في بلغراد، عاصمة صربيا، يقف جهاز غريب في الشارع كأنه خارج من رواية مستقبلية. حوض زجاجي يحتوي على نحو 600  لتر من الماء، تعيش داخله طحالب دقيقة تمارس ما تفعله الأشجار منذ الأزل: تلتقط ثاني أكسيد الكربون، وتطلق الأكسجين، وتحوّل الضوء إلى حياة.

الجهاز يحمل اسم "ليكويد 3"، أو "LIQUID3"، وهو أول مفاعل ضوئي حيوي حضري في صربيا. طوره فريق من معهد البحوث متعددة التخصصات في جامعة بلغراد، بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ووزارة حماية البيئة الصربية وبلدية ستاري غراد، والفكرة ليست أن نلغي الشجرة، بل أن نجد بديلاً مؤقتاً في تلك الأماكن التي لم تترك لها المدينة تربة ولا مساحة.

فالمدن الحديثة لا تفتقر إلى المباني، بل إلى الفراغ، فكل متر فيها محسوب: موقف، طريق، رصيف، واجهة، إعلان، أنبوب، كابل. هنا تدخل "الشجرة السائلة" بوصفها اعترافاً قاسياً بأن بعض المدن تعدت على تربتها حتى صارت تبحث عن الطبيعة داخل صندوق.

بحسب القائمين على المشروع، يستطيع جهاز واحد من "ليكويد 3" أن يؤدي، من حيث تثبيت الكربون، ما يعادل شجرة بالغة واحدة أو نحو 200 متر مربع من العشب. وفي تقديرات أخرى نقلها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في صربيا، يمكن للطحالب الدقيقة داخل الجهاز أن تعادل شجرتين بعمر 10 سنوات أو 200 متر مربع من العشب.  كما يشير القائمون على المشروع إلى أن الطحالب الدقيقة قد تكون أكثر كفاءة من الأشجار في تثبيت ثاني أكسيد الكربون بنحو 10 إلى 50 مرة.

وبحسب "أوربان نيتشر أطلس"، يمكن تركيب وحدة من "ليكويد 3" على مساحة لا تتجاوز نحو 3 أمتار مربعة، بينما يمتد نطاق المشروع الكامل على مستوى الشارع إلى نحو 6 أمتار مربعة.  بهذا المعنى، لا تنافس "الشجرة السائلة" الغابة، بل تنافس الزحام.

وتعمل الفكرة ببساطة بيولوجية. الطحالب الدقيقة، وهي كائنات مجهرية تعيش أصلاً في المياه العذبة، تستخدم الضوء وثاني أكسيد الكربون في عملية التمثيل الضوئي، ثم تنتج الأكسجين والكتلة الحيوية. هذه الكتلة يمكن لاحقاً استخدامها كسماد.

ولأن المصممين آمنوا أن البيئة لا يجب أن تكون منفصلة عن الحياة اليومية، يعمل الجهاز كمقعد، ويضم إضاءة ليلية، ويوفر منافذ لشحن الهواتف. 

 صربيا، مثل مدن كثيرة في أوروبا الشرقية والبلقان، تواجه مشكلة مزمنة في تلوث الهواء، خصوصًا مع مواسم التدفئة وكثافة المدن. وتشير تقارير عن المشروع إلى أن نحو 59% من سكان صربيا يعيشون في مناطق حضرية، ما يجعل حلول الهواء داخل المدن أكثر إلحاحاً. فخطر التلوث امتد ليصل لكل أنحاء المدينة وليس فقط محتكراً في زوايا المصانع على أطراف البلاد. 

ومع ذلك، لا ينبغي كهواة للعلوم أن نعامل "الشجرة السائلة" كمعجزة، فهي ليست غابة مضغوطة داخل زجاج، ولا تستطيع أن تعوض ظل شجرة حقيقية، ولا عصفورا يقف على غصن، ولا جذرا يمسك التربة. فالشجرة ليست آلة أكسجين فقط، هي عبارة عن مناخ صغير، وظل، ورائحة، وتربة، وحياة لكائنات لا نراها، وهدوء لا تستطيع الطحالب وحدها أن تمنحه.