عادة ما يولد الكاتب من رحم الأم الأرض، التي تربى فيها. وهو ما ينطبق على طبيعة إبداعات وأفكار وحال الروائي الصيني مو يان، الفائز، بجائزة نوبل للآداب - 2012، إذ كان يعيش ويعايش، عن كثب، أسلوب حياة الناس في مجتمعه، كونه غير بعيد عن بلاده التي لم يغادرها بتأثير النفي أو لرغبته في ذلك. وهو بذلك يبدد أسطورة، أن الأدب يجب أن يولد في المنفى لكي يحقق أغراضه ما فعل مواطنه، جاو زنجيانج الذي حاز على جائزة نوبل للآداب عام2000.
يرى النقاد أن جائزة نوبل للآداب، مُنحت في دورتها الأخيرة، إلى الأدب الصيني الحقيقي. ذلك لأن مو يان راسخ في تربة وطنه، ومعبر عنها. ومن الصعب جداً أن يخرج كاتب صيني عن التقاليد المتوارثة على مر التاريخ. فهو يجمع بجدارة بين الواقع الغرائبي، والخيال الواقعي. وتكمن عناصر التميز في قدرة الكاتب على أن يمزج بينهما، ويقدمهما إلى قرائه.
«فولكنر الصين»
يطلق بعض النقاد على مو يان لقب «فولكنر الصين»، لأنه تأثر بالكاتب الأميركي وليام فولكنر، الذي ينسخ الخيال من الواقع. كما يجده البعض الآخر من رواد الواقعية السحرية التي مزج عبرها، الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، بين الواقع والخيال في رواياته.
وحقيقة الحال بالنسبة لمو يان، أن تقديم هذا النمط من الأدب لم يكن يتفق مع أصول أدب الواقعية الاشتراكية، الذي أصبح جزءاً من التقاليد المتعارف عليها في الصين. إلا أنه أفلح في ترسيخه ضمن الواقع الفكري الصيني. ولذلك فإن لجنة جائزة نوبل تبنت هذه الرؤية في بيانها، لافتة إلى عالم يان الروائي، الذي هو مزيج من الواقع والخيال، علاوة على سماته الاجتماعية والتاريخية. وموضحة، أيضاً، أنه في ثرائه وتعقيده، يذكر بعوالم فولكنر وماركيز. كما أن أسلوبه يذكر بما قام به كتّاب أوروبا الشرقية، الذين تفادوا الاصطدام بالرقابة الحكومية.
نماذج ورؤى
نجد في رواية «الضفدعة» لمو يان، التي نشرت عام 2009، أن البطلة هي قابلة قانونية، متحمسة لسياسة الدولة الرامية إلى تحديد النسل بطفل واحد، وهي تطبق ذلك، حتى لو اضطرت الى فرضه على الناس، بأساليب قسرية، كالإجهاض. ونتبين في هذا الخضم، مدى تركيز يان على إبراز عنصر هذيان الشخصيات في هذا الشأن. ويكرر الكاتب موضوع الهذيان في روايات غرائبية أخرى. هكذا نرى أنه يتبنى الكاتب فلسفة التعبير عن مشكلات الصين دون مواجهة السلطة السياسية. ومن نمط هذه الروايات: «جمهورية النبيذ» و«الحياة والموت ينهكاني».
ونلاحظ هنا، أنه أشادت السلطة الصينية بفوز مو يان بجائزة نوبل للآداب، بينما كانت قد اعتبرت فوز الكاتب المنشق غاو تشينغجيان، اهانة لها.
طفولة قاسية
يعد مو يان من أبرز الكتّاب الصينيين، حيث عرف نجاحات كبيرة مع كل رواية له، وذلك ليس فقط بالنسبة للمنشورة منها باللغة الصينية، فأعماله اشتهرت وبرزت في كل اللغات التي نقلت إليها. وكانت آخر كتبه المترجمة:«قانون الكارما القاسي»، والذي يعود فيه إلى صين ماو ، وإلى فترة الإصلاح الزراعي.
عاش يان طفولة قاسية، وأُجبر على ترك المدرسة وهو في الـ 12من عمره. وعاش أنواعاً من الوحدة في العمل، إذ كان راعياً للأغنام وللأبقار والخنازير، وهو ما انعكس في اختياره لاسمه الأدبي الذي يعني «لا تتكلم». كما جسد العوالم التي عاشها في تلك الأوقات، في عدد من قصصه ورواياته.
بل إن روايته «الحياة والموت يستنفدانني» التي تغطي تاريخ الصين في النصف الثاني من القرن العشرين، تبدأ بحكاية عن وباء يصيب الخنازيز في حظائر المزارعين، الذين، وفي غمرة انشغالهم بالتخلص من الجثث النافقة، لن يعلموا بموت زعيمهم «الخالد» ماو تسي تونغ.
رأي «الأكاديمية السويدية»
تطغى على أعمال يان الواقعية المدموغة بالهلوسة، والتي تذهب إلى حد العنف. وهو يرصد فيها، كل التحوّلات التي مرّت بها الصين، قبل حقبة الشيوعية وخلال الاجتياح الياباني، وفي ظل الثورة الثقافية، وغيرها الكثير من الحقب المضطربة الأخرى. في إحداها وقّع مو يان ملحمة عن تاريخ الصين في القرن العشرين.
وذلك بين تراجيديا التاريخ والرؤى الإيروسية، ومن خلال شخصيات غير متوازنة تعيش في إحدى القرى، ومن خلال طفل ولد لأم مزارعة صينية ولأسقف سويدي. ومن ما قالته الأكاديمية الملكية السويدية في بيانها، بعد فوز يان بـ «بنوبل للآداب»، إنّه خلق عالماً يحيلنا بتعقيداته، إلى عوالم كتّاب أمثال ويليام فولكنر وغابرييل غارسيا ماركيز.
وذلك مع انغرازه في الأدب الصيني القديم والتقاليد الحكواتية الشعبية. وأوضحت ذلك : «أقام، من خلال الجمع بين الخيال والواقع وبين البعد التاريخي والاجتماعي، عالماً يذكّر من خلال تعقيداته بعوالم كتّاب أمثال ويليام فولكنر وغابرييل غارسيا ماركيز، مع جذور ضاربة في الأدب الصيني القديم وتقاليد القصص الشعبية». ومن ما ذكرته الأكاديمية، إن يان وجد «نقطة انطلاق في الأدب الصيني .
وفي الفولكلور المحكي». وقال رئيس الأكاديمية السويدية، بيتر انجلوند:«لديه طريقة فريدة جدا في الكتابة. إذا قرأت نصف صفحة من أعمال مو يان تدرك على الفور أنه الكاتب...». وأوضح انجلوند لحظات إعلان فوز يان، وردة فعله عندما أخبروه:«كان في منزله مع والده.. قال إنه يشعر بفرحة غامرة وبالخوف».
صوت متفرد من الصين
نتبين في الواقع، أن تميز نمط ورؤى الإبداع لدى مو يان تدين أولاً إلى تأثيرات رائد الأدب الصيني الحديث لو شيون (18811946)، ذلك قبل أن تأتي المؤثرات الأجنبية لاحقاً.
ونتعرف على أنه تمنح موضوعاته المحلية سماتٍ أقرب إلى أساليب الواقعية السحرية. وهكذا فإن ممارسة أسلوبية كهذه لم تغب عن المراجعات النقدية التي كُتبت عن أعماله في الصحافة الصينية والأجنبية، وهو ما ظهر في كتاب كامل للكاتبة شيلي تشان بعنوان «صوت متفرد من الصين: العالم المتخيل لمو يان».
مؤلفات
تصل مؤلفات مو يان إلى حدود الـ 80 كتاباً، ما بين رواية وقصة قصيرة ودراسة، وأشهرها: «الذرة الحمراء» (1987)، «عذاب خشب الصندل» (2006)، «جمهورية النبيذ» (2000)، « شيفو.. ستفعل أي شيء مقابل ضحكة» (2001)،«انفجارات وروايات أخرى» (1991)، «الحياة والموت يرهقانني» (2008)، «ضفادع» (2011)، «الجميلة على ظهر الحصان في شارع شانغا» (2011)، «أغنيات الثوم» (1995). ويُقال بأن مو يان غالباً ما جعل أحداث كل مؤلفاته تدور في البلدة التي ولد فيها.
سيرة
ولد الكاتب الصيني مو يان( اسمه الحقيقي غوان مويه)، في ريف شاندونغ الصيني، في 17 فبراير، عام 1955، لعائلة متواضعة عرفت الفقر والمجاعة بين العامين 1959 و 1961 م. وكان عد في مدرسته «من العناصر السيئة».. وهكذا طرد منها. وفي العشرين من العمر، التحق بالمدرسة العسكرية،وأكمل دراسته العليا في جامعة بكين، وحصل على شهادة الماجستير عام 1991.
ثم بدأ كتابة الرواية في العام 1981، مع روايته الأولى «هبوط المطر في ليل الربيع». ومن ثم اعتمد اسمه الحالي مو يان «اسمه الأصلي غوان موي». ومو يان، اسم لقب، اختاره،يعني في الصينية «الذي لا يتكلم».
«الحياة والموت يستنفدانني» .. عصر الإصلاح أدبياً
تحتوي رواية الأديب الصيني الشهير مو يان، «الحياة والموت يستنفدانني»، على الكثير من المشاهد المؤثرة، وهي تغطّي تجربة الصين الثورية في الفترة الممتدة بين عامي 1950 و 2000 . في ما يسمّى بـ «عصر الإصلاح»، ضمن صين ما بعد دينغ زياوبينغ.
وهي نوع من التوثيق التاريخي، إذ تحمل القارئ عبر الزمن، كاشفة له مجريات الإصلاح الزراعي في نهاية الحرب الأهلية الصينية وأحداث تأسيس فرق المعونة المتبادلة وتعاونيات المستوى الأدنى، في أوائل ومنتصف الخمسينيات من القرن ال20. ثم تصل بالقارئ إلى السنوات المتطرّفة لـ«القفزة الهائلة للأمام»، وإلى فترة المجاعة في أواخر الخمسينيات وأوائل الستّينيات من القرن الماضي.
إنّ الدراما السياسية التي سردها مو يان في هذه الرواية، هي من الناحية التاريخية، مخلصة للسجل المعروف حالياً، رغم أنها تبقى رواية تنبؤية ومبدعة جداً، كما أنها ساخرة وتعيد ترتيب نفسها وتهزّ أعماق القارئ. ومنذ بداية قراءتها، يجب على القارئ أن يكون راغباً في أن يشترك مع الكاتب بخدعة الرواية المركزية: وهي أن الرواة الرئيسيين الخمسة، ليسوا بشراً وإنما من الحيوانات، وإن كانوا يتكلّمون بأصوات بشرية منظَّمة جداً.
ومثل هذه الخلاصة القصيرة ربما تجعل الكتاب يبدو لطيفاً جداً، في حين أنه، في الحقيقة، قاسٍ وحازم، فظّ ومضحك. وهكذا يحكي لنا كيف أن سياسات الثوريين بشأن القرية قاتلة؛ فالجنس في القرية (سواء كان بشرياً أو حيوانياً)، مبهرج ومستهلِكُ. وكذلك الموت غير متوقَّع، وعادة ما يكون عنيفاً ومصادفات التخطيط له كثيرة.. إنّ الأحداث الأكثر حماقة مُصَوَّرة في الرواية بعناية جامدة.
كما تلتقط تفاصيلها ماهية مراقبة السلطات القائمة على تلك السياسة، لكافة تفاصيل تصرفات وفكر الناس، وذلك في لحظات غير معدودة، ونتبين مدى شدة تأثيرها وقوة حبكتها، نحن كقراء، عبر التصوير الرشيق للمترجم المخضرم هاوارد غولدبلات (ترجم الرواية إلى الإنجليزية).
ولربّما يعتقد المرء أن الأمر مستحيل، ولكن الرواية تطلعنا على أنه، وإزاء ما يجري، فإن كُلّ حيوان يُعلق بصوته المُتميّز الخاص. وتظهر وجهة النظر الجارحة بشأن الوفيّات المتعدّدة في مزرعة الخنازير. ونجد أن مؤلف هذه الرواية يظهر أيضاً، وكثيراً، ضمن بنية السرد. وقيوده ككاتب وشخص يُسخر منها بشكل متكرر، ويتم تذكيرنا بانتظام من قِبل مو يان (المؤلف)، بأن شخصية مو يان المقدّمة في الرواية، يجب ألاّ يثق بها..
«لم يكن مو يان مزارعاً كبيراً أبداً»، هكذا يُقالُ لنا في الرواية. وتضيف الرواية: «جسده قد يكون في المزرعة، لكن تفكيره كان في المدينة، ولأنه من أصول متواضعة، فقد حلم بأن يُصبح غنياً ومشهوراً.. قبيح مثل خطيئة، سعى وراء رفقة الفتيات الجميلات؛ قليل الاطلاع عموماً، كان يقدّم نفسه على أنه أكاديمي واسع الاطّلاع. وبكلّ ذلك، استطاع ترسيخ نفسه ككاتب، كشخص يتناول الأطباق اللذيذة في بكين كُلّ يوم».
وفي خاتمة الرواية، تقود بعض الشخصيات سيارات ال «بي إم دبليو»، بينما يصبغ الآخرون شعرهم باللون الأشقر، ويضعون حلقات ذهبية في أنوفهم.
(مقطع من الرواية)
«في صيف العام 1976، بينما كان الرئيس ماو على فراش موته في بكين، بدأت الخنازير، في مزرعة خنازير حديقة المشمش التابعة للواء الإنتاج في قرية زيمين، تموت أيضاً.
الدفعة الأولى من خمسة خنازير تم العثور عليها و(جلدها منقّط) بلطخات أرجوانية في حجم العملات المعدنية البرونزية، عيونها مفتوحة، كما لو أنّها ماتت بسبب حزن غامض)، وأعلن طبيب المزرعة البيطري أنّها استسلمت إلى (ما نسميه الموت الأحمر)، وطلب من الناس في المزرعة أنّ حرق الخنازير ودفنها فوراً. لكنّ السماء كانت تمطر لأسابيع، والأرض كانت مشبعة كثيراً بالماء..
تغطيس الجثث بالنفط الأبيض ومحاولة إشعالها ملأ المزرعة، ببساطة، بدخان ذي رائحة (حقيرة)، وسرعان ما أصيب ثمانمئة خنزير بالعدوى، ووصل فريق جديد من الأطباء البيطريين على متن قارب، ومعه أدوية أكثر تطوّراً، لكن خدماتهم لم تكن ذات فائدة كبيرة، فالخنازير الميتة كانت مكوّمة في جميع أنحاء المزرعة، وأشكالها المنتفخة تتوسّع وتنفجر في الحرارة».
ماذا يقول عن روايته؟
ليست رواية «الحياة والموت يستنفدانني» معادية، بشكل متواصل، للنظام الشيوعي، ويبدو «مو يان» أحياناً متلهّفاً لإعادة بناء الجسور نفسها التي قام هو بإحراقها: «ليس لدي شيء ضدّ الحزب الشيوعي». ويتابع: «وأنا بالتأكيد ليس لدي شيء ضدّ الرئيس ماو. لست معارضاً لتشارك( الرواية) الناس أو للنظام التعاوني، فقط أريد أن أُترك وحيداً كي أعمل لنفسي». ولكننا نلاحظ أن مثل هذه التأكيدات على الولاء للحزب، تبدو ضعيفة ضمن سياق الرواية.
مؤلف رواية «الذرة الحمراء» قال ذات مرة إن «الوحدة والجوع» كانا مفتاح الإبداع في أعماله
«كاتب يدمج القصص الشعبية بالتاريخ والحاضر في قالب واقعية ممزوجة بالخيال»
الأكاديمية المكلية السويدية
«من الأدباء الذين يبرهنون بفضل عملهم وموهبتهم الكبيرة على أنّه في مواجهة السياسة والاقتصاد والتاريخ، فإنّ الكلمة الأخيرة تبقى للأدب حين يهب نفسه بهذا الشكل»
صحيفة الفيغارو

