تحت ضغط لعبة «شدّ الحبال» على الحلبة السياسيّة، وتحت وطأة تفلّت سعر صرف الدولار من عقاله في السوق السوداء، تتواصل مآسي اللبنانيّين وتتوالى مصائبهم المعيشيّة والاقتصاديّة والماليّة.
أمّا على المقلب الآخر من الصورة، فسلطة مستمرّة في التخبّط في مربّع السياسات الترقيعيّة، وعاجزة عن انتهاج أيّ خطوة إصلاحيّة تكبح جماح كرة الانهيار المتدحرجة في مختلف الاتجاهات على الساحة الوطنيّة، لتواصل في المقابل الاعتماد على أجندة قضْم حقوق المواطنين وقصم ظهورهم بأعباء ضرائبيّة جديدة، واضعةً نصب أهدافها الراهنة مسألة رفع الدولار الجمركي، لتعزيز قدرتها على الصمود والبقاء في سدّة الحكم.
عتمة و«صفر كهرباء»، جوع وفقر وعطش، احتكار وغلاء فاحش وفوضى أسعار وغرف سوداء، «تشليح» وعصابات، ومعدلات الجريمة على اختلاف أنواعها في مستويات غير مسبوقة في تاريخ هذا البلد، إذْ «لا دولة، لا مؤسّسات، لا طبابة، لا ضمان، لا أمان، لا خدمات، لا اقتصاد، لا مال، لا مرافئ ولا مرافق»، وفق توصيف الرجل الستّيني «أبو علاء»، والذي يستكمل كلامه لـ«البيان» بتعداد عناوين عدّة لواقع الحال، والتي تبدأ بـ«الإدارة المشلولة، والقضاء المتخبّط»، ولا تنتهي بـ«المؤسّسة العسكريّة المستمرّة بشقّ النفس» وبـ«القوى الأمنيّة التي تعاني الأمرّيْن، فيما أداؤها ووظائفها ومهمّاتها مهدّدة بالتوقف جرّاء افتقارها ولوْ إلى الحدّ الأدنى من مقوّمات استمرارها». أمّا على المقلب الآخر من الصورة، فسلطة «غائبة عن السمع»، لا تحرّك ساكناً لتخفيف معاناة اللبنانيّين، بل تبدو أشبه بـ«مجرم» يتلذّذ بعذابات ضحاياه!
أمّا في السياسة، ومع اقتراب بدْء سريان مهلة الـ 60 يوماً لانتخاب رئيس جديد للجمهورية خلالها، بدءاً من 1 سبتمبر وحتى 31 أكتوبر المقبليْن، فإنّ ثمّة إجماعاً على أنّ البلد كلّه بات متروكاً لقدره، و«معلّقاً» على حبل طويل من الفضائح: انشقاقات وانقسامات حادّة، أجندات متصادمة، مكوّنات مفخّخة طائفياً ومذهبياً، فيما مسار الانحدار متسارع نحو قعر الدرك الأسفل، مرفقاً بكثير من الأسئلة، ومفادها: هل سقط لبنان نهائيّاً، وهل بات أبناؤه يعيشون لحظة الارتطام الكارثي، وهم يصارعون كلّ مقوّمات البقاء على قيْد الحياة؟! وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال، لا يتردّد مصدر سياسي مسؤول في الإشارة لـ«البيان» إلى أنّ مشكلة لبنان حالياً تكمن في كوْنه «أصبح يتيماً، بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى: لا رأس مدبِّراً له، لا سلطة حاكمة حكيمة، ومسترخَص من ذهنيّات وسياسات عبثيّة»، ليخلص إلى القول: «من الطبيعي جداً توقّع الأسوأ، والترحّم مسبقاً على مصيره الأسود».
وما بين المشهديْن، بدا لافتاً تصاعد وتيرة تداعيات الأزمات المطلبيّة والاجتماعيّة، على نحو يصعب فصله عن التعقيدات التي واجهت المحاولة الأخيرة لتأليف حكومة جديدة، وبما يعكس، وفق إجماع أوساط متعدّدة لـ«البيان»، بلوغ هذه الأزمات مستويات بالغة السلبيّة، تتهدّد البلاد برمّتها بانفجارات اجتماعية متعاقبة، من أبرز نماذجها «الانتفاضة القضائيّة» المتمثلة بالإضراب الواسع غير المسبوق لقضاة لبنان، والذي أيّده بدون تحفّظ مجلس القضاء الأعلى، في ظاهرة نادرة. كما أنّ ثمّة مخاوف متصاعدة بقوّة من تطوّرات سوق المحروقات، بما ينذر باشتعال أسعار المشتقات النفطيّة، كما أسعار المواد الاستهلاكية عموماً، ويضع البلاد برمّتها أمام واقع شديد الصعوبة والخطورة، في تزامن مع مرحلة الاستحقاق الرئاسي.
يشير الشاب الثلاثيني ربيع، في حديثه لـ«البيان» إلى أنّ كلّ الأخبار المهمّة لم تعد خبراً، بل أصبحت «يوميّات مكرّرة»، مع ما يعنيه الأمر في حساباته من أنّ سرْد الانهيارات «بالمفرّق» لم يعد يجدي، إذْ يكفي أن يتمّ جمعها في جملة قصيرة واحدة: «البلد منهار»، فلماذا التعداد كلّ يوم؟.