لم تكن جلسة النقاش واللقاء مع الصحافي والمؤرخ البحريني، صقر المعاودة، عادية، إنما شكلت رؤية استكناه وتفتيش، معمقين، ركزت على البحث في المعنى التاريخي لمفهوم التجانس والتعايش بين مجتمعات دول مجلس التعاون الخليجي، من خلال مضامين صحافة الماضي على وجه العموم، وبشكل خاص في مملكة البحرين. ونجد المعاودة، يصنف ويدرج سمات وطبيعة الصحف في هذا الإطار، ضمن إصدارين له: "البحرين في صحافة الماضي" و"دول مجلس التعاون في صحافة الماضي".

مكتبة في كتاب

يؤكد صقر المعاودة، أن الإصدارين اللذين جمع فيهما موضوعات الصحافة عن التجانس والمشتركات بين دول الخليج العربي، بمثابة إرث متكامل لأهل المنطقة، يمدهم بعمق الوعي حول ماهية البعد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي المشترك بين كل مجتمعات دول الخليج العربي، موضحاً أن رصده ومتابعته في هذا المجال، وعبر صحافة الماضي، يعدان جهداً شخصياً منبعه هوايته وعشقه الاقتناء.

 إذ انتقلت به هذه الحال، لاحقاً، إلى رحاب عوالم البحث التاريخي. ويشرح هذا: "في جعبتي مشروع وطني، يجمعني مع بلدي البحرين ودول الخليج العربي، وهو اهتمام شخصي أمارسه لأكثر من 20 عاماً، أمتلك مكتبتي الخاصة، ووددت أن أفتحها للعالم عبر فرز محتواها وقراءته علمياً في كتاب".

قيمة توثيقية

هناك محطات ومعايير عديدة، يتوقف عندها المترقب والمتابع للإصدارات التاريخية، بحثاً عما تفرزه من إضافات نوعية وخدمات معرفية.. كيف تصف بلورة إصداراتك في هذا السياق؟

يجيب المعاودة (مبتسماً):

سنتان هما عمر المجهود الأول في كتابي "البحرين في صحافة الماضي"، الذي رصدت فيه مراحل مختلف المجالات في بلدي، منذ عام (1899-1977)، وتحديداً من خلال ما نشرته الصحف القديمة. وفعلياً، أستطيع اعتباره شرارة أوقدتها شعلة حبي للاقتناء وهوايتي تجميع كل ما له علاقة بالإرث البحريني والخليجي..

كما أن العلاقة بيني وبين ما أقرأه في تلك الصحف القديمة التي اقتنيتها، دفعتني إلى البوح والتصريح العلني، أن هناك تاريخاً حيوياً فريداً، تجسده الصورة ويحتاج إلى قيمة وآليات توثيقية لينشر ويعرف به العالم أجمع.

يحكي صقر المعاودة، عن الإضافة الجديدة التي أجراها على إصداره، "البحرين في صحافة الماضي"، مبيناً أنه مبحث جديد، اطلع على أسس فكرته عملياً، عبر إحدى الصحف الخليجية، والتي واظبت خلال فترة سابقة على تخصيص صفحة نشرت رصداً لمضمون الصحف قديماً. وبناء على ذلك، استثمر هو الفكرة في سياقات أكبر، عبر الاحتفاء بها في كتاب متخصص.

هناك دفء يشع من عيني المعاودة بينما يتحدث عن "جريدة البحرين". ونجده يلفت في هذا الصدد، إلى أنها أول صحيفة في الخليج، ومؤسسها هو عبدالله بن علي الزايد. كما يسرد قصة امتلاكه نسخاً وأعداداً أصلية من الصحيفة عينها، عندما بدأت تطبع على أوراق غير مخصصة لطباعة الصحف، نتيجة ظروف وإفرازات الحرب العالمية الثانية. ويشير هنا إلى أن الصحيفة توقفت وقتها عن الصدور، بفعل نفاد الورق. ويوضح أنه، وبعد مسح كامل لمقتنياته من الصحف القديمة، استطاع تكوين لمحة وافية معمقة حول تاريخ الحكم في البحرين، على مدى 100 سنة مضت.

احتفاء بالأدب

توقف المعاودة عند نموذج ثقافي نوعي، وهو حدث احتفائي للبحرين بالشاعر المصري الراحل أحمد شوقي، ذلك عند تنصيبه (أمير الشعراء) في عام 1927. إذ نشر مضمون الخبر في أعداد مختلفة من الصحف العربية، وهو حاول تجميعها وإعادة رصد الحدث. ومن بين ذلك، ما كتبه الباحث البحريني مبارك بن خاطر في هذا الخصوص.ويقول المعاودة حول ذلك: "لنتخيل معاً، قيمة وحجم التبادل المعرفي الثقافة والأدب، خاصة وأنا أتحدث عن البحرين في عشرينات القرن الماضي.

حيث بادرت بالاحتفاء بأمير الشعراء بإرسال هدية من الذهب والفضة، تكريماً للعطاء الثقافي للشاعر، ذلك رغم ضعف الإمكانات في تلك الفترة، وهو دليل واضح على أن هناك تواصلاً حقيقياً بين دول الخليج العربي والبلدان العربية، منذ القدم.

وهنا تحديداً أريد ذكر مبادرة مجموعة من الكتّاب العرب لتعزيز هذا التواصل، وعلى رأسها جهود صاحب جريدة (الشورى) المصرية، محمد علي الطاهر، الذي كان مهتماً بنشر كتابات أدباء منطقة الخليج العربي، وبفعل ذلك، اختير هو لإيصال الهدية المقدمة من البحرين، إلى أمير الشعراء، حينها".

عالمية الانفتاح

لم يغفل صقر المعاودة، أياً من الجوانب في هذا الحقل الدراسي. إذ كان له، في المجال الاقتصادي والزراعي والطبي، مبحث آخر، نتبين أنه يرجح فيه كفة الحديث عن خمسينات القرن الماضي، متتبعاً عبرها، الحراك التنموي في البحرين، الذي قادها إلى مراحل متقدمة، ومنها ما يبينه في رصده لـ"المؤتمر الطبي الثالث للخليج"، الذي أقيم في البحرين عام 1951.

ويعنى المعاودة، في الجانب الأكبر من دراسته لفترة الستينات من القرن الـ20، في هذا الخصوص، بتوضيح ماهية قانون الغوص على اللؤلؤ، الصادر من الحاكم، آنذاك، قارئاً ومفتشاً في أبعاده وشروطه، إذ إنه يحدد أُسس موسم الغوص.

ويلفت المعادوة، في حوارنا معه، إلى إحدى الصور التاريخية، ذات البعد الاقتصادي، وذلك في زيارة تاجر اللؤلؤ جيمي كارتر البحرين، تحديداً في عام 1912 للبحرين، ذلك بهدف شراء اللؤلؤ من التجار البحرينيين، شارحاً أنها إشارة تاريخية تدلل على العلاقات والسمعة الدولية لتجار المنطقة، وكذا أنها تعكس قيمة المنتج الاقتصادي والموارد الطبيعية في منطقة الخليج العربي، منذ القدم.

دلالات

يعمل المعاودة حالياً، على رصد أعمال وسيرة الشاعر البحريني الراحل عبدالرحمن المعاودة، الذي يعد من مؤسسي المسرح التاريخي في المنطقة.

لا يغفل المعاودة، التطرق إلى سوق المقتنيات الخليجية، عارضاً تضمنه مزادات متنوعة، هي بحجم قدرة الهواة المادية، مشيراً إلى أن أغلبها يدور حول الإرث البحري والبري لمنطقة الخليج. وأما في سياق الإعلانات القديمة، وأبعاد تحليلها ورصدها في الكتاب، فيوضح المعاودة أنها نتاج جهود من الصحف نفسها في المنطقة.

ويتحدث عن ما لفت انتباهه في إحداها: "نجد من بين تلك الإعلانات، إعلاناً عن مطعم يوصل الوجبات إلى المنازل. وهو مطعم اختفى حضوره اليوم: (كازينو عذاري). كما يتضمن الإعلان إشارة إلى جاهزية المطعم، لتقديم ما نسميه بالمحلية (عيش محمر).

وأيضاً مجموعة تفاصيل عن ما يقدمه.. ونرى أن شكل الإعلان البسيط وطريقة كتابته، يحويان دلالة تاريخية تمس تلك الفترة".

«صحافة الماضي».. حكايات التطور خليجياً

 بين الصورة والمعلومة التاريخية، يجسد الباحث البحريني صقر المعاودة، في كتابه الثاني "دول مجلس التعاون في صحافة الماضي"، الذي يأتي متناغماً مع أهداف ورؤى كتابه السابق "البحرين في صحافة الماضي" مساقات نبض حيّ للتطورات التاريخية في منطقة الخليج، من دون تحديد فترة زمنية للبحث.

إذ يعتمد على تاريخ النشر وتقارب الأحداث بين جميع دول الخليج العربي. ويولي الباحث في كتابه، دولة الإمارات العربية المتحدة، اهتماماً نوعياً، حيث يخصص مساحات رصد شائق لها، ضمن شتى المجالات والاتجاهات السياسية والفنية والاجتماعية.

ومن بين الموضوعات التي يحتويها الكتاب في هذا الإطار، حوار لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدول، حفظه الله، مع مجلة "آخر ساعة" المصرية في عام 1969. وذلك عندما عين ولي عهد أبوظبي. واشتمل الحوار على تفاصيل الأهداف المستقبلية لمدينة العين التابعة لأبوظبي. كما يشتمل الكتاب عرضاً لصور من صحيفة "أخبار اليوم" المصرية، أدرجت في ملف لها بعنوان: "أخبار أبوظبي"، كانت قد أصدرته الصحيفة بمناسبة قيام دولة الإمارات العربية المتحدة.

وهذا إضافة إلى أخبار وتقارير لجريدة "أخبار دبي". كما حضرت في الكتاب، مجريات الحراك الفني في الإمارات، في تلك الآونة، ونتبين من ضمنها، توثيقاً عن إحياء السيدة أم كلثوم، حفلاً موسيقياً في أبوظبي، عام 1971. ونطالع مع الموضوع مجموعة من الصور لنساء من الإمارات، وهن يشهدن الحدث، إلى جانب الرجال.

تعاون رصين

اعتمد صقر المعاودة في إنجاز كتابه "دول مجلس التعاون في صحافة الماضي"، على نسبة تقارب الـ 60٪ هي تمثل مجهوده وبحثه الشخصيين، بينما تمثل الـ 40% ثمرة تعاون رصين جمعه بمؤسسات ثقافية وصحف دول الخليج العربي. ودشن، أخيراً، عبر معرض تضمن 70 صورة لصفحات الكتاب، في المركز الإعلامي التابع لاجتماعات دول مجلس التعاون.

وواعد منهج التسلسل في الكتاب، بحسب تاريخ النشر لكل مقالة أو تقرير، مسلطاً الضوء على مشروعات وطنية وخليجية، منها: تخصيص باب يتحدث عن مشروع جسر الملك فهد- الرابط بين البحرين والسعودية، وباب آخر للزيارات المتبادلة بين القادة والحكام العرب.

أخبار تنموية

تضمن الفصل الرابع من كتاب "دول مجلس التعاون في صحافة الماضي"، صفحات منوعة، يوثق بها الكاتب مجموعة من التغيرات، على المستوى التنموي، ذلك مثل ما نشرته مجلة "النجمة الأسبوعية" في عام 1967، حول تغيير نظام السير في شوارع البحرين. كما يوثق المعاودة في الكتاب، عن صحيفة الاتحاد الإماراتية في تاريخ 20 مايو من عام 1973، خبراً عن إصدار العملة الجديدة للإمارات، وعن الإقبال الشديد عليها.

كما شكلت الصفحة الفنية، إطلالات ثقافية منوعة للمنطقة، عززها المعاودة بالعديد من الصور لموضوعات مختلفة، مثل: تلفزيون الكويت وبرنامج ماما أنيسة "جنة الأطفال" الشهير خليجياً في عام 1963، إذاعة الكويت وهي تسجل أغاني لمطربين جدد في العام ذاته، محطة تلفزيون أرامكو بالسعودية عام 1965- ويقدم هنا شخصية "بابا حطاب"، حوار مع الفنان الإماراتي علي بن روغه - يتحدث فيه عن مشواره الفني مع جريدة الاتحاد عام 1972، حوار الفنان القطري علي عبدالستار مع مجلة "العهد" في عام 1974.

أما في عالم الرياضة، فيطرح المعاودة في كتابه، جملة نماذج لتقارير وأخبار، من بينها موضوع بعنوان: "الكويت تطفئ الشمعة الأولى لدورة الخليج وتفوز بالكأس"، والذي تصدر مجلة "المجتمع الجديد" الأسبوعية في عام 1970.

رؤية وتأصيل

 صناعة الكتاب التاريخي، وتوثيق الأحداث في الخليج، طموح لم يتوقف عند العرض الإعلامي لدى الباحث صقر المعاودة، وإنما تجاوز مستواه في أهمية وصوله إلى كل شخص مهتم بتاريخ المنطقة وتطلعاتها، ويأمل المعاودة من خلالها، كما يؤكد في حواره مع "البيان"، تأصيل عطاءات مجتمعاتنا، بالبحث في كنوزها المعرفية والثقافية، وإيصالها للعالم، إلى جانب ترسيخ ركائز روح الانسجام والتواصل والتكاتف بين دول دول مجلس التعاون.

  معلومات وأبحاث حيوية تمثل نتاج اهتمام باحث جاد طوال 20 عاماً

تاريخ الحكم في البحرين على مدى 100 سنة ومجريات الأحداث في الخليج العربي محور موضوعات البحث

تعلم المؤلف الإخراج الصحافي وصمم المحتوى الفني للإصدارين بنفسه