«عُدت إلى العربية بالغريزة، ذلك بعد أن كنت منذ عام 1969، قد بدأت الكتابة بالفرنسية. ومذاك شعرت بعقدة ذنب وحنين إلى العربية.. وطالما لازمني هذا الإحساس». هكذا اختار الروائي والكاتب الجزائري رشيد بوجدرة توصيف رحلته الإبداعية في مشوار العودة إلى حضن اللغة العربية وعوالمها، ذلك في سياق حواره مع «بيان الكتب».

 لا يحار بوجدرة في حديثه في هذا الصدد، بينما يشرح ماهية ارتباطه بلغته الأم، وطبيعة تجرعه العذاب وهو قابع في مروج أوعية فكرية غريبة عنها. إذ يضيف: "علاقتي بالعربية هي عشق بالمعنى التصوّفي. ولا شك أن انتقالي إلى الكتابة بها، أخيراً، عقب رحلة طويلة، بعيداً عنها، ناتج بمنحى ما، عن ضغوط نفسية أكابدها وأنا قصي عنها. إذ كنت حين الكتابة بالفرنسية لا العربية، أعيش نوعاً من العصاب".

تعود في "فندق سان جورج" إلى الماضي بتفاصيله المتنوعة. ما سبب هذا الإصرار على الرجوع إلى صفحات التاريخ؟

أود، بداية، الإشارة إلى أن العمل أول رواياتي السردية، وهي وهي رواية لا تحمل رسالة، أي ليس فيها رأي سياسي أو اجتماعي، بل إنها عبارة عن تراكم ذكريات وأحاسيس من الماضي. ففيها حاولت التطرق إلى "الآخر" بعد أن تناولت الثورة في روايتي "التفكك".

وها أنا ذا أعود، أعود مع روايتي الجديدة إلى أولئك المنسيين في الرواية الجزائرية، أي الفرنسيين المساندين للثورة التحريرية. كما أتناول ممارسات الجيش الفرنسي الوحشية ضد الثوّار الجزائريين، عبر قصة فنان حوّلته الحرب إلى صانع توابيت في خدمة الجلادين.

ماذا عن انتشار وإيرادات هذه الرواية .. وهل أنك تعتمد في عيشك على مردود أعمالك الأدبية؟

هذا صحيح. إن الرواية تحظى بشعبية مهمة. وطبعاً أنا أعيش من رواياتي. إنني أكتب منذ 40 سنة. وقد بيعت من روايتي "ألف وعام من الحنين" نحو مليون نسخة. أما "الحلزون العنيد" فباعت 500 ألف نسخة. وترجمت رواياتي إلى 34 لغة، منها: خمسة ملايين نسخة في اللغة الصينية. وكتبت 30 كتاباً، منها 20 رواية و ثلاثة دواوين شعرية، وأربعة كتب نثرية ونقدية.

كما وصل كتاب "خمس شذرات من الصحراء"، إلى عشرين طبعة، وطبعاً رسم لوحاته الفنان رشيد قريشي. ووصلت مبيعاته إلى 100 ألف نسخة. يجب أن أقول إن الإيرادات تصلني من دور النشر الفرنسية وترجماتها، لأنها تتابع هذا الشأن بدقة، ذلك بينما الدور العربية لا تهتم كثيراً بالتسويق.

هل شعرت في العمل هذا، وغيره أيضاً، أنك ممزق بين اللغتين: الفرنسية والعربية. أم وجدت نفسك متصالحا معهما؟

ربما أن "فندق سان جورج"، كان لها طعم خاص في السياق، كونها زادت ذخر حنيني واندفاعي للعودة إلى حضن لغتي الأم. لكن، لا بد أن ننظر إلى الأمور بسياق وماهية منصفين، إذ اخترت الفرنسية لغة لإبداعاتي في السابق، مكرهاً. ذلك أنني انقطعت عن الكتابة باللغة العربية في العام 1994، بعد أن رفضت روايتي "تيميمون" من طرف كل دور النشر في الجزائر.

كما رفضتها نظيرتها في بيروت، ومن بينها كبريات الدور.

إنهم بذلك أعادوني مرغماً، إلى اللغة الفرنسية. وأجبروني على الالتصاق بها. وأنا في موقفي وتوجهي عقبها، لم أقصد الانتقام من العربية. إذ لها مكانة خاصة عندي، وأفتخر بمسيرتي معها وفي ظلها.

ولا تزال اللغة الأم العربية بالنسبة، لي لغة العشق بالمعنى التصوفي، ويربطني بها حنين قوي. إنني أحرص على الكتابة باللغة العربية، فهي لغة محدثة ومدهشة في تركيبتها، فأنا مبهور بها، رغم ما تحمله اللغة الفرنسية من جماليات، إلا أنني انطلاقاً من موقف سياسي أحرص على الإبداع بالعربية، ذلك رغم أنني عشت فترة من الزمن، خارج الوطن. وأوَّل رواية كتبتها بالعربية كانت سنة 1994ـ 1995.

ومنذ ذاك الوقت، بدأت فترة الإرهاب في الجزائر. وعقبها، كتبت رواية أخرى اسمها (الجنازة). ورفضها الناشرون الجزائريون، بمن فيهم القائمون على المؤسسات التابعة للدولة طبعا، لذا عدت إلى الكتابة بالفرنسية. وأنا عندي الآن، أربع روايات مكتوبة بالفرنسية.

وبالنسبة للأخيرة بينها: " فندق سان جورج" ستكون ختام كتاباتي بالفرنسية، وأنا مرغم على تقديمها بالفرنسية، ذلك لأنَّ عندي عقداً مع دار نشر فرنسية، والآن انتهى هذا العقد. وبذا سأعود للكتابة باللغة العربية.

كيف توصف تجربتك في كتابة السيناريو. وهل تلامس أو تتعالق هذه الرواية الجديدة مع ذاك الحقل؟

ربما ان العمل الجديد ليس قصيا أو مناقضا لهذا. وعموما فإن كتابتي الروائية أصلا، هي سينمائية في طابعها. وكنت قد كتبت سيناريو وحوار فيلم "وقائع سنوات الجمر" المعروف، للمخرج محمد الأخضر حامينة. كما كتبت سيناريو فيلم «علي في بلاد السراب» للمخرج أحمد راشدي.

هل تؤمن بالكتابة الواقعية، أم إنك تنحو إلى الحداثة والتجريب. وأيهما ينطبق على ما دبجته في روايتك الأخيرة؟

موقفي واضح من هذه الواقعية. ما أقتنع به واقعية نجيب محفوظ والطاهر وطار والياس خوري، وغيرهم. على الدوام أتعمد إدخال الفنيات التي تعلمتها من الرواية الغربية الحديثة، إلى ما أقدمه من أعمال. وهذا ينطبق على " فندق سان جورج". إني مع نهجي هذا، أريد توظيف لغة تحدِّث الرواية العربية.

ولستُ أدري إذا كنت أقمتُ شرخاً حقيقياً في الرواية العربية أم لا، ذلك بكسر الثالوث بطريقة كان لي مبرراتي ومبالغاتي فيها، فالكاتب العربي لا يتجرَّأ على فعل هذا، لأنَّ عنده مشكل مع الوعي، مع الصراحة والنزاهة. أردت تكسير الذهنية ونمطية التفكير الذاتي.

هل الرواية التي تكتبها يجب أن تتحلى بالطابع السياسي أو الاجتماعي؟

لم أكتب يوما رواية سياسية ولا تاريخية، وبعد خمسين عاما من الكتابة أستطيع الفصل بين الأنا والـ(هو) والآخر. ما يهمني في نصي، الجانب الميتافيزيقي وليس الموضوع. وأنا أتمتع بثقافة مزدوجة تعطي قلمي شاعرية خاصة، على العكس من الفرنسيين الذين لا يتحدثون عن أسلافهم.. وأسلافي هم كثيرون، بدءًا من ابن خلدون وأساتذة الزيتونة. إن الأدب إحساس مرضي يدفع صاحبه إلى الكتابة وإلا الانتحار.

سرد يهدم عروش "أسطرة" الأسلاف

يتداخل في رواية "فندق سان جورج" للروائي الجزائري رشيد بوجدرة، تاريخان: الأول لعائلة فرنسية والآخر لعائلة جزائرية. ونتابع فيها تفاصيل منوعة وشائقة، عن قصة عائلة جان، وهو صانع النعوش للجيش الكولونيالي الفرنسي في الجزائر، حيث واصل عمله ذاك بعد الحرب، إذ كثيراً ما شعر بروائح الجثث المتفسخة. أما "وراك"، فهو مقاوم شيوعي، ورث عن أبيه وطنيته وشجاعته.

وأصبح حب الوطن والتاريخ لديه، عبارة عن هوس شخصي دائم. وبعد وفاة ابنته جيان، أخذت تكتشف له حقيقة بلد العذاب الذي عاش فيه أبوها. ونجد وراك يتعلم منها تاريخ الهلوسة، وتحمل له رياح الذكريات: ذكريات حرب الاستقلال، وقصص عن أبيه (القومي والوطني في آن معاً). وكذلك حكاية بوب، عمه الشيوعي، الذي مات في مكة، حيث سحق تحت أقدام الحجاج، وعمه الآخر بيبين لي بريف، وهو أحد المتعاونين مع الاحتلال الفرنسي.

هناك عائلتان و 11 شخصية على سبيل المثال، في الرواية. ونتبين أنه تكتشف جين أنها نتاج غريب لزيجة جرت عن طريق المراسلة، بين رجل ملحد وامرأة مؤمنة لم تعرف أي شيء عن مغامرات زوجها. وأماط مجيء جين إلى الجزائر، اللثام عن الحياة المخفية لعائلة وراك.

ونلحظ في حبكة الرواية، أن رشيد بوجدرة في هذه الرواية، ومشياً على أسلوبه نفسه، يستعيد الماضي، ويطرح عليه ومعه التساؤلات. ويكشف، كما في رواياته الأخرى، عن أسطورة الأسلاف، وهو يلقي الضوء الساطع على جذور الطواهر والبنى السياسية والاجتماعية والتاريخية، مثل:

جبهة التحرير الجزائرية وجبهة الإنقاذ الإسلامية. وقضايا الإرهاب والتطرف والمجازر الجماعية، خلال أعوام التسعينات من القرن الفائت. لذلك يمكن القول، إن هذه الرواية تندرج في أجواء الروايات الـ 14 التي كتبها بوجدرة، فهي كتابة متوترة عن الذاكرة مليئة بالرموز والإشارات التاريخية، التي تتأرجح ما بين الشك والنسيان.

تأتي الأحداثُ الحقيقية في الرواية، المحكية على لسان بوجدرة، دليلاً على أنّه لا فصلَ بين الحميمي والسياسي، بين الخاص والعام، إلا في تاريخ وهمي يصوّر الشعبَ بطلاً جماعياً، وقادتَه أنبياءَ معصومين.

وأقوى رمز في الرواية تعبيراً عن تعقّد «التاريخ الحقيقي» هو تباينُ الهويات السياسية لأفراد أسرة عمر: مناضلان مقتنعان بضرورة الاستقلال، ومحافظُ شرطة وضعته الثورة أمام مسؤولياته الوطنية، وحليفٌ صريح للعدو التحق بأكثر تنظيمات الأقدام السوداء عنصرية.

ليس التاريخُ في "فندق سان جورج" إطاراً عاماً للحكي. هو موضوعُ استنطاق يدمّر «أسطورة الأسلاف»، ليسلّط الضوءَ على شخصيّتين قلقتين. وكما في نصوصه الأخرى التي فضحت أكاذيبَ التاريخ المتوارثة، سعى بوجدرة هنا إلى فضح تهافت الرواية الرسمية لمعركة التحرير. رواية لا أثر فيها لما عاصره بوجدرة من تصفية حسابات داخلية.

 سيرة

ولد الأديب الجزائري رشيد بوجدرة، عام 1941، في مدينة العين البيضاء. وهو خريج المدرسة الصادقية في تونس. تخرج في جامعة السوربون - قسم الفلسفة. عمل في التعليم وتقلد مناصب عديدة، منها: أمين عام لرابطة حقوق الإنسان، أمين عام لاتحاد الكتاب الجزائريين. يكتب باللغتين، الفرنسية والعربية.

وهو محاضر في كبريات الجامعات الغربية في اليابان والولايات المتحدة الأميركية. من مؤلفاته الروائية: الحلزون العنيد، الإنكار، القروي، العسس، الإرثة. ترجمت أعماله إلى أكثر من 35 لغة. حائز على جوائز كثيرة، من إسبانيا وألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة الأميركية.