« الظل الأبيض.. تجربة في الاستنارة»

عادل خزام يفك رموز الذات روائياً

صورة

قليلة هي الروايات التأملية، من بين ركام الروايات العربية التي تصدر كل يوم.. وتبدو رواية الشاعر والكاتب عادل خزام، "الظل الأبيض.. تجربة في الاستنارة"، الصادرة، أخيرا، عن مجلة "دبي الثقافية"، نموذجا مهما فريدا، في السياق ذاك، إذ تشق طريقها بامتياز في هذا الحقل الأدبي الصعب .

واللافت، ان شعراء كثيرين خاضوا في تجارب عالم كتابة الرواية، أمثال: عباس بيصون، أمجد ناصر، محمد الأشعري، وغيرهم. وتنوعت وتعددت، لدى جميعهم، أشكال ومستويات المنتج الابداعي، على هذا الصعيد. إذاً، فماذا عن رواية" الظل الأبيض؟".

كان الشاعر عادل خزام، ولا يزال، يحاول الخروج من مصّب الشعر ليعانق ينبوعه، كما فعل في كتابه "مسكن الحكيم"، الذي يعد عتبة مهمة في كتابة روايته "الظل الأبيض.. تجربة في الاستنارة"، لأنه عمل يمزج النثر بالشعر والسيرة. فما رأي الشاعر والكاتب عادل خزام بذلك في هذا الخصوص؟

يشرح خزام رؤى الرواية ومضمونها: "منذ فترة طويلة وأنا أحاول أن أخلق، أو أن أستفيد من جميع الأساليب التعبيرية، حتى في مجموعاتي الشعرية، في البحث عن تداخل النثري والفلسفي والشعري والروائي. وذلك يعني الذهاب إلى طرح معمار النص المفتوح الذي يلغي جميع الشروط، وفي الوقت نفسه، يلتزم بشرطه الخاص، وهو عدم خضوعه لأي نوع من أنواع التراكيب الجامدة أو التقليدية".

الزمن .. معضلة الابداع

من الطبيعي أن هذه مهمة صعبة، أي مهمة كتابة رواية تأملية، ذات أبعاد روحية ونفسية، والسؤال الذي يُطرح هو: هل اعتاد القارئ العربي على هذا النمط.. من الرواية؟

عندما يذهب القارئ إلى قراءة الرواية. فهو يبحث عن التعبير وليس عن المتعة. وعندما ينجح الكاتب في تغليف الموضوع الفلسفي بالمتعة، ويلغي بمهارة، فن توزيع الزمن باعتباره معضلة الابداع، والحدث على مساحة النص، وكذا يحاول خلق معمار وايقاع متوازنين ومنسجمين، أعتقد أنه، آنذاك، سيكون تأثيره كبيراً على القارئ.

ولكن لا يوجد مقياس موحد للنجاح. النجاح الجماهيري ليس مقياساً، أو أنه مقياس غير صائب عند مقارنة عمل شعبي، بآخر رزين وجاد. الأغنية الشعبية على سبيل المثال، تنتشر أكثر من الأغنية الموسيقية الرزينة. وهكذا الرواية. فهناك روايات تغوص في عمق السؤال الوجودي، مثل روايات نيكوس كازانتزاكس، وهي تحقق نجاحاً كبيراً بين القراء".

البحث عن حكمة الوجود

إن من يقدم على كتابة مثل هذا النوع من الروايات، يكون قد اطلع على كثير من التيارات الفكرية في عصرنا، والعصور السالفة.. كيف اطلع عادل خزام على هذه التيارات الفكرية، وهل يمكن أن تحدثنا عن أبرز نجومك في القراءة التأملية؟

تأثرت، كثيرا، بفردريك بنيتشه ورسول حمزاتوف. ولكنه تأثير اعجابي بالبنية التي قدماها في كتبهما، ذلك في الخلط بين اللغتين: الفلسفية والشعرية، وكذا البحث عن الحكمة في الوجود.

تنتقل الرواية، بكل سلاسة، من الراوي إلى شخصية ابراهيم، وشخصيات أخرى عديدة، منها: برهان.. فمن هما هذان الشخصان؟

هناك تقارب بين شخصيتي وشخصية ابراهيم، بطل الرواية، وخصوصاً جزئية اكتشاف الذات، بعد أيام طويلة من التأمل. في هذا الجانب هناك تقارب مع شخصية ابراهيم وهي شخصية مبتكرة بالكامل. إذ توفيت والدته وهو في الخامسة من عمره. أما برهان فهو شخصية متخيلة أيضاً، ورجل عرفاني استدعي في النص، لكي يتحوّل إلى خطاب على الورق، وهو بالفعل ترك رزمة من الأوراق والنصوص، لذا فهو، كما أسلفت، شخصية ورقية، أكثر منها بشرية.

.. حقيقة أم خيال؟

ما الظل الأبيض، يا ترى، في نظرك. هل هو حقيقة أم خيال أم وهم.. أم ماذا؟

الظل الأبيض حالة روحية يصل إليها الشخص المتنوّر، عندما يلمس بنفسه زيف ما يراه من ماديات زائلة. ويستطيع أن يخرج من شباك الحواس وخداعها، ليكتشف ذاته الحقيقية، بعمق عال، عندما يتحوّل إلى رجل نقي.

وكل شخص هو بالتالي يكون ظله أبيض صافياً كسريرته. المرأة في الرواية ظلها أبيض وسريرتها صافية، نقيّة، وعاشقة وصلت إلى درجة من العرفانية، أي من عملية البحث عن روحها وذاتها، خاصة عندما يتخلص بطل الرواية من الحمولات والتعلقات التي يتشبث بها. وحينئذ يتحوّل ظله إلى أبيض، وفي ختام الرواية، كما لاحظت، فإن ابراهيم يتحوّل إلى شاعر وإلى متنوّر، ويصبح ظله أبيض بعد هذه المسيرة الطويلة.

تأملات في وعي الذات والعالم

تنقل رواية "الظل الأبيض.. تجربة في الاستنارة"، القارئ، في خطوات مضطربة، إلى عالم يشيد فيه الشاعر والكاتب عادل خزام، هرماً من التداعيات الفكرية التي تخلص الكائن البشري من كل شوائبه، التي تعلق به أثناء مسيرته الحياتية. ويسعى الكاتب إلى بناء عالم آخر غير العالم الذي نعيش فيه، من خلال طرح كائن، وهو بطل الرواية، إلى أعلى مراحل تأملاته التي تفضي به إلى وعي الذات، ومن ثم وعي العالم. وذلك من خلال حبكة مشوقة، يقود الكاتب خطوات القارئ إليها من خلال شخصيات ابراهيم وبرهان، وشخصيات أخرى.

ونتبين أن أبطال الرواية يجولون العوالم المادية، من دبي والفجيرة والعين، وصولاً إلى أندونيسيا، حاملين معهم عوالمهم الروحية، وخاصة تأمل ما يحدث في هذه العوالم، وهي لا تعبأ بالأماكن، بقدر ما تعبأ بما يحدث في دواخل الشخصيات، لأن كل ما يحيط بها قابل للزوال، عاجلاً أم آجلاً. أليس الغموض هو قدر الإنسان منذ أن كان في رحم أمه، عالم ظلامي، حالك؟

أدب يتشح بدلالات واقعية ورمزية

يحاول بطل رواية " الظل الابيض.. تجربة في الاستنارة"، ابراهيم، الذي ترك رحيل والدته، أثرا كبيرا في نفسه، أن ينسى الندوب الغائرة في ذاكرته، ولا يمكن لأي شيء أن يدمل هذا الجرح إلا اطلالته على ثراء روحه، وتأملاته.

ويشرح لنا مؤلف الرواية، ان عملية التأمل بحاجة إلى تمارين جسدية، يجهد ابراهيم نفسه في تعلمها والالتزام بقوانينها، وهي التي توصله إلى أبعد بقاع الأرض، ولكنه يكتشف ان أقصى بقاع الأرض إنما تكمن في دواخل الإنسان وليس خارجه. لكن الكاتب حرص أن يجعل من الحبكة الروائية ذات دلالات واقعية ورمزية في آن واحد، وعنصر التشويق واحد من ركائزه الأساسية.

فهو يظهر بمظهر الإنسان العادي الذي يمارس حياته اليومية أيضاً، ويتشاك مع الآخرين في علاقات طبيعية، لكنه يتعلم الشعر والتأمل في آن واحد. كما تذكرنا شخصية برهان في الرواية، بالشخصيات الغامضة في التاريخ، التي تعيش وتموت تاركة خزين ذاكرتها على الأوراق. لذلك فالرواية هي محاولة لفهم السؤال السرمدي الذي لم تمّل البشرية من طرحه: ما هو العالم؟ ما هو الوجود؟ ما هو الحب؟

السرد الروحاني

ابراهيم أو الراوي، يبدو في الرواية عاشقا لكل ما هو صعب. ولكل ما هو ليس في متناول اليد، وربما لذلك يقع في حب زوجة صديقه برهان، إذ كان لا بد له أن يتحوّل إلى رجل عرفاني، كي يصل إلى مستوى هذا الحب الراقي لامرأة الظل الأبيض، نور، التي تشع بياضاً وتضيء الليل البهيم بنورها.

وبما ان هذه المرأة الواقعية والوهمية، في آن، لا تعرف ماذا تريد، بل تحب ما تريد، تجد نفسها في متاهة هذا العالم، في بقعة بعيدة هي اندونيسيا، لتختتم فصول حياتها هناك، وينهي بها الراوي سرده الروحاني، حيث تتحول إلى أيقونة خالدة في أذهان عشاقها، أو لنقل عاشقها الأول والأخير، بطل الرواية: ابراهيم.

يطرح الكاتب في روايته، مسألة الاغتراب بمعنى الاستلاب، وليس بمعنى الغربة، لأن الاغتراب هو اغتراب الإنسان عن روحه وحياته الداخلية الدفينة، وليس حياته الخارجية الظاهرية. وهذا ما يؤكده البطل ابراهيم في تجولاته وتأملاته، وخلاصه من تركة الماضي الثقيل. لكن: هل حقق ابراهيم حلمه في أن يكون شاعراً؟ هذا ما تحاول الرواية برمتها، الاجابة عنه، من خلال الحوارات والسرد والبنية الروائية.

مقتطف من الرواية

"توقفت امرأة الظل عن الكلام وأغمضت عينيها وسحبت نفساً عميقاً. ثم فتحتهما وتابعت: هذه الطريقة في شكلها الظاهر لا تنتمي إلى أي دين أو اعتقاد، لكنها في عمقها الباطن، تستوعب كل الأديان والأفكار لأنها ممارسة وفن. والمجتهد حتى لو كان أميّاً أو عالماً.

فإن النتيجة تعتمد على قدرة كل نهم في قوة تركيزه على الهدف ومدى تحمّله عناء خوض الطريق الصعب نحو الداخل، نحو أعماقه لأن الحقيقة الأصلية تنام هناك وليس في أي مكان آخر. ولذلك هي صالحة لكل إنسان يرغب في معرفة أعماقه الدفينة أو حقيقته الداخلية.

واصلت المرأة حديثها بذكر نهاية هذه القصة الأسطورية لرجل الحقيقة المجهول، الذي لم يعد لأسرته قط، وظل بعد أن نقل اكتشافه إلى بعض التلاميذ. معتكفاً في مكان مجهول، ولم يسمع عنه أحد شيئاً منذ ذلك الوقت، فلم يعد مهماً أن نعرف مصير الرجل، الذي كما تقول، ترك للبشرية كنزاً من النور الذي سيطهِّر العالم من كل أحقاده وأخطائه..

لو كان أبي حياً لاستغثت به وصرخت باسمه لينتشلني من حفرة الوجود الغائرة التي تركني فيها وحيدا بلا أسلحة وبلا زاد. ولو كانت أمي بقربي الآن لارتميت بين ذراعيها وجعلتها امرأة الظل الأبيض أو امرأة كل الظلال وكل الألوان. لكنها ماتت وأنا في الخامسة من عمري لأعيش بعدها كل سنيني أبحث عمن يعوضني عن هذا الفقد الفادح. لكن كل النساء على الأرض، كل حبيباتي العابرات، لم يمنحنني ما كنت أبحث عنه..".

 لا يوجد مقياس موّحد للنجاح ولا شك أننا نجافي الصواب حين نقارن عملاً شعبياً بآخر رصين وجاد

تأثرت كثيراً بنيتشه وحمزاتوف خاصة في مزجهما بين الفلسفة والشعر

إبداع مغاير ينتصر في سماته لمعمار النص المفتوح الذي يلغي جميع الشروط رافضاً الخضوع لأي من التراكيب الجامدة أو التقليدية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات