بقلم : د. بسام درويش

مستشار في الإعلام والترويج الصحي في بلسم لتعزيز الصحة
 تعتبر الأمراض المزمنة غير السارية مسؤولة عن 60% من الوفيات بشكل عام. وتحدث نصف هذه الوفيات بسبب أمراض القلب . ومن المتوقع بحلول عام 2020 أن تكون الأمراض المزمنة مسؤولة عن 73 % من الوفيات بشكل عام، وعن 60% من العبء العالمي للأمراض . 
وإذا ما استعرضنا لغة الأرقام نجد أن كلفة الرعاية الصحية للأمراض المزمنة تستنزف الميزانيات المخصصة للرعاية الصحية في الدول الفقيرة والغنية أيضاً ، ففي الولايات المتحدة الأمريكية زادت كلفة الرعاية الصحية لأمراض القلب خلال سنة واحدة فقط من 298.2 مليار دولار إلى 398.2 مليار دولار . 
وتكلف كل مليون حالة إصابة بالسكتة في الولايات المتحدة الأمريكية 8.3 مليار دولار أمريكي وتهدر 5.2 مليون عمل في السنة. أما أمراض القلب لوحدها فتبلغ نفقاتها 6% من إجمالي الدخل المخصص للصحة في الولايات المتحدة الأمريكية والبدانة 5%. 
وتبلغ النفقات الصحية الناجمة عن قلة الحركة 2.5% . أما النفقات الصحية على الأمراض المرتبطة بالتدخين فتصل إلى 15% من الميزانية السنوية لخدمات الرعاية الصحية. 
وفي الصين بلغت الخسائر المالية بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية والسكتة 18 مليار دولار عام 2005 ، ومن المتوقع أن تصل إلى 558 مليار دولار العام 2015 .
وقد أشارت إحدى الدراسات التي أجريت في النرويج إلى أن خفض ميليمتر زئبقي لضغط الدم الشرياني من خلال التقليل من استعمال ملح الطعام ، يوفر مبلغاً وقدره 188 مليون دولار أميركي ، وذلك خلال 25 سنة.

وبالطبع ما تتحدث عنه لغة الأرقام يتعلق بالكلفة المباشرة ، أما الكلفة غير المباشرة والخسائر البشرية والمالية التي تنجم عن مثل هذه الأمراض فهي تتضمن هدر الوقت والتغيب عن العمل وقلة الإنتاج وضعف الكفاءة أثناء العمل، والموت الباكر في أوج عطاء الشخص.

وتجدر الاشارة إلى أن الأمراض المزمنة يمكن توقّيها والحدّ من مخاطرها ومن مضاعفاتها التي تهدد بالعجز أو الوفاة قبل الأوان ، من خلال تعزيز الصحة أي تمكين أفراد المجتمع من تغيير نمط حياتهم ، و إصدار التشريعات التي تساهم في تحقيق الصحة بمفهومها الشامل أي الصحة الحسدية والنفسية.

وهذا يتطلب إعداد خطط وطنية للوقاية من الأمراض المزمنة غير السارية والحد من مضاعفاتها الخطيرة، مبنية على البراهين ومناسبة لنا ، وذات أهداف واقعية قابلة للتطبيق ، أي لا بد من خريطة طريق لكي يكون الخيار الصحي في حياتنا هو الأسهل والأفضل ، وهذا الأمر يتطلب تعزيز الصحة منذ الصغر لأن " التوعية في الصغر صحة ووقاية في الكبر "، فما نفع كافة الحملات الصحية التي تنطلق من هنا وهناك أمام رعاية برنامج ترفيهي مثل " أراب آيدول " مثلاً يجذب الملايين وترعاه إحدى مطاعم الوجبات السريعة أو المشروبات الغازية ، وما نفع تلك الحملة أمام إعلانات الطرق والإعلانات في الصحف والمجلات والتي تروج لتلك الوجبات أو المشروبات ، و الترويج للتدخين بطرق مختلفة مباشرة أو غير مباشرة.

إن الأمراض المزمنة تمثل عبئاً اقتصادياً يتزايد سنوياً على مستوى الفرد والمجتمع والحكومة ، وعلينا جميعاً أن نعمل من أجل الحد من هذه الخسارة  من خلال التركيز على عوامل الخطر النوعية التي تساهم في تزايد الإصابة بالأمراض المزمنة ، والتي تتضمن بشكل أساسي التدخين ، وقلة الحركة ، ونمط التغذية غير الصحية .
وهذا الأمر يتطلب التعاون الوثيق والشراكة الاستراتيجية ما بين المؤسسات الصحية والاعلامية والتربوية والاجتماعية والرياضية في كل من القطاعين الحكومي والخاص ، لأن الخسائر تطال الجميع، وللدلالة على أهمية هذا الأمر نذكر ما قام به رئيس بلدية نيويورك ، حيث عقد اجتماعاً لمسؤولي قطاع الصحة وصناعة الضيافة في مسعى للحد من التدخين وحظر استخدام الدهون غير المشبعة، كان من نتائجه أن انخفضت نسبة المطاعم التي تستخدم الدهون غير المشبعة من 50 % إلى أقل من 2% ، وانخفضت نسبة المدخنين البالغين من أهالي نيويورك من 21.5 % إلى 15.8 % خلال عامين .

ما نأمله أن تولي الهيئات الصحية أولاً هذا التحدي المزيد من الاهتمام بتوفير الكوادر المعنية بتعزيز الصحة ، وأن تعزز من تعاونها العملي مع المؤسسات التربوية في المدارس ومع المؤسسات الاعلامية من أجل أن تصبح الصحة " أسلوب حياة " وتحقيق الصحة للجميع في عالم يسعد به الجميع.

https://twitter.com/Medicalanmedia