في عيادة عادية، في مشهد يتكرر كل يوم، كان المريض يتحدث بالعربية عن ألمه، بلغته ولهجته وتردده، بينما كان الطبيب ينظر إلى شاشة أمامه، يكتب بالإنجليزية.
لم يكن الطبيب غائبًا، لكنه كان موزعًا بين أكثر من مهمة في لحظة واحدة: يسمع، ويترجم، ويصنّف، ويفكر سريريًا، ثم يكتب. أربع عمليات ذهنية متداخلة داخل استشارة يفترض أن تكون، في أصلها، لقاءً إنسانيًا بين مريض وطبيب، من هذا المشهد وُلدت فكرة «نبض».
تقول عفراء الأحبابي، مؤسسة «نبض» ورئيستها التنفيذية، أن المشكلة تقع في كون نظام التوثيق يطلب من الأطباء أن يعيشوا في لغتين في الوقت نفسه. المريض يتحدث بالعربية، أما السجل الطبي والتأمين فيتحركان بالإنجليزية. وبين اللغتين تضيع أحياناً تفاصيل صغيرة، لكنها مهمة مثل طريقة وصف الألم، جملة عابرة، تردد قبل الإجابة، أو كلمة عامية تحمل معنى سريرياً لا تلتقطه الأنظمة المستوردة بسهولة.
هنا جاءت «نبض» بوصفها نظام ذكاء اصطناعي سريرياً عربياً أولاً، لا نظاماً إنجليزياً أضيفت إليه طبقة ترجمة لاحقاً. والفكرة بسيطة في ظاهرها، لكن عميقة في معناها، فجوهرها يكمن في أن يستمع النظام إلى الاستشارة كما تحدث طبيعياً بالعربية، ثم يحولها إلى توثيق طبي منظم بالإنجليزية، مع اقتراح الترميز السريري والتأميني، على أن يراجع الطبيب كل شيء ويعتمده بنفسه.
دعم حكومي
تأتي قصة «نبض» في سياق أوسع من مبادرة MZN Hub71، التي أطلقها «صندوق خليفة» بالتعاون مع «هب 71» لدعم مؤسسين إماراتيين في مراحل مبكرة، خصوصاً في العين، وربطهم بمنظومة أبوظبي للابتكار. ضمت الدفعة الأولى 17 مؤسساً إماراتياً اختيروا من بين أكثر من 370 طلباً، في قطاعات تشمل الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الصحية، والفنتك، والمناخ، وغيرها.
«نبض» تعرف نفسها بأنها أول نظام إماراتي عربي للتدفق السريري الذكي، مبني في الإمارات وللخليج. وفي عرضها التقني، تضع المشكلة بوضوح: الرعاية الصحية أصبحت رقمية، لكن سير العمل السريري لم يصبح كذلك بعد. فجزء كبير من كل استشارة يذهب إلى التوثيق لا إلى الرعاية، والسجلات الطبية الإلكترونية تحفظ البيانات، لكنها لا تخفف العبء عن الطبيب، هنا يتحول الذكاء الاصطناعي لمحاولة لاستعادة وقت مسروق من العلاقة الطبية نفسها.
الترجمة لا تكفي
تقول عفراء إن بناء نظام عربي أولاً كان هو الطريق الأصعب، لكنه الطريق الضروري. فالترجمة، في الطب، ليست فهماً. النظام الذي يبدأ بالإنجليزية ثم يضيف العربية في النهاية يتعامل مع العربية كطبقة خارجية. وفي الطب، هذا الفرق قد يكون حاسماً.
فالاستشارة الطبية العربية لا تأتي بلغة واحدة نظيفة. في العيادة الخليجية، قد يبدأ المريض جملة باللهجة الإماراتية، ويضيف اسم دواء بالإنجليزية، ثم يصف الألم بصورة مجازية: «حرقان»، «شد»، «شي يضغط»، «نغز»، «مثل السكين»، أو «ألم يسحب». هذه العبارات تحمل معلومات عن طبيعة الألم، ومكانه، وشدته، وطريقته.
لهذا توضح عفراء إن «نبض» لا يعبر بين لغتين فقط، بل بين عالمين: عالم المريض كما يتحدث، وعالم السجل الطبي كما يجب أن يكون منظمًا ودقيقًا وقابلًا للاستخدام في المستشفى والتأمين.
كيف يعمل؟
من جهة الطبيب، يفترض أن تكون التجربة بسيطة. قبل بدء الاستشارة، يعطي المريض موافقته الرقمية عبر رمز QR من هاتفه. بعد ذلك، تجري المحادثة بشكل طبيعي، فلا يحتاج الطبيب إلى تغيير طريقته في الكلام، ولا إلى إملاء ملاحظاته كما يفعل مع أنظمة تقليدية.
يستمع «نبض» إلى الحوار، ثم يحوّله إلى ملاحظات طبية منظمة بصيغة SOAP، ويقترح ترميزًا سريريًا مثل ICD-10-AM وCPT، ويعد مسودة تصلح للتأمين. لكن النقطة الأخلاقية الأساسية أن الطبيب يبقى هو البوابة. لا شيء يصبح نهائياً، ولا شيء يدخل السجل الطبي أو المطالبة التأمينية، قبل أن يراجع الطبيب ويؤكد بنفسه.
«نبض» لا يشخّص، ولا يوصي بالعلاج، ولا يتخذ قرارًا سريريًا بدل الطبيب. هو يوثّق. أما الحكم، والمسؤولية، والنظر إلى المريض، فتظل للطبيب.
وتشدد «نبض» على أن بيانات المرضى تبقى داخل الإمارات، على بنية سحابية سيادية، ولا تغادر الدولة. كما تؤكد أن الموافقة تؤخذ من المريض نفسه قبل الجلسة، ويمكن سحبها، مع وجود سجل تدقيق كامل لكل موافقة. وبعد اعتماد الطبيب، يُحذف الصوت، ويبقى المسار التدقيقي للعمليات.
نتائج أولية
وتؤكد الشركة أن النظام قيد الاستخدام السريري اليومي في عيادة إماراتية منذ مايو 2026، مع اعتماد سريري مكتوب من طبيب مستقل يؤكد سلامة الاستخدام. وتفضّل عفراء عدم نشر أي أرقام قبل اكتمال دراسة التحقق السريري المستقلة، وتقول: "أي شركة تستطيع أن تعطيك رقمًا اليوم، أما القليل منها يستطيع أن يُثبته".
سوق يتجاوز التقنية
تضع «نبض» نفسها داخل سوق واسع للتوثيق السريري في الخليج. وفق عرضها، يُقدَّر سوق التوثيق السريري في دول مجلس التعاون بنحو 2.8 مليار دولار، مع نمو سنوي يقدر بـ18%، فيما تقدر الفرصة القابلة للخدمة في الإمارات بنحو 380 مليون دولار. ويعتمد نموذج الأعمال على اشتراكات B2B SaaS بحسب حجم العيادة أو المؤسسة الصحية.
لكن القيمة الحقيقية لا تختصر في السوق. فالنظام يبيع الوقت. والوقت في الطب ليس رقماً إدارياً، هو عين الطبيب حين تعود إلى المريض بدل الشاشة، وسؤال إضافي قد يغير التشخيص، وثقة صغيرة تولد حين يشعر المريض أن من أمامه يسمعه حقاً.
18 عاماً
تزداد قصة «نبض» لفتًا حين نعرف أن من تقودها مؤسسة إماراتية شابة بعمر 18 عامًا. في مجال معقد مثل الذكاء الاصطناعي الصحي، قد يبدو العمر عائقاً، لكنه هنا يتحول إلى جزء من القصة: جيل إماراتي جديد لا ينتظر أن تأتي التقنية جاهزة من الخارج، بل يسأل لماذا لا تُبنى من هنا، بلغتنا، وبمقاييسنا، ولأنظمتنا؟