العمل مع ذوي التوحد يتطلب مهارة استثنائية وجهداً مضاعفاً، لتلبية الاحتياجات المختلفة لهم، وأهم من ذلك، يتطلب أن يتمتع القائمون عليهم بتوازن نفسي وحافز ذاتي وحب وإخلاص لمهنتهم، وأن يكونوا على استعداد تام للتعامل مع الضغوط التي تقتضيها المهنة، وتختلف تجارب معلمي أطفال التوحد بتفاصيلها، لكنها تتشابه في كثير من المعاني والمشاعر التي ترافقهم خلال حياتهم المهنية التي تحمل لهم الكثير من المفاجآت والأحداث المثيرة.
ومن تجربتي كمعلم تربية خاصة، فقد تعاملت مع الأطفال المصابين بالتوحد لأول مرة بشكل قريب ومباشر قبل 6 أعوام حين التحقت بكادر المعلمين في مركز دبي للتوحد، وقد دخلت عالم هؤلاء الأطفال حيث وجدت تحديات مختلفة مع كل طفل وأدركت أن المهمة ليست بالسهلة، فكل طفل منهم يعتبر حالة فردية مستقلة لها خططها التربوية الخاصة بها.
ومن المعروف أن إزالة السلوك غير المرغوب فيه تستغرق وقتاً طويلاً، خاصة عند عدم وجود متابعة من الأهل للبرنامج التربوي المناسب للطفل المقدم من قبل المركز، كما أن ما يزيد الأمر صعوبة هو إلحاح ولي أمر الطفل على تعليم الطفل بعض المهارات الثانوية التي قد تفوت على الطفل تعلم المهارات الأساسية مما يعيق من قدرة الطفل على إتمام المهام الأساسية الموجودة في الخطة التربوية، لذلك على الأهل اتباع نفس الخطة التربوية التي يتم تطبيقها بالمركز مع الطفل حتى يحصلوا على أفضل النتائج الممكنة.
تحليل السلوك التطبيقي
ومن المهم أن نعرف بأن التغلب على مشاكل الطفل السلوكية يعتمد على «تحليل السلوك التطبيقي» المعروف كأحد علوم تعديل السلوك، والذي من خلاله يتم تعزيز السلوك الإيجابي أو إطفاء السلوك السلبي لكل طفل، وأذكر هنا حالة لطفل عمره 12 سنة كان يعاني مشاكل سلوكية وعدم تواصل مع الآخرين، وكان يقوم بإيذاء نفسه، ولكننا عندما منحناه فرصة للتعبير عن ما يحتاجه باستخدام وسائل تواصل خاصة بالمصابين بالتوحد أصبح بمقدوره مثلاً كتابة ما يحتاجه على الكمبيوتر اللوحي أو الإشارة إلى الصور التي تعبر عن ما يريده.
اكتشاف المواهب
إن مهمتنا كمعلمين متخصصين في التوحد ليس تعديل السلوك فقط، بل تتعدى ذلك إلى اكتشاف المواهب والقدرات الخاصة التي يتميز بها الأطفال المصابون بالتوحد عن غيرهم من الأطفال الطبيعيين، وقد أشرفت على مواهب من أغربها الطفلة «حلا» التي تتمتع بذكاء عالي وذاكرة سمعية قوية، حيث تستطيع عزف كل ما تسمعه من موسيقى باستخدام آلة الأورج وبدون الاستعانة بالنوتة الموسيقية.
إن للقدرات الخاصة لأطفال التوحد آثار كبيرة عليهم، حيث تمنحهم الثقة بالنفس والسعادة وملء فراغهم بأشياء مفيدة ومنظمة، فطفل التوحد يريحه النظام ويعدل من سلوكياته، كما تعد هذه القدرات والمواهب بمثابة علاج سلوكي لشخصية طفل التوحد، ومن يتتبع تطور حالات هؤلاء الأطفال الموهوبين يلاحظ بأن هذه القدرات الخاصة والمميزة منحتهم الاتزان والهدوء والرزانة، هذا يعني أن تنمية وتطوير القدرات الخاصة لأطفال التوحد تساهم في تعديل السلوك واتزان شخصية الطفل أيضاً.
