هذا الغباش الذي نرى الطفل عالق به، هذا الضباب الذي يمنع الطفل من رؤية عالمنا، هذا العالم الآخر الذي يعلق به الطفل ويخبئ به ألعابه واهتماماته وحتى قدراته الاستثنائية خلف حاجز يُدعى "التوحد". فما هو التوحد؟ وهل يحتاج الطفل المصاب بالتوحد لمن يكتشف قدراته ويعزز طاقاته الكامنة؟
يعتبر التوحد من المواضيع حديثة الطرح نظراً لزيادة انتشاره المثيرة للقلق ولغموض الأسباب المرتبطة به، كما أن الأسباب التي تقف وراء قدرات الأطفال المصابين بالتوحد ومواهبهم النادرة ليست معروفة حتى الآن كما هو الحال في مسألة أسباب التوحد التي مازالت نظريات افتراضية، وفي القدرات الخاصة الافتراضات قائمة، حيث يؤكد البعض على موضوع الاهتمام والرعاية والتدريب ممكن أن يكون وراء هذه القدرات، لكن البعض الآخر يؤكد بأن معظم أطفال التوحد تظهر لديهم تلك القدرات في سن مبكرة، تسبق مسألة الرعاية والتدريب والاهتمام، مما يعتقد الباحثون في اضطراب التوحد، بأن هناك نمط تنظيمي آلي غير مألوف في عمليات المخ لديهم.
وفي كلا الحالتين، وجب علينا تأكيد أهمية التواصل مع الأطفال المصابين بالتوحد ومحاولة الدخول إلى عالمهم لكسر الحاجز بين العالمين وخلق وسيلة للتواصل والتفاعل معهم، فعند مشاركتنا لهم اهتماماتهم يمنحهم ذلك الشعور بالأمان والحب وقد تصبح اهتماماتنا جزء من اهتماماتهم ويبدأ هذا الحاجز بالتلاشي التدريجي.
إن الاعتقاد القديم بأن الأطفال المصابين بالتوحد لا يمكن قياس ذكائهم هو في الحقيقة غير دقيق، إذ أن الواقع هو أن بعض الأطفال المصابين بالتوحد ممن تقل أعمارهم عن خمس سنوات لا يستطيعون إكمال بعض أجزاء اختبارات الذكاء بسبب حركتهم الدائمة وعدم استقرارهم ولكن حتى هؤلاء الأطفال يمكن تقدير مستويات ذكائهم اعتماداً على نتائج أجزاء الاختبار الذي يتمكنون من إكمالها ولذلك لا بد أن يكون الأخصائي الذي يتولى قياس ذكاء المصابين بالتوحد صاحب تجربة وخبرة حتى تكون نتائج ذات معنى، حيث أن نتائج الأطفال المصابين بالتوحد في مقاييس الذكاء تعطي مؤشرات معقولة يمكن الاعتماد عليها في توقع ما سوف تكون عليه مستوياتهم التعليمية والاجتماعية، وقرابة الثلثين من الأطفال المصابين بالتوحد تكون درجات ذكائهم (أقل من 70) وأن انخفاض درجة ذكاء المصابين بالتوحد ليس نتيجة لتدني أو انعدام الدافعية أو عدم الرغبة في الاختبار، حيث ثبت أنه عندما تكون اختبارات المقدمة في مستوى قدراتهم فإنهم يقبلون على أخذها بدافعية عالية، كما أن انخفاض الدرجات ليس بسبب صعوبة اللغة أو تأخر اكتسابها.
كما أن نتائج بعض الأطفال المصابين بالتوحد أظهرت أداءً ضعيفاً عندما تكون الأسئلة لفظية في حين يكون أداؤها عادياً عندما تكون الأسئلة غير لفظية، وأياً كانت نتائج اختبارات الذكاء فإنه يلزم التوضيح أن تلك الاختبارات تحاول قياس القدرات المنطقية والإدراكية لدى الأطفال المصابين بالتوحد ولا تقيس جوانب التفاعل الاجتماعي والتي يمكن أن تكون متدنية وحتى إن سجل الطفل درجة ذكاء عالية.
إن الأطفال المصابين بالتوحد قد لا يتركون انطباعاً ايجابياً حول مستوى ذكائهم بسبب ما يعانونه من صعوبات في التواصل والتفاعل الاجتماعي وبعض السلوكيات، كما يتميز %10من أطفال التوحد بقدرات متميزة في النواحي الحسابية والحفظية والفنية، إلى جانب تمتعهم بنسبة عالية من الانتباه، والذي يتم التركيز عليه في عمليات التعليم والتفاعل مع الآخرين، ويشدد الباحثون على أن التعامل مع اضطراب التوحد هو محور أساسي لاكتشاف نقاط القوة في الطفل بدلاً من اعتباره اضطراباً يثير المخاوف، وقد أشارت معظم الدراسات بأن أطفال التوحد تتراوح مستوياتهم العقلية والمعرفية ما بين 50% ممن يعانون من اضطراب التوحد مصحوباً بإعاقة عقلية متوسطة، ويتراوح حاصل ذكاءهم من 50 - 69 درجة، ويظهرون ذكاءً متوسطاً في مهاراتهم الحياتية والمعرفية، ولكن يتمتعون بقدرات فائقة وخاصة يمكن ملاحظتها وتطويرها واستثمارها، كما أن هناك 25% ممن يعانون من اضطراب التوحد لديهم نسبة ذكاء تتراوح ما بين 70% فأكثر، وهي تعد نسبة ذكاء طبيعية وجيدة يمتلك الأطفال هنا قدرات خاصة ومختلفة من بينها القدرات الخارقة. وهناك كذلك نسبة 25% ممن يعانون من التوحد مصحوباً بإعاقة عقلية شديدة تتراوح نسبة ذكاءهم دون 50 درجة، ومع ذلك يمتلك بعض الأطفال قدرات ملفتة في مجال ما ويمكن تطوير هذا الجانب وتنميته.
وهكذا تظل القدرات الخاصة نقطة مضيئة ومشرقة في حياة الأسر، تسعدهم وتشعرهم بأن طفلهم يتحسن نحو الأفضل أو أنه يتميز عن الأسوياء من أقرانه بأشياء أفضل، كما أن هذه القدرات تعزيهم من ناحية وتمدهم بالعزيمة والإرادة والثقة بمستقبل أجمل لطفلهم من ناحية ثانية.
