ملك الجليل"، عن الدار العربية للعلوم في بيروت، وهي السابعة من سلسلة (الملهاة الفلسطينية)، حدثاً مهماً في هذا الحقل، إذ تمثل نموذج عمل مميزاً على خريطة الرواية العربية الحديثة.
كيف تفسر سهولة تنقلك بين الشعر والسرد، كما يتضح في روايتك الجديدة؟
لا أجد حاجزا بينهما. فهنا يوجد شعر وهناك توجد رواية. الابداع صيغة تكاملية، وأنا أعنى في ان يكون الإنسان حاضرا بكل هواجسه وخبرته وثقافته وأحاسيسه وموهبته في العمل الابداعي، وبدا ذاك جلياً في "قناديل ملك الجليل".
وتعقيباً على ما يخلقه السؤال من تفاصيل وجوانب أخرى للقضية. فإننا نتثبت أحيانا كثيرة، من أن هناك موضوعات من الصعب التعبير عنها من خلال الشعر، إذ لا يستوعبها. فعلى سبيل المثال، روايتي الأخيرة تلك، تتحدث عن 86 سنة من حياة فلسطين في القرن السابع عشر. والمؤكد أن المساحات التاريخية الواسعة هي مجال الرواية، وعليه فإن العمل الابداعي الملائم هو ثوب الرواية. والمهم، أنك حين تكتب شعرا أو قصة أو رواية، أن تكون مخلصاً لعملك الابداعي.
وفي الحقيقة، إنني لم أنتقل من الشعر إلى الرواية. إذ كنت أكتب الشعر والرواية معاً، ولكن الصدفة التي وقعت، هي أنني كنت أنجزت روايتي الأولى وتأخر صدورها طيلة أربعة أعوام، وفي هذه الأثناء أصدرت ثلاث مجموعات شعرية. بدأت بالرواية والشعر في آن واحد، أي في الوقت الذي كنت أكتب فيه روايتي الأولى، كنت أكتب مجموعتي الشعرية الأولى.
لا قاعدة وحيدة
ما مفهومك عن الرواية، وكيف تسقط ذلك على عملك الجديد؟
لا أعتقد أن لي مفهوماً خاصاً عن الرواية. وفي نظري، فإن الرواية هي روايات، تحتاج إلى المكتبة والمراجع والشهود. وهناك رواية تكون أنت فيها الشاهد والمكتبة المرجع، وثقافتك ومشاهدتك ومعاناتك، وبالتالي هذا نمط مختلف. لا يمكن أن نحدد أفضل طريقة لكتابة الرواية. ودائماً يفاجئنا كاتب شاب بعمل إبداعي فريد متمايز. وكل كاتب يشتق منهجه وأسلوبه لتقديم عمل ما، بشيء لم نكن نعرفه.
تقصير
ماذا عن أبعاد وقصة دلالات الشخصية التاريخية في روايتك: ظاهر عمر الزيداني؟
يعد ظاهر عمر الزيداني، أهم شخصية مرّت في التاريخ الفلسطيني الحديث. فهو شخص استطاع أن يؤسس دولة في فلسطين في القرن السابع عشر، امتدت من فلسطين إلى الأردن.. وإلى بعض أجزاء لبنان. وتمكن من الدخول في حلف مع المصريين، ونجح في حصار دمشق. ومن ثم دخلها. وكانت السفن في البحر المتوسط في الساحل الفلسطيني لا تتحرك إلا بإمرته.
وكان أول من يصدّر القطن إلى المصانع الفرنسية والانجليزية، ذلك قبل القطن المصري. وهذه مفاجأة. ولم يتأخر عن مقارعة الإمبراطورية العثمانية، على مدى 86 سنة. وعلى الأقل، قاتل 70 سنة من أجل الظفر بكرامة الناس واحترامهم واستقلاليتهم.
إن تلك الشخصية نادرة ومميزة. وللأسف الشديد لم يكتب عنها أبداً، في السابق. وروايتي تمثل العمل الأدبي الاول عنه. وأعتقد في هذا الخصوص، وفي خضم صراع الروايتين العربية والصهيونية، ان هناك تقصيراً لدينا، مذهلاً جراء القفز عن هذه المرحلة.
هل ثمة كتابات تاريخية عن هذا الموضوع؟
هناك بعض الكتابات التاريخية عنه. ومن بينها، كتاب لطيف، وأعتقد أنه أفضل كتاب حول الأمر، موجود في الناصرة، وهو عن ظاهر عمر الزيداني ورحلته. عموماً، لا توجد كتب في المجال، لكن هناك بعض الأبحاث. والمشكلة الكبيرة أن تلك الشخصية الفذة، ليست حاضرة، كما يجب، في الذاكرة الفلسطينية، لا الشعبية ولا الثقافية. وربما تكون الذاكرة وقصة الرجل، حاضرة بقوة في الجليل فقط، وليس في المناطق الأخرى.
استنادات واقعية
أتجد روايتك هذه، خيطا بارزا في مشروع الإسهام بتسجيل وتوثيق الذاكرة الفلسطينية؟
حتى في كتابتي الملهاة الفلسطينية، كنت أحرص على أن تكتب مجموعة روايات، لا واحدة. أي سلسلة. ولكن، في جميعها، لكل رواية شخصياتها الخاصة والبناء المستقل. كما أنها تُقرأ بشكل خاص. ويمكن البدء بقراءة أية رواية.. أحرص، دوما، على ألا أضع نفسي في قالب.. وأنا كقارئ كنت في حاجة إلى روايات كتبتها.. انظر: لا توجد رواية تخبرنا كيف احتلت فلسطين، إلى الآن. إنها مصيبة. هذه حكايات كبرى يجب أن تكتب ولا يمكن تجاوزها.
من أين تستوحي رواياتك، من الواقع.. أم ثمة مزيج خيالي فيها؟
أعتقد أن جميع الكتابات لها استنادات واقعية وغير واقعية، فحتى في حقل الخيال العلمي، أنت تستند إلى شيء واقعي أو تجربة أعلن عنها أو كما تخيلها الناس. وعلى سبيل المثال، في روايتي "حارس المدينة الضائعة"، التي تدور حول مدينة عمّان في يوم واحد يختفي فيه جميع السكان.
ويبقى شخص وحيد. نتبين في العمل أنه يستعيد ذاكرة المدينة وبناءها على مدى خمسين عاماً. كيف شكّلته هذه المدينة؟ لكن اختفاءه يشبه قصص الخيال العلمي. ويمكنني القول، إن من لا يملك مخيلة لا يمكن أن يكون كاتباً.
خصوصية وسمات
ما طقوسك في الكتابة، وهل تكتب يومياً؟
عندما أبدأ تأليف رواية ما، أواصل على الكتابة ولا أسافر أثناءها. لديّ مكتب خاص. وأنا متفرغ للكتابة منذ سبعة أعوام. وأحياناً تراني زوجتي مستعجلاً للذهاب إلى العمل، فتقول لي، مازحة: أنت لا تختم الكارت، فلماذا كل هذه العجلة؟
يلزمني، عندما أكتب، الهدوء التام، ولا أرغب في سماع الموسيقى، حينها، ولا حتى تناول القهوة أو الشاي.
لم لا تكتب في البيت؟
في البداية كنت أكتب في البيت، قبل تفرغي النهائي للكتابة. لكنني أؤمن، حاليا، أن الخروج من البيت مسألة إنسانية وضرورية للجميع، للزوجة وللأولاد وللجميع. عليك أن تنتقل إلى مكان ما. في بعض البلدان، يمكن الكتابة في المقاهي. ولكن، طبعا هذا ليس لدينا. وعندما كنت أكتب في البيت، كنت أستمر في الكتابة إلى أن أسمع أصواتاً تشعر بمجيء الزوجة أو الأولاد.
هل تعيش من واردات كتبك؟
في آخر 10 سنوات، أصبحت لديّ إيرادات ممتازة من أعمالي، فمعظم الروايات وصلت إلى ست أو سبع طبعات. لذلك أصبحت الكتابة جزءا أساسيا من الدخل الذي يساعدني في الحياة. وفي السنوات الأخيرة تغيّرت أوضاع القراءة، فبات الشباب، مثلاً، يشكلون 60 بالمائة من بين فئات قرائي.
بطاقة
إبراهيم نصرالله. كاتب وأديب أردني من أصل فلسطيني. من مواليد عمّان في الأردن، عام 1954. هُجِّر أبواه من أرضهما (قرية البريج 28 كم غرب مدينة القدس) عام 1948. درس في مدارس وكالة الغوث في مخيم الوحدات، وأكمل دراسته في مركز تدريب عمان لإعداد المعلمين. غادر إلى السعودية .
حيث عمل مدرساً، مدة عامين 1976-1978. واشتغل في الصحافة الأردنية، من عام 1978-1996. كذلك، عمل في مؤسسة عبد الحميد شومان - دارة الفنون - مستشارا ثقافيا للمؤسسة، ومديرا للنشاطات الأدبية فيها، من عام 1996 إلى عام 2006. ثم تفرغ للكتابة نهائياً.
تأريخ روائي يضيء عتمة في السيرة
تضيء "قناديل ملك الجليل"، جزءاً من التاريخ الفلسطيني، على امتداد نحو قرن كامل، من خلال شخصية تاريخية مهمة: ظاهر عمر الزيداني، لم يدرسها التاريخ كفاية. ويركز ابراهيم نصرالله على دور الزيداني في التاريخ الفلسطيني، خلال الحقبة التي عاشها، ذلك من عام 1689 وحتى عام 1775. فمن هو ظاهر عمر الزيداني الذي صوره الروائي كشخصية ملحمية.. الشخصية التي انتهت بالوصول إلى الباب العالي؟
تدور حكاية الزيداني في القرن الثامن عشر. وفضاؤها فلسطين -قراها ومدنها وساحلها والشام أيضا ومصر- غير أن البداية، كانت في طبريا مطمئنة وساكنة، على بحيرتها والتي ستصير مدينة في ثلاثينيات القرن الماضي تضاهي نيويورك -بحسب مذكرات أنيس الصايغ-. ولعل ذلك ينسب بشكل ما للزيداني الذي بنى مدينة استعصّت على جيوش العثمانيين، في عز جبروتهم.
على مستوى التاريخ الواقعي، تبين الرواية كيف أنه جسّد الزيداني أول محاولة فلسطينية لإقامة وطن فلسطيني حرّ ومستقل عن سيطرة الإمبراطورية العثمانية، باعتباره قائداً استثنائياً انتصر لمبادئ الحق والعدل والحرية. وبإيجاز، فهو مشروع فلسطيني وعربي.
وتسرد الرواية سمات الشخصية، مبينة أنه كان لدى الزيداني وعي واضح بأن الهوية العربية المتماسكة لا بد لها أن تتجاوز التمركزات الطائفية والمذهبية.
استطاع الروائي ابراهيم نصرالله، أن يرسم الأجواء العامة للرواية في أبعادها الاجتماعية والأسطورية في الوعي الشعبي، في خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر.
تنتمي الرواية إلى ما يمكن أن يسمى بالرواية التاريخية، إذ تدور حكايتها عن بطل ذكرته الوثائق التاريخية، ومكان معلوم: هو بلاد الشام ومصر، فضاء روائيا لها. لكن الروائي يقدم درسا بليغا في الرواية التاريخية وجدل المؤرخ والروائي، حين يسطر مما هو معلوم عن بطله، في مائة صفحة، مدرجاً أسماء حقيقية تسنده لبناء روايته.
وفي الرواية ينير "صاحب براري الحمى" و"حارس المدينة الضائعة"، قنديلاً من قناديل ملك الجليل، مضيئاً عتمة في تاريخ فلسطين. وفي الضوء تستفز إمكانات شاعر مرهف، فيحيل عناوين فصوله إلى مقاطع شعرية وملكات ناقد سينمائي، فتتحول لوحات روايته إلى قصص حب مرهفة. إن "قناديل ملك الجليل" هي الملحمة الروائية الرائدة في تاريخ الرواية الفلسطينية، وهي التي تردم الهوة ما بين الملحمة الشعرية الفلسطينية التي أبدعها عدد من الشعراء الفلسطينيين الكبار، والملحمة الروائية التي ظلت غائبة لعقود طويلة.
