ليس الكاتب البريطاني ايان ماكوين أول من كتب في أدب الجاسوسية، إذ سبقته إلى ذلك، نخبة من الأدباء، منه بينها: غراهام غرين، ايان فليمنغ، سومرسيت موم، شارلس ماكاري. وكل واحد من هؤلاء الكتّاب له قصته مع الجاسوسية. وهناك الكاتب الإنجليزي الشهير إيان فيلمينغ، الذي كان عميلا للاستخبارات البريطانية في روسيا، وبلدان عديدة.
وهو ما جعله يبتدع شخصية العميل رقم 007، أو جيمس بوند الذي يعرفه العالم بأسره. إذ شرعت السينما تتلقف رواياته لتحولها الى أفلام تجتذب قطاعا كبيرا من جماهير العالم. أما الوجه الآخر للأديب الذي يمتهن العمل الاستخباراتي فكان يتجسد في الطود الراسخ في دنيا القصة والرواية الإنجليزية الأديب والروائي سومرست موم.
حقائق وكشف
يشرح الكاتب ايان ماكوين، في هذا الحوار، الذي أجرته معه إذاعة ن. بي. آر. الموسيقية في لندن، في 10 نوفمبر 2012، حقيقة هذا الارتباط بين الادب وعوالم الجاسوسية، والذي عكسه واستقرأه بعمق، في كتابه "أسنان حلوة".
- كانت المخابرات الغربية تموّل الثقافة والأحداث الثقافية ونشر الكتب أثناء الحرب الباردة، ما رأيك في ذلك.. وكيف بحثته او وجدته في دراسات كتابك "أسنان حلوة"؟
نتبين، بالعودة إلى الأيام الأولى للحرب الباردة، أنه أغدق جهاز المخابرات الأميركية: سي. أي. أي، ملايين الدولارات على نوع الثقافة التي يتمتع بها الجمهور العريض. حتى إنها نظمت مهرجاناً موسيقيا في باريس عام 1950. إنه تناقض ساحر في عالم عصبه المال والفن. فمن أجل المساهمة في ترقيّة المجتمع المفتوح في وجه الاتحاد السوفييتي بنظامه الشمولي، لجأ الاميركيون إلى ممارسات وفعاليات فكرية وثقافية بسرية تامة.
من أين استوحيت شخصية "سيرينا " بطلة الرواية؟
سيرينا امرأة تقليدية، تعيش في زمن غير تقليدي. هذا هو مناخ بداية السبعينيات من القرن الماضي. حياة أختها تختلف لأنها كانت في صلب تغييرات العصر، وهو ما يطلق عليه البعض بالانحلال.
لكن سيرينا أرادت أن تسير ضد التيار، وفي شخصيتها نوع من العمق، البعض يمتلكه والبعض الآخر لا. وهي كانت تبتغي موافقة مسؤوليها. لذلك شرعت تتودد لهم. وهذا لا يحدث فقط بالنسبة للنساء، إنما للرجال أيضا. وبذا فإن عنصر الغواية وفن الإغواء هو رجولي أيضاً.
حال مزرية
كيف كانت لندن في السبعينات من القرن الـ20.. وكيف عكست هذا في تفاصيل عملك؟
كانت لندن في السبعينات من القرن نفسه، كارثة جميلة إن صّح التعبير، ومليئة بالاضطرابات الاقتصادية، وكنا نرزح تحت ضغوطات الهجوم من قبل المحاربين الايرلنديين، الذين بدؤوا بعمليات التفجير في المدن الإنجليزية. كانت السياسة منقسمة بين قطبي اليسار واليمين. وكل من يحيط بسيرينا، هم من المهمشين والمتسكعين. وكانت تريد أن تجد نظاماً من خلال كل هذا الخراب السائد.
جاسوسية مزدوجة
ما أوجه الشبه بين الجواسيس والروائيين.. وماذا عن التطابق بين سيرينا وتوم هالي؟
يمكنك القول ان جميع الروايات وكل الروائيين هم أساتذة في التجسس. فعلى الروائيين أن يسيطروا على سيل المعلومات، ويكونوا مسؤولين عن سرد الجزء المهم منها. وفي خصوص حيثيات وشخوص روايتي في هذا السياق، نتبين ان الكاتب نفسه يغوص في عمق حياة البطلة، وبذا يتجسس على سيرينا، وكذا هي بدورها، تتجسس عليه (فهي جاسوسة أساسا).
نحن نستوحي من تراث جيل من الروائيين الذين عملوا في أجهزة الاستخبارات أمثال: غراهام غرين، ايان فليمنغ، سومرسيت موم، شارلس ماكاري.
روح السبعينات وصراع الاستخبارات في قالب أدبي
أراد الروائي ايان ماكوين، أن يكتب رواية عن روح السبعينات من القرن الـ 20، وما مرت به بريطانيا من مشاكل. وتفجّر هذه الرواية، التي نشرت في 21 أغسطس 2012، موضوعاً مهماً على الصعيد الأدبي والسياسي، ألا وهو موضوع التجسس .
حيث يتعامل الكاتب مع بطلة روايته سيرينا فورم، خريجة كامبردج التي تتوظف في جهاز المخابرات البريطانية المعروف بـ"أم. 15" من أجل محاربة الشيوعية عبر الاندساس في عالم المثقفين. ويلقي الكاتب الضوء على العلاقة بين النزاهة الفنية والبروباغندا السياسية، والحدود الموجودة بينهما.
ومن خلال عملية التجسس، تتقاطع مصائر شخصيتي سيرينا فورم وتوماس هالي، وهو كاتب وأستاذ جامعي له انشغالاته الأدبية والوظيفية. وتذهب إلى جامعة سوسيكس، حيث يعمل الرجل، وتنشأ علاقة رومانسية بينهما. وفي النهاية، تكشف قصته مع سيرينا، علناً، من قبل الصحافة.
وهنا تخشى سيرينا أن تفقد علاقة حبها مع هالي إلى الأبد، وتعلم في ما بعد، أنها خدعته. ويقرر قلب الموضوع إلى كتابة روائية يستغرق في أحداثها وتفاصيلها. ويكتشف القارئ أن مؤلف "الأسنان الحلوة" هو في الحقيقة هالي، على الرغم من أن الرواية مكتوبة بضمير المتكلم على لسان بطلة الرواية سيرينا. وعندما ينتهي من كتابة الرواية يطلب هالي من سيرينا الزواج رسميا بعد أن يتعرف على حقيقتها.
حبكة وتشويق
هناك عناصر من السيرة الذاتية في الرواية. ذلك لأن بطل الرواية توماس هالي، يشترك بسمات كثيرة مع المؤلف. ومثل هالي، هو درس في جامعة سوسيكس. كما تختصر قصص هالي في الرواية. وهي متشابهة لبعض أعمال ماكوين الأولى. وانفتح ماكوين كثيراً على السيرة الذاتية في روايته هذه. وهو يطلق عليها، وصفا مفاده أنها سيرة مشوهة وخرساء.
وهي، كما يقول، "مذكراتي ككاتب شاب". وهناك اختلافات أيضاً، بين الكاتب وبطل الرواية. فهالي أكاديمي وكاتب روائي بينما ماكوين كاتب محترف طوال حياته. أما عقدة وكالة الاستخبارات، فهي متخيّلة تماماً، والمعلومات التي تصف الاستخبارات لا علاقة لها بالواقع بل فبركها الكاتب حسب تصوراته. وتمثل "أسنان حلوة"، في نهاية المطاف، قصة حب وتجسس وآراء حول الأدب في آن واحد.
وبطلتها سيرينا مع صديقها، لهما آراء خاصة حول الأدب، وهي آراء نقدية، وتختلف ايضا في ما بينهما. فهي تفضل التفسير الواقعي، بينما هالي ينتمي إلى مدرسة أكثر حداثة وتجريباً في الأدب. ويلعب فيها ماكوين مع ثلاثة مواقف مختلفة، فمرة يضع نفسه في الرواية، وأخرى يركز غشاوة بينه وبين شخصية الرواية، وفي غيرها يتكلم بضمير المتكلم، من أجل الفصل، فيلقي غموضاً على الشخصيات.
نجاح مستمر
تحظى اعمال ماكوين بشعبية كبيرة، وتتسق "أسنان حلوة"، مع هذا المناخ الابداعي لديه. كما نقل المخرجون معظم رواياته إلى الشاشة. ومنها: روايته الشهيرة "التكفير". ويقدم الفيلم المقتبس منها، مسيرة الضمير الإنساني المعذب، بين الحقد والبغض والخوف والحب والتضحية. وأهم تلك الفصول هو الضمير الإنساني للروح المعذبة.
وهو أحد الأفلام النادرة التي استطاعت أن تقدم لنا الدراما والرومانسية متلازمين في قالب واحد، من دون أن يفصل بينهما. واستطاع المخرج فيه، أن يفهم مغزى الكاتب وما تحويه روايته من عمق يخاطب النزعة الإنسانية..
ويتمحور الفيلم حول اخت سيسيليا الصغرى بريوني، ذات العقل الأنثوي المرهف، الذي يسهم عدم نضوجه، في أن يكون هو السبب في معاناة الحبيبين عندما يرسل، بسببها، روبي، الى ساحات الحرب العالمية الثانية في فرنسا، بعيداً عن حبه سيسيليا، ذاك لذنب لم يقترفه. فيقدم لنا المخرج بريوني الكاتبة ذات الـ 13 عاما في بيت العائلة النبيلة في ريف بريطانيا، ويظهرها متحفزة ومتنبهة، قبل أن يغلها الخوف فالغضب والحقد.
ميزة وأساس
يؤكد الكاتب في حوار مع أليكس سالموند مع ماكوين، الذي نُشر في الغارديان 22 أغسطس 2012، أن جميع الروايات العظيمة لها طابع محلي، ومتجذرة في زمان ومكان محددين، مثل" مدام بوفاري" أو "آنا كارننيا".
ويضيف: "الخيال مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمناظر الطبيعية المحلية، أو بمجموعة بشرية معينة أو بالجيران. إن انبثاق الحداثة في الرواية صاحبته نكهة وطنية قومية، عندما ننظر إلى رواية (يوليسيس) لجيمس جويس، لا يوجد أكثر منها احتواءً للعناصر القومية والنكهة المحلية. وهناك خصوصية في الزمان والمكان، لكنها أيضاً انجيل الحداثة، وهي النص المركزي في الثقافة الأوروبية والغربية".
محترف أدبي
عشر ساعات فقط أنهى فيها الكاتب الإنجليزي ايان ماكوين، قصته الأولى التي خرجت عن محترف الكتابة الإبداعية البريطانية في احدى الجامعات البريطانية. ولم يكن ايان ماكوين عندها، التلميذ الأول في الصف الذي أسّسه ودرّس فــيه مالكوم برادبوري، بل الوحيــد أيــضاً. وكان ذلك في خريف عام 1970، أمّا اليوم فأصبح ماكوين واحداً من أشهر الكتــّاب البريطــانيين في العالم.
ويقول الكاتب في هذا الصدد: «كان لديّ طاولة مطبخ متواضعة من القشّ الرخيص، وضعت عليها بعض أقلام الرصاص والحبر ورزمة من الأوراق البيضاء. كانت الساعة تقترب من السابعة. وعدت نفسي أن لا أترك الغرفة أو أنام، قبل أن أكتب قصّة قصيرة. وعند الخامسة فجراً وجدت كتابي بين يديّ...».
سيرة
ايان روسل ماكوين كاتب وروائي وسيناريست بريطاني. من مواليد عام 1948م. حاز على جائزة البوكر في عام 1998، عن روايته "أمستردام". ووضعته التايمز البريطانية، في قائمة " أعظم 50 كاتبا بريطانياً منذ 1945".

