بجدرانها الإسمنتية التي ما زالت مرتفعة بين الحطام، ووسط «نترات الأمونيوم» التي انفجرت تباعاً ولم يتوقف صداها، لا تزال بقايا صوامع القمح المدمرة في مرفأ بيروت رمزاً مجازياً لـلكارثة المستمرة منذ 4 أغسطس 2020، ومقياساً دقيقاً لما كان قبل الانفجار ولما حدث بعده، وصولاً إلى القرار «الموقر» القاضي بهدم معالم المكان ومحو آثار الجريمة الكبرى!
بالأمس البعيد، كانت صوامع القمح (أو كما ينطقها اللبنانيون «إهراءات القمح») في مرفأ بيروت «تعانق» السفن وزوارق الرحالة.. وحتى الأمس القريب، ظلت هذه الصوامع بعضاً من «نفحة بيروت»، التي تقتات منها. وما بين المشهديْن، يُقال إن هذه الصوامع بُنيت من الإسمنت المسلّح المحشو بقضبان من الفولاذ لتقاوم أشد الهزات الأرضية أو الجوائح الطبيعية، وأنواعاً معينة من الانفجارات، وحُفرت تحتها أنفاق ودهاليز كي تكون مكاناً للاحتماء من حرب مدمرة.. وفي 4 أغسطس 2020، وبين غمْضة عين وانتباهتها، دوى الانفجار وتطاير لهيب الكارثة وضاعت معالم المكان: ما كان مرفأً صار ساحة حرب، فيما «التحفت» إهراءات القمح بالسواد، وتحولت شاهداً صامتاً على الصورة المستعادة من أفلام الحروب في سماء بيروت.. ويومها، قيل إنها، وبسبب أساساتها المغروسة في الأرض على عمق أكثر من 13 متراً، أسهمت في امتصاص ما يقارب الـ20% من قوّة عصف الانفجار الذي طاول «العنبر 12» وحوّل الأمكنة المتاخمة إلى ركام.
أرقام.. ومشهديّة
صوامع غلال، بارتفاعها نحو 63 متراً، وبسعتها الاستيعابيّة من 104 صوامع لتخزين نحو 125 ألف طن من القمح، بُنيت في عهد الرئيس الراحل شارل حلو، عام 1969، بقرض تنمية كويتي، ودُشّنت عام 1970 بحضور أمير الكويت حينها الشيخ صباح السالم الصباح. صوامع عايشت تحوّلات كثيرة، بين التطوير والتحديث، وحروباً وهجمات واحتلالات وغزوات، لكنّها لم تصل مرّة إلى مثل تلك المشهديّة «الهيروشيميّة» التي حلّت بها، إذْ فُجّرت بـ«هِبة لبنانيّة» (حتى إثبات العكس)، فتحطّمت وحام حولها الحمام. أمّا في الأرض المحروقة، ومن خلف الغبار الذي لم ينجلِ بعد، فسؤال ما زال يتردّد على كلّ شفة ولسان: ماذا في «الصندوق الأسود» للجريمة؟.. ومن حينه، بقيت صورة بيروت من صورة صوامع مرفئها حتى إشعار آخر، علامةً ورمزاً ودلالةً وتعويذةً، ونصباً في المخيّلة، ودليلاً ملموساً على أنّ كارثة كبرى وقعت هنا.
وما بين مضامين هذه المشاهد، لم تتوانَ السلطة عن قرار هدْم المرفأ فوق رؤوس ضحايا الانفجار، عبر إقرار مجلس الوزراء «عملية هدْم الصوامع»، لكونها «آيلة إلى السقوط»، وتكليف مجلس الإنماء والإعمار الإشراف على هذه العملية، من دون تحديد موعد، بموجب توصيات اللجنة التي يرأسها وزير العدل هنري خوري، كما تكليف وزارتَي الداخلية والثقافة إقامة نصب تذكاري تخليداً لذكرى الضحايا، متذرّعةً بالتقرير الفنّي الذي أعدّته «مؤسسة خطيب وعلمي»، علماً أنّ «التقرير نفسه لا يوصي بحتميّة هدم الصوامع، إنّما يؤكّد إمكانية تدعيمها»، حسبما نقل بعض أهالي الضحايا لـ«البيان»، مشدّدين على أنّ هذا القرار إنّما يندرج ضمن «مخطّط لطمْس معالم الجريمة، بالتوازي مع عرقلة التحقيق وطمس الحقيقة»، في حين خصّت زينة نون، والدة الشهيد رجل الإطفاء جو نون، من يعنيهم الأمر بالقول إنّ «الآليات التي ستباشر عملية هدم الصوامع عليها أن تعبر فوق أجسادنا أولاً».
«يريدون هدْم أطلال الصوامع كي لا تبقى شاهداً للتاريخ على استهتارهم وإهمالهم وفسادهم، وكي لا تبقى شاهداً على تهرّبهم من العدالة»، يقول الشاب إيلي، نجل غسان حصروتي الذي قضى داخل الصوامع، مختصراً لـ«البيان» ما آلت إليه التحقيقات بعبارة واحدة: «المتّهمون في جريمة بحجم هدْم مدينة ممنوعون من الصرْف، وليس مسموحاً هدمهم أو الاستماع إليهم على أبعد تهديم».
تدعيم وليس هدماً
أمّا هندسيّاً وإعماريّاً، ومن بوابة روايات السلطة، في جزأيها المتعلّقيْن باحتمال انهيار مبنى الصوامع وكلفة التدعيم الباهظة، فإنّ ثمّة إجماعاً على دحْض هذه الروايات، استناداً إلى 3 محاور، بدءاً من كوْن الجزء الشمالي من الصوامع هو فعلاً غير مستقرّ ويشكّل خطراً، ولكنّ الحلّ يكمن في تدعيمه وليس هدمه، فيما الجزء الجنوبي مستقرّ، مروراً بكوْن المبنى ككلّ غير قابل للاستخدام والتخزين ولا يمكن ترميمه، ووصولاً إلى كوْن كلفة هدْم الصوامع أكبر بكثير من كلفة تدعيمها، بالإضافة إلى أنّ مساحة الصوامع ليست كبيرة نسبةً إلى مساحة المرفأ. وعليه، كان ما قاله نقيب المهندسين عارف ياسين لـ لـ«البيان» رسالة واضحة في هذا الخصوص، ومفادها ضرورة الحفاظ على هذا المعلم كـ«شاهد على الجريمة، حتى لا تتكرّر المأساة»، مع ما يعنيه الأمر من «وجود معنوي وتاريخي لا يُقدّر بثمن، قياساً بالتكلفة الماديّة للمحافظة عليه».
وإذا كان المهندسون والفنيّون يؤكدون أنّ كلفة التدعيم أعلى من كلفة الهدْم، فإن لمدير عام التنظيم المدني في لبنان المهندس إلياس الطويل رأياً آخر، بتأكيده لـ«البيان» أنّ «الاعتبارات العلميّة، في ضوء الفحوصات المخبريّة، هي التي تحكم أمر الهدم أو عدمه، كما أمر الترميم أو عدمه»، وذلك بعيداً من كلّ «الكلام الفولكلوري»، وفق تعبيره، وانطلاقاً من قناعته بـ«السلامة العامّة أوّلاً».
واستغرب عضو «تكتل الجمهورية القوية»، النائب المهندس عماد واكيم، القرار القاضي بهدم الصوامع «الشاهد الوحيد على المجزرة التي أودت بحياة 216 شخصاً»، لافتاً لـ«البيان» إلى أهميّة بقائها كـ«ذاكرة تاريخيّة». وفي انتظار تسلّمه نسخة من التقارير المرتبطة بهذا الشأن ليبني على الشيء مقتضاه، أكد واكيم أن «لا لزوم للهدم»، فـ«ما من مبنى غير قابل للتدعيم»، و«لطالما كانت الشعوب بحاجة إلى نصب يذكّر بالفواجع».
ثمّة غمْز من قناة توقيت قرار الهدم وسرعة إقراره حكوميّاً، وكلام عن عقود وصفقات، إذْ إنّ هناك مدّة محدّدة للمناقصات، تنقضي خلال شهرين، نظراً إلى شروط المناقصات المطروحة، علماً أنّ هذا القرار أتى غداة الذكرى الـ47 للحرب الأهليّة (13 أبريل 1975)، وقبل شهر على الانتخابات النيابيّة. وينتظر أهالي شهداء المرفأ صدور القرار الظنّي في الجريمة بفارغ الصبر، رغم أنّهم مدركون لطبيعة المسار القضائي في لبنان، حين يمسّ شخصيات نافذة. أمّا لسان حالهم جميعاً، فيقول إنّ هذا المعلم التاريخي، بدماره وشكله المشظّى، هو جريمة وعقاب، و«حبّذا لو يبقى نصباً للسلام، مثلما قبّة غنباكو في هيروشيما»، يقول أحدهم لـ«البيان»: «أمّا هدْمه، فهو طمْس للجريمة والذاكرة والهويّة».