«المرة الأخيرة التي رأيت فيها ميغيل ديسفيرن أو ديفيرني، كانت هي ذاتها التي رأته فيها زوجته لويسا أيضاً، الأمر الذي ظل غريباً وربما غير عادل، فهي تبقى زوجته، بينما كنت أنا، في المقابل، غير معروفة». على هذا النحو نقرأ العبارات الأولى من رواية «المغرمون»، الرواية الأخيرة للكاتب الإسباني خافيير مارياس، الذي كرس نفسه في صدارة قائمة أفضل الروائيين المعاصرين حول العالم.

صحيفة «الباييس» الإسبانية التقت خافيير مارياس، عندما ظهرت رواية «المغرمون»، في 2011. إذ أكد في حواره معها، أنه يرى رواياته ترمي الى الابتعاد عن النفاق، ويجدها، اعماله والروايات عامة، عوالم شفيفة تقصي الخداع. وذكرت الصحيفة حينها، أن المؤلف يخط جغرافيا للحب والمشاعر، شاملاً جانبه الوقح والمستهتر بصوت امرأة، لكنه يقدم كشف حساب. ويؤكد أن الأدب هو المكان الأقل خداعاً.

هناك كتاب أصحاب مهنة، مثل غراهام غرين أو بلزاك. وهناك آخرون، مثلك، عندما ينتهون من كتاب لا يعرفون أبداً ما إذا كانوا سينجزون الكتاب التالي أم لا. هل تعتبر كل رواية مغامرة أدبية جديدة، لا تعرف ما إذا كنت ستكون قادراً على إنهائها؟

صحيح. وربما حتى على نشرها بعد الانتهاء منها. فمع «المغرمون» راودني إحساس بعدم الأمان أكثر. أنا تراودني دائماً مشاعر من هذا القبيل.

بين الغياب والقدر

لكن، ثمة سلسلة من الموضوعات التي تظهر بصورة متكررة في كتبك..

نعم، إنها موضوعات تثير اهتمامي في الحياة أيضاً.

هناك اعتقاد أن هذه الرواية تنطوي على الغياب والقدر، دور القدر في الحياة، الأمر الذي يظهر كثيراً في كتبك، ذلك الإحساس بأنه إذا ما تعلق المرء بهذا القطار أو ذاك، فإن الحياة يمكن أن تتغير..

الناس يميلون إلى رؤية المغرمين والقصص والغرامية، بوصفها أموراً ربما حدثت بشكل حتمي تقريباً. لكن المسألة ليست كذلك. أنا أتحدث هنا عن المغرمين الحقيقيين وليس عن الناس الذين يلتقون في لحظة راحة. هناك أناس يظنون أنه كان مقدراً لنا أن نلتقي. وأحد التأملات التي تظهر في الكتاب، أن كل ذلك ليس أكثر من منتج لنوع من اليانصيب أو السحب في نهاية الصيف. أي أن المرء يبدأ بالالتقاء مع أشخاص يمرون من هناك أو أنهم أحرار في الوقت نفسه.

لكن الأمر يتوقف على أقدار حقيقية، ليس من المعتاد أن يحدث أي شيء عظيم في القصص الغرامية، وإنما الأحرى، أن الأمر يتعلق بمن يكون حراً، من يمر من هناك، وبأي رقم هو الرقم الحر، للاستمرار مع فكرة القرعة، لكن يصبح للناس لاحقاً، اتجاه للاعتقاد بأن ذلك كان اختياراً، وبأنه كان هناك عنصر إرادة. وأن المرء قرر. أحد الأمور التي تظهر في الكتاب هو أنه في العمق كلنا متبدلون بأحد ما، ما خلا ربما في قصص الشباب الأولى ونحن مستبدلون بأشخاص كانوا قد خسروا الأمر الذي لا أحد تقريباً مستعد للموافقة عليه.

إضاءة على الخفايا

هل صحيح أن روايتك مليئة بأسئلة لا أجوبة لها؟

أمر آخر من الأمور التي يضعها الكتاب على الطاولة، يكمن في استحالة المعرفة اليقينية، فنحن لا نستطيع قط تقريباً معرفة شيء بيقين، ولا حتى ما يتعلق بنا.

هناك اعتقاد أنه كتاب ساخر بالمعنى الإغريقي للكلمة، والذي يظهر الأمور كما هي وليس كما كان من الممكن أن تروق لنا..

- أحياناً تظهر كما هي، لكن لا بد من القول إنها ليست على هذا النحو دائماً. الكتاب يظهر ما لا نريد معرفته دائماً. فالروايات هي الفضاء الذي فيه أقل درجة من الخداع، بينما يواجه المرء مزيداً من الخداع في الواقع. بالنسبة لي، ثمة أشخاص يعرفونني جيداً. ويقولون لي إنه في رواياتي هناك أمور أكثر صفاء وإنني أدرك أموراً كثيرة.

ومن ثم لا يفهم في الحياة الحقيقية كيف أني لا أدري بشيء. وأنا أجيبهم دائماً: «لحسن الحظ». إذا طبقت ما أتحقق منه، في سياق كتابة الرواية على حياتي الشخصية وعلى حياتي العملية، فإن ذلك سيكون كارثياً. ولن أتمكن من العيش. لحسن الحظ أن المرء يتجاهل ما كان قد تحقق منه في ميدان الأدب.

استحالة اليقين.. حكاية روائية

ماريا دولز، بطلة رواية (المغرمون)، «لم تعرف سوى اسمه عندما ظهرت صورته في الصحيفة، مطعوناً، وبنصف قميص، وعلى وشك أن يفارق الحياة. وإن لم يكن هو ذاته بالنسبة لضميرها الغائب الذي لم يعد للظهور قط، فآخر ما يفترض أنها أدركته كان يتعلق بأنهم طعنوه عن طريق الخطأ وبلا سبب»..

بهذا النثر الرائع والآسر تتأمل هذه الرواية، حال مغرم يعتبر أينما كان تقريباً، إيجابياً، وحتى راهباً أحياناً بحيث يبدو كل شيء مبرراً تقريباً، الأعمال النبيلة والنزيهة، لكن أيضاً التعسف والشطط والسفالات.

«المغرمون» كتاب تدور أحداثه كذلك حول الإفلات من العقاب والقوة المرعبة للأحداث. وحول التعب من أن الأموات استطاعوا العودة لكثرة البكاء عليهم، والذين يبدو في الظاهر وكأن لا شيء يبدو مرغوباً أكثر من عودتهم، أو على الأقل أن يستمروا أحياء، كما تدور حول استحالة معرفة الحقيقة بصورة كاملة قط، ولا حتى حقيقة تفكيرنا المتقلب والمتغير على الدوام.

ارتباطات وعلاقة خفية

عقب إصدار المشروع الأدبي الطموح الذي اقتضاه «وجهك غداً»، الذي استغرقه العمل فيه سبع سنوات، والذي بات يعد من روائع الأدب، أطلق خافيير مارياس روايته «المغرمون».

حركة النقد الأدبي سرعان ما تناولت رواية «المغرمون»، واعتبرتها بعض الأقلام حالة تعمق في الخطوط البحثية أو على مستوى الموضوعات والعمل الشكلي أو الرسمي الذي راح المؤلف يسبر أغواره خلال السنوات الأخيرة، فمن ناحية الموضوع، تتصاهر الرواية مع روايتين آخريين «غداً في المعركة فكر بي» و«قلب ناصع البياض»، بينما يتعلق الأمر في الوقت نفسه، بكتاب ما كان ليكتب إلا بعد المغامرة الأدبية الطموحة التي عنتها «وجهك غداً».

مع كل كتاب جديد، ينشغل مارياس بتنقية امتداد الحبكة، لكن ليس أهميتها، فحجة الرواية يمكن أن تختصر على هذا النحو «امرأة تسترق النظر إلى زوجين، تعلم بعد وقت قصير بموت الرجل (ميغيل ديسفيرن)، على يد شخص مجهول، بطريقة عرضية. وستدخل في وضع معطى معين من شأنه أن يكشف سر ذلك الموت الغامض».

وفيها الحوادث الشحيحة تفضي إلى حالة تضخم روائي، تحتل ضمنها تأملات الرواية وأشخاص آخرون مجاورون يتدفقون دائماً ويختلون، موقعاً مركزياً فيها. لكن وبينما روائيون آخرون يرضون بترك الأحداث تتكلم عن نفسها، فإن مارياس، في المقابل، يدرك أن المهم في الجنس الروائي هو التأمل والحدس والتخمينات والتفكر الذي يولد انطلاقاً من أحداث بعينها.

كل ذلك ينطلق من نوع من التفكير الأدبي الذي يعتمد بوصفه أسلوباً محدداً لمحاولة فهم الواقع. عامل أساسي في ذلك التفكير يقوم على استيفاء موضوع ما انطلاقاً من مناظير متعددة وحتى متناقضة.

وتتسم الرواية، بوصفها جنساً نقدياً وتأملياً، طبقاً لرؤى مارياس، بأنها لا تشتق سلطتها من إمكانية الوصول إلى استنتاجات نهائية حول الأشياء، وإنما من قدرتها على استكشافها عن طريق البحث وعدم ترك أي خيط من دون تحريكه وهزه.

بحث ومغامرة

أحد التناقضات المثيرة للفضول التي يمكن العثور عليها في عمل مارياس «المغامرون»، هو الطريقة التي تتحدى فيها رواياته، التي تبدو متوشحة بشيفرة الواقع، بشكل ثابت، مبدأ الرجحان أو الاحتمالية الذي تتأسس عليه تلك الشيفرة «التشويق القائم على الميل إلى عدم التصديق». و«المغرمون» ترويها امرأة، لكنها تنطوي على نبرة كنبرة كل الروائيين الرجال في روايات مارياس السابقة.

مارياس يعرف أن الاختيار الرئيسي للراوي يكمن في اتخاذ القرار حول من سيروي ومن أين. رواته أساسيون دائماً ويتمتعون بصوت قوي ومنوم يفرض نفسه على كل السرد، حتى على شكوكه، أو رغماً عنها أو انطلاقاً منها. بيد أنه ثمة محاولة أقل في كل مرة لخلق سيكولوجيا، بروفيل، أو الصورة الجانبية، لشخصية ما، انطلاقاً من ذلك الصوت.

تعمل راوية «المغرمون»، في دار للنشر. ونتعرف إلى أنها لمّاحة جداً وقادرة على التسلط على عقل الأشخاص والأحداث، وجعلها تدور في فلكها. وأنه على الرغم من أنها تمنح الكثير من الأهمية لمشاعرها، إلا أن مغامرتها الرئيسية هي مغامرة عقلية، وكل هذا ربما يمكن تطبيقه على رواة آخرين أبدعهم مارياس.

وفي ما يتعلق بالأشخاص الآخرين دياز فاريلا (الذي تغرم الراوية به) أو لويسا، زوجة الرجل القتيل، كلهم يتمتعون بأصوات كصوت الراوية، وكلهم تروق لهم الجمل الطويلة والتأمل الدائم في نصف الدورة الثابتة للتفكير. نحن أمام ظاهرة غريبة جداً، رواية قوتها الكبرى تكمن في التأملات التي تركز على ذاتية الإنسان وعلى سيكولوجيتنا المعقدة، لكنها كي تقوم بذلك يتعين عليها استعراض مهارتها الأدبية بصورة ثابتة.

كافة الرموز أو الشيفرات الأدبية، حتى الأكثر طبيعية منها، هي مهارات، ما عدا أن بعضها يختار إخفاء هذه المهارة. وهناك آخرون يتأسسون انطلاقاً من إظهارها. الرائع في مارياس هو كيف أنه يلعب على نقطتين، إذ يستخدم المهارة الأدبية ليس للتحصن من العالم وإنما لمواجهته على نحو أفضل. وهنا يتعلق الأمر بغيبة متوقفة جداً على الكلمات والأشياء.

 مزيج فلسفي أدبي

 نشرت رواية «المغرمون»، في عام 2001. وهي كاشفة، تقوم على على البحث في جانب منها، لكنها تطرح مشكلات فلسفية ذات بعد أخلاقي. والقصة تروى بضمير المتكلم، على لسان ماريا، الشخصية الرئيسية في العمل والتي تعمل في دار للنشر، والتي تسجل المرة الأولى التي يستخدم فيها مارياس راوية.

وترجمت هذه الرواية إلى 18 لغة حول العالم، بينما كانت طبعة دار «ألفاغوارا» للنشر قد باعت أكثر من 100 ألف نسخة، حيث لم تحقق نجاحاً جماهيرياً فحسب، بل في ميدان النقد أيضاً. واختيرت بوصفها كتاب سنة 2011 من قبل الملحق الثقافي «بابيليا» الذي تصدره جريدة «الباييس» الإسبانية. ونالت في عام 2012، الجائزة الوطنية للرواية، التي رفضها الكاتب.