حسن الفردان جرّاح لآلىء الخليج

صورة

تمتع مع اللآلىء بالجمال والإبداع والروعة، ماقاده إلى أن يكون الوحيد عالمياً الذي يستطيع إجراء جراحة يدوية بالسبابة والإبهام والمشرط ، تزيل عيوبها بتشخيصه حالتها والنفاذ إلى قلوبها ليحوّلها إلى قيمة غالية .. ولما لا وهو يتنفس عالمها.

 هو رجل الأعمال الإماراتي حسن إبراهيم الفردان الذي عُرّف بعشقه للبحر واللؤلؤ، الذي تفتحت عيناه عليه صغيراً في منزل العائلة القديم في بر دبي وهو يتلألأ بين يدي والده الحاج إبراهيم الفردان - رحمه الله - ، حيث كان من كبار الخبراء في تجارة اللؤلؤ .

الإتقان والصدق والصبر والذوق العالي وحسن المعاملة.. أدوات الفردان إلى صنع النجاح الذي قادة ليكون الأشهر بين تجار اللؤلؤ ، متوّجاً مسيرته بكتاب "لآلىء العمر" ، مرجعاً دافعه في ذلك إلى إلحاح كثير من الأخوة والأصدقاء بضرورة وضع تجربته في الحياة ومعلوماته في عوالم اللؤلؤ وصناعة المجوهرات في كتاب وسرد كافة المعلومات والأحداث التي رافقت رحلة حياته.

لاسيما أن بعض الكتب التي صدرت في الآونة الأخيرة ، هي كتب غير علمية تحوي الكثير من الأكاذيب والأخطاء العلمية والتاريخية ، غيّر أن كتباً أخرى صدرت خليجياً وعربياً بذل مؤلفوها جهداً استثنائياً يشكرون عليه ، وقد تحروا الدقة والمنهج العلمي في عملهم ، وقد يكون السبب برأي الفردان هو إنتماء هؤلاء المؤلفين إلى عوائل معروفة أباً عن جد في مهنة الغوص وتجارة اللؤلؤ، مشيراً إلى أن لآلىء الخليج لاتخلو من تاج ملك أوملكة أونبيل أو نبيلة لأنه أندر الأنواع الجيدة في العالم .

رجالات وأدوات

تجارة اللؤلؤ وأسراره ورجالاته وأدواته تعرف عليها تاجر اللؤلؤ حسن الفردان في صغره بمجالس عامرة يرتادها أُناس من ثقافات وجنسيات مختلفة ، لقد كانت بحسبه ، الدقة في الكلام والتحليل هي الصفة الغالبة ، وتعلم منها أصول التجارة وأسرار المهنة ويضيف : وحينما كنا نصحب آباءنا إلى البحر ، كنا نرى ملحمة آبائنا وأجدادنا على الطبيعة ، ولاتزال اصوات النهامين القوية ترنّ في أذني ولاتزال عروقهم النافرة ماثلة امام عيني .

جمال لغتنا الجميلة شكلّ شخصيته باكراً، قال في ذلك : في تلك المجالس سالفة الذكر سمعنا الكثيرمن الشعر وأخبار العرب ، وتعرفنا على جمال لغتنا العربية .. وهكذا بدأت شخصيتي تتكون مبكراً وكذلك شخصية أقراني .

والده الذي عاش في جلبابه ، علّمه أشياء كثيرة لاتزال تنير طريقه وتعينه في عمله ، قال عنها: رحمة الله عليه كان ينظر ليّ نظرة خاصة ويعاملني كذلك ، فقد كنت ملتصقاً به كالفصيل ، لافتاً إلى أن من بين أهم ماتعلمه منه الدقة الكاملة في العمل ، مستعرضاً صورته الراسخة في في مخيّلته إلى الآن وهو يطيل النظر إلى لؤلؤة بين أصابعه ، يُقلبها ويٌديرها ويحنو عليها.

واستطرد قائلاً " كان العمل الرئيسي في ذلك الوقت هواللؤلؤ ، والمواصلات كانت تعتمد على السفن الشراعية بين الإمارات كأبوظبي أورأس الخيمة، فالجمال بطيئة ، وكان الوالد - رحمه الله - يصطحبني معه في معظم سفراته ، وهذا سر لاأعرفه حتى الآن ، مع أنني كنت واحداً من بين 9 أخوة ، إثنان أكبر مني هما خليل وإسماعيل، والبقية أصغر مني هم علي وحسين وعبدالله وأحمد وجعفر ويوسف والأخوات بنفس العدد لوجود أكثر من زوجة لوالدي في المنزل .

وهكذا كما يقول ظل يسافر مع والده إلى أكثر من مكان يتذكر منها : رأس الخيمة وقطر وغيرهما ، وكذلك عدد كبير من الجزر الإماراتية والخليجية والهيرات ، وهنا بدأ يتعرف على جغرافية بلده والبلدان المجاورة ، بعد معرفته بتاريخ المنطقة من خلال الحضور المستمر في مجلس والده والمجالس الأخرى ، مشيراً إلى أنه تعرف من خلال هذه الزيارات على عدد كبير من الناس وتجار اللؤلؤ والعمال والغواصين وغيرهم ماإنعكس إيجاباً على مستقبل حياته المهنية.

رجال المجالس العامرة الذين لايزال الفردان يدين لهم بالفضل ، مثله الأعلى ، موجها بالمناسبة حديثه إلى شباب دولتنا ، قائلاً : تصوروا صبياً عمره 11 عاماً يعلم كل هذا ويريد أن يصبح تاجراً أو عنصراً ناجحا في المجتمع ، لقد كنا نحلم أحلاماً كبيرة ونحن في سن مبكرة رغم الحرمان من التعليم الحديث وقلة وسائل الرفاهية واللهو والتسلية.

ذاكرة الأيام

من دفتر الوجد يستعيد حسن الفردان أيام رحيل ابنته البكرالتي كانت تعاني من مرض السرطان بعد3 أولاد وذهبت إلى لندن وأميركا للعلاج ، وفي هيوستن تعرّف على طبيب لبناني يتابع حالتها ، قال له: لاجدوى من علاجها فرجع إلى الإمارات حزيناً ، إلى أن نفذت إرادة من بيده مقادير العباد، فشاجت أحزانه بأبيات لاتزال على قبر المرحومة إلى اليوم، تقول :

غيبت عني يامن ضمها كبدي

وغاب عن ناظري باهي محياك

يابضعة من فؤادي ضمها

جدث ياليته ضمّني يوماً وأبقاك

ياحرقة في فؤادي لاتزول

عــلى مــــر الليالي ليـــوم فــيه ألقـاك

غاب السرور وأضحى الحزن منقلب

لما سويت وبات الترب مثواك

«لآلىء العمر» .. كبوات ونجاحات مسيرة الأيام

 يستعرض حسن الفردان في كتابه "لآلىء العمر"حكاياه عن الطفولة والشباب والنجاح والوالد، وتاريخ اللؤلؤ وماهيته في الأدب العرب وتجار اللؤلؤ وأسراره، مختتماً سطوره بأن الكتاب هو خلاصة تجربته ومعاناته وفرحه ونجاحاته وكبواته، حاول من خلالها أن يقدم صورة لما عاشه في عالم اللؤلؤ والتجارة والفكر والأدب. ومما ذكره الفردان من كلمات لاتغيب في كتابه :

إنني استطعت أن أكمل عددا كبيراً جداً من عقود اللؤلؤ وأن اتعامل مع الكثير من الأشخاص، ومن بلدان شتى، وأستطيع القول من دون مواربة إن من أكثرالأشخاص لياقة ومعرفة وحكمة وكرماً بين كل هؤلاء الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيب الله ثراه -، فقد كنت أرى تقييمه للجمال، بادياً في عينيه الكريمتين، وسعة معرفته في حُكمه على حبات العقود ونوعيتها وتدرجها وطريقة صفها، ولم يبخس الناس أشياءهم قط، وكان رحمه الله يُقبل على جلسائه بوجه باسم ويعاملهم بود ومحبة وأخوة، وتتخلل أحاديثه أبيات جميلة من الشعر النبطي الجميل.

أسرار اللؤلؤ

في مستهل ماعرض له عبر كتابه سر الاهتمام العالمي باللؤلؤ، ممهداً حديثه عن البدايات، أي المراحل التي تمر بها مجموعة النواخذة والممولين والغواصين وغيرهم للحصول على اللآلىء الجميلة، متذكراً تلك الأيام التي لايمكن أن تُمحى من الذاكرة، عندما كان الناس يتأهبون ويُحضّرون لموسم غوص جديد.

والذي يبدا عادة حينما تميل مياه البحر إلى الدفء أواخر مايو، ويبدأ الناس بالحركة والنشاط قبل شهر أو أكثر، فيشترون مايحتاجونه من المؤن لرحلتهم المقبلة، ويشترون مستلزمات الغوص من حبال ومجاديف وادوات متنوعة استعداداً إلى الساعة التي سينطلقون بها إلى أعماق البحر.

وهم يعلمون أن هذه الرحلة ستستمر إلى نهاية سبتمبر، أي ستستغرق حوالي أربعة أشهر، عدا السنوات التي يصادف بها شهر رمضان الكريم في فصل الصيف، عندما يتم تأخير السفر إلى مابعد العيد، مشيراً إلى "النوخذه" وهو قائد السفينة المسؤول الأول فيها الذي يعلن ساعة الرحيل، وكذلك "الكلاف" الذي يصنع السفينة حسب المواصفات التي يريدها المالك، مستعرضاً الأسماء المعروفة في هذا المجال بالدولة .

وأضاف: بالرغم من أن الغواص كان يقوم بالعمل الرئيسي والأهم والأخطر، إلا أنه كان يعاني من الفقر والديّن المستمر والخوف من المجهول، فقد كان العُرف السائد في ذلك الوقت والذي يتم بموجبه تقسيم الحاصل من اللؤلؤ نهاية الموسم، بين العاملين على السفينة، يحمل الغبن لهؤلاء الرجال الشجعان، اما المأساة الحقيقية فهي حينما يكون الموسم سيئاً، عندما يعجز الغواص المتعب عن تسديد الديّن الذي في رقبته لجهات عديدة، إلاّ أن روح التراحم المغروسة في المجتمع الإماراتي.

ووجود بعض التجار أو الممولين أو النواخذة المحسنين، كانت تساعد بعض هؤلاء العاملين على تجاوز محنهم . وتابع: بعد انتهاء موسم الغوص الرئيسي .. تعود السفن إلى موانئها في رحلة جماعية تسمى"القفال"، وهو يوم مشهود وكبير بالنسبة للجميع ..

وتنطلق السفن وكأنها في سباق لكي تصل إلى هدفها، ويصادف أواخر الشهر التاسع أوبدايات الشهر العاشر من السنة، فالأم والأب والزوجة والأولاد والأخوة والأقرباء و الجيران والأصدقاء يستعدون لهذا اليوم، يوم اللقاء بالأحبة العائدين من سفر طويل تكتنفه الأخطار والمصاعب، لافتاً إلى أن اللؤلؤ بأنواعه وألوانه وأشكاله وتسعيره أمر معقد، مستعرضاً أشهر أسمائه، ومنها : الجيون واليكة والكولواه والخوخة والبدله والنيمرو والشيرين والناعمة والبوكة والخشرة.

وأتاحت الفترة التي دخل فيها الفردان معترك تجارة اللؤلؤ التعرف على أكثر التجار في الدولة ودول الخليج والدول الأخرى بحسب ماذكره في كتابه، مشيراً إلى انه كوّن معهم علاقات متينة إمتدت إلى عقود زمنية طويلة، كان يسودها الحب والإحترام والود، مؤرخاً لتجار اللؤلؤ على فترتين، الأولى فترة القرن الثاني والثالث والرابع الهجري، وثانيها فترة نهاية القرن التاسع عشر وفترة القرن العشرين.

ابتسامة مشرقة

 لايزال حسن الفردان الذي ُولد في مدينة دبي عام 1931 في يوم لايعرفه ولكنه صادف ليلة 15 رمضان من نفس العام ، يتذكر كل البيوت القديمة في منطقة بر دبي القديمة ومنزله القديم الذي يقع الآن على على الجانب الأيمن لجامع الإمام علي ، ولاتزال الوجوه المحببة والطيبة لجيرانه تتراءى أمامه ، تلك الوجوه التي تعلوها ابتسامة دائمة مشرقة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات