يشكل اللعب جزءاً حياً من ذاكرتنا الطفولية حيث ذكريات رفاق الطفولة واللعب وتسلق الاشجار والأحصنة الخشيبة التى ربما لا تغدو أكثر من غصن شجرة، ومن المحزن حقاً أن نتخيل أن هناك أطفالاً لم يمروا بهذه المرحلة الجميلة من العمر ولم يقضوا وقتا جميلاً مع رفاقهم أو على الأقل لم يمروا بها بالطريقة الطبيعية.
إن معظم الأطفال المصابين بالتوحد يقضون حياتهم بعيداً عن الناس وعن الأطفال الذين يماثلونهم في السن ويلعبون بطريقة نمطية فيها الكثير من الاستثارة الذاتية بدون هدف وظيفي
فقد يقضون ساعات في رص الألعاب بطريقة منظمة جداً تبعاً للون أو النوع أو يقضون الوقت محدقين بالضوء في لعبة موسيقية، وحتى نعلم أهمية اللعب لهؤلاء الأطفال علينا أن نعرف السبب الذي يقف وراء عدم قدرة هؤلاء الأطفال على اللعب بطريقة عادية.
إن تطور مهارة اللغة لدى هؤلاء الأطفال لا تتم بالطريقة التي يتم بها تطور مهارات رفاقهم، ومع الزمن تتسع الفجوة بينهم في هذا الجانب مما يدفعهم إلى العزلة، وهناك سبب آخر وهو أنهم يفتقرون إلى مهارات التواصل الاجتماعي والتي بدورها تتاثر بالتاخر اللغوي.
إن أهمية تعليم هؤلاء الاطفال مهارة اللعب تكمن في تمكينهم من اكتساب مهارات تؤهلهم للتواصل مع أقرانهم وتمكنهم من تكوين صداقات والشعور بالانتماء لمجموعة.
وهناك دافع آخر مهم لتعليم الاطفال المصابين بالتوحد مهارات اللعب ألا وهو أن اللعب مجال مهم لتعليم مهارات أخرى كثيرة، مثل اللغة والتواصل، التعاطف، وتبادل الادوار، والارقام والحروف، حيث أن اللعب يساعد في اكتساب هذه المهارات والكثير الكثير من المهارات الأخرى.
إن انعدام مهارات اللعب للأطفال المصابين بالتوحد قد يضاعف من عزلتهم الاجتماعية ويبرز اختلافهم عن بقية الأطفال، كما أن اللعب لهؤلاء الأطفال يجب أن يكون نوعاً من التسلية والاستمتاع، لأن تطوير مهارات اللعب لدى الأطفال المصابين بالتوحد يعطيهم إحساساً بالتميز والإتقان مما يزيد من سعادتهم وتحفيزهم، ويساعدهم على تعلم وممارسة مهارات جديدة في بيئة مأمونة.
تطور اللعب:
يجتاز الأطفال خلال اللعب عدة مراحل (الباحث يوشر 1999م) وهي اللعب الحسي الحركي، واللعب اليدوي والاستكشافي، اللعب الجسماني (يتميز بالخشونة)، واللعب الاجتماعي، واللعب التظاهري (التخيلي).
ويتعلم الأطفال خلال كل مرحلة مهارات مختلفة:
• اللعب الحسي الحركي يعلم الأطفال الصغار بعض المعلومات عن أجسامهم وعن بعض الأشياء في البيئة المحيطة بهم.
• اللعب اليدوي والاستكشافي يعطي الأطفال الأكبر سناً معلومات عن الأشياء وخصائصها وعن التأثير في العالم من حولهم.
• اللعب الجسماني بما في ذلك الألعاب العنيفة والبهلوانية تعلم الأطفال الصغار وقبل سن المدرسة مهارات حركية إجمالية وتوفر لهم تمارين لتفاعل الجسم بصفة عامة مع الآخرين ومع الأشياء الموجودة في محيطهم.
• اللعب الاجتماعي منذ بداية العلاقة المبكرة بين المربية والطفل وحتى التفاعل المعقد بين الأطفال بالمرحلة الابتدائية (مثل لعبة الأطفال التي يسمونها دكاترة وممرضين)، فإنها تعلم الأطفال بعض المعلومات الاجتماعية وكيف يدخلون فيها بالإضافة إلى المعايير الثقافية للمجتمع الذين يعيشون فيه.
• أما اللعب التخيلي هو شكل من اشكال اللعب المتطور والذي من خلاله يطور مهارات أخرى كثيرة، فمثلاً يمكن أن يتعلم دور الطبيب، وماذا يعمل رجل الاطفاء، فالطفل قد يستخدم اللعبة كبديل للشيء الحقيقي ولكنه لا ينغمس في لعب رمزي لأنه يؤمن فعلاً في حقيقة ذلك الشيء (فمثلاً يعرف الطفل بأن الفرن اللعبة هو ليس فرن حقيقي).
ومما سبق نستطيع القول أن لعب الأطفال المصابين بالتوحد يحتاج الى تدريب وتعليم، وأن الصعوبة التي يجدها الأطفال المصابين بالتوحد في اللعب التمثيلي (التظاهري) ناشئ من الصعوبة التي يجدونها في تنظيم الأفكار بسلاسة وفي إيصال هذه الأفكار إلى الآخرين. إضافة لذلك فإن اضطراب اللعب لدى فئة التوحد قد يؤدي مباشرة إلى اضطراب جميع أوجه النمو والتقدم لديهم (غوردان وليبي 1997م)، وقد يكون صحيحاً أيضاً أن عدم مرونة عمليات التفكير تفسد اللعب كما تفسد نمو المهارات الأخرى.
إن تعليم هؤلاء الأطفال اللعب قد يزيد من تنظيم وسلاسة الأفكار لديهم والحد من تجزئة وتشتت تصوراتهم وأفكارهم، وبصفة خاصة إذا تم تعليمهم اللعب وهم صغار في السن فإن ذلك قد يساعدهم على خفض أنماط السلوك النمطية والمتكررة وتشجيعهم على تطوير قدرات التواصل لديهم.
