يدرك سكان الصحراء ذاك الشعور بالانتعاش المتأتي عن رائحة المطر عندما تضرب العاصفة أرضاً جافة. الآن توصلت دراستان صدرتا حديثاً إلى أن هذا الشعور والفوائد الصحية المصاحبة له هي نتيجة الزيوت والمواد الكيميائية الأخرى التي تطلقها النباتات الصحراوية عندما يجري غسلها جيداً.
يشرح عالم الاجتماع غاري نبهان في «مركز ساوث وست» بجامعة أريزونا، في الدراستين كيف أن المركبات العضوية المتطايرة التي تطورت لحماية النباتات من أضرار الإشعاع الشمسي وموجات الحرارة وإجهاد الجفاف والحيوانات المفترسة قد يكون لها فوائد صحية للناس.
يقول نبهان، نقلاً عن موقع «غوود نيوز» الكندي، إن ما ألهمه للتحقيق في الفوائد الصحية للعطور الصحراوية كانت ممارسة قديمة نشأت في الغابات الصنوبرية لشرق آسيا تسمى «الاستحمام في الغابة»، وتتضمن قضاء الوقت في الطبيعة لخفض التوتر وتحسين الرفاهية العامة. أدرك أن بعض هذه المركبات نفسها توجد في النباتات الصحراوية، وأن عطوراً هائلة تنبعث في أوقات معينة من العام خاصة بعد العواصف الرعدية للرياح الموسمية». وكان قد درس نباتات صحراء «سونورا» على الحدود الأمريكية المكسيكية التي تنبعث منها زيوت عطرية متطايرة، والتي يحد العديد منها الشعور بالإجهاد لدى البشر والحياة البرية والنباتات.
وخلال عمله، حدد نبهان ومساعدوه 115 مركباً عضوياً متطايراً في 60 نوعاً من النباتات في صحراء «سونورا» يتم إطلاقها مباشرة قبل وأثناء وبعد هطول الأمطار، من بينها كان 15 مركباً قد أظهر فوائد صحية ملموسة في دراسات سابقة.
قال نبهان الذي احتفى أخيراً بمرور أربعين عاماً على صدور كتابه «الصحراء تنبعث منها رائحة المطر»، الذي يتحدث عما تعلمه من شعب محمية «التوهونو أودهام» المقيمين في صحراء سونورا: «قد تسهم المركبات العضوية المتطايرة العطرة من النباتات الصحراوية في تحسين أنماط النوم واستقرار الهرمونات وتعزيز الهضم وزيادة الوضوح العقلي والحد من الاكتئاب أو القلق بطرق عدة».
وأوضح أن تراكمها في الغلاف الجوي مباشرة فوق الغطاء النباتي الصحراوي هو ما يسبب رائحة المطر، وهي تعمل عوضاً عن ذلك على الحد من التعرض للإشعاع الشمسي الضار، فتحمي النباتات الصحراوية والحياة البرية التي تستخدمها غذاءً ومأوى، والبشر الذين يسكنون بينها.
وتابع أن العديد من النباتات الصحراوية تنتج زيوتاً أكثر تطايراً خلال الصيف لحماية نفسها من الظروف القاسية. ويتم إنتاج المركبات الزيتية خلال فترات الجفاف وموجات الحر الشديدة، لكنها تظل على الأوراق حتى تبدأ أمطار الصيف، مشيراً إلى وجود بعض الأدلة على أنه مع الرطوبة والرياح العاتية التي نحصل عليها مع بداية هطول الأمطار يتم إطلاقها في الغلاف الجوي حتى قبل أن يهطل المطر فعلياً، وتسهم في زيادة حالة الترقب المذهلة التي نشعر بها حتى قبل أول قطرة مطر لعاصفة رعدية. ومن هناك، تنتقل إلى رئتينا وإلى مجرى الدم في غضون دقائق، حسب قوله.
ومن بين النباتات، يشير نبهان إلى شجيرة الكريوزوت التي تمنح صحراء سونورا رائحتها المألوفة عند هطول الأمطار، مشيراً إلى أن المركب العلاجي الذي يسهم في تلك الرائحة هو ترانس- كاريوفيلين، الذي يأتي من الفطريات التي تعيش داخل النبات بدلاً من النبات نفسه.
وعن مشاركته في مشروع إطلاق حدائق عطرية للشفاء في أنحاء جنوب الغرب الأمريكي، قال: «أود أن أرى حدائق العطور تلك حول كل مستشفى وعيادة مجتمعية وسرير وفطور، وحيثما حل شخص للشفاء والاسترخاء والاستجمام»، مضيفاً: «لن تنتج هذه الحدائق العامة أطعمة مغذية فحسب، بل ستوفر للمقيمين والضيوف والمتنزهين فرصة لاستشعار رائحة الصحراء مثل المطر».
