تتغير ساحات الحروب، وتختلف معها الأدوات، ففي عصر الذكاء الاصطناعي يبرز التشويش الإلكتروني على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية، وعلى رأسها نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، كأحد أبرز أدوات الحرب الحديثة.

ومع اعتماد الجيوش المتزايد على الطائرات المسيّرة والصواريخ الموجهة وأنظمة الملاحة الرقمية، أصبح تعطيل هذه الإشارات وسيلة فعّالة لإرباك العدو وإضعاف قدراته العسكرية وفق timesnownews.

غير أن تأثيرات هذا النوع من الحرب لا تقتصر على الميدان العسكري، بل تمتد أيضاً إلى القطاعات المدنية مثل الملاحة البحرية والطيران.

في أواخر فبراير، رُصدت اضطرابات كبيرة في أنظمة الملاحة للسفن التي تبحر في مياه الخليج. ووفقاً لشركة «ويندوارد» المتخصصة في معلومات الشحن التجاري، تعرضت أكثر من 1100 سفينة لتعطل في أنظمة الملاحة في 28 فبراير.

وقد ظهرت بعض السفن في مواقع غير منطقية على خرائط التتبع، مثل مطارات أو منشآت داخل اليابسة، نتيجة تداخل إشارات نظام تحديد المواقع.

يعتمد نظام GPS على إشارات ضعيفة للغاية تبثها أقمار صناعية من ارتفاع يقارب 20 ألف كيلومتر فوق سطح الأرض، ما يجعلها عرضة للتشويش أو التلاعب.

في الحروب الإلكترونية تُستخدم تقنيتان رئيسيتان هما التشويش، حيث تُرسل إشارات راديوية قوية على التردد نفسه فتطغى على الإشارة الأصلية، والتزييف، حيث يتم بث إشارات مزيفة تجعل أجهزة الملاحة تعتقد أنها تتلقى بيانات صحيحة بينما يتم تضليل موقعها الفعلي.

كان لمضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم والذي يمر عبره نحو 20% من صادرات النفط والغاز العالمية، نصيب كبير من هذه الاضطرابات.

فقد أدى التشويش إلى إبطاء حركة السفن، وإجبار بعض الناقلات على تغيير مساراتها أو إيقاف أنظمة التتبع مؤقتاً، وعندما تتعطل أنظمة التعريف التلقائي للسفن (AIS)، يصبح من الصعب على المراقبين البحريين تحديد مواقعها بدقة أو منع التصادمات.

وتشير بيانات شركات التحليل البحري إلى ارتفاع حاد في حوادث التشويش منذ اندلاع النزاعات الأخيرة، فقد سُجلت عشرات بؤر التشويش خلال الأيام الأولى فقط، مع مئات الحوادث اليومية التي أثرت على مئات السفن ولساعات متواصلة.

لا يقتصر التأثير على الملاحة البحرية، إذ يعاني قطاع الطيران أيضاً من اضطرابات مماثلة. فقد أبلغ الطيارون عن انحراف الخرائط الرقمية للطائرات عن المسار الفعلي أو ظهور تحذيرات خاطئة أثناء الرحلات، ووفقاً للاتحاد الدولي للنقل الجوي، ارتفعت حوادث فقدان إشارة GPS التي تؤثر على الطائرات بنسبة 220% بين عامي 2021 و2024.

عند تعطل نظام الملاحة الفضائي، تضطر الطواقم للعودة إلى وسائل تقليدية مثل الرادار أو الملاحة بالقصور الذاتي وحتى الملاحة السماوية باستخدام النجوم، إلا أن كثيراً من البحارة والطيارين الشباب لم يعتادوا على هذه الأساليب القديمة.

يرى الخبراء أن تزايد التشويش يشير إلى دخول العالم مرحلة جديدة من الحرب الإلكترونية، ورغم وجود حلول تقنية مثل الإشارات المشفرة والأنظمة المضادة للتشويش، فإن تطبيقها على نطاق واسع في السفن والطائرات حول العالم سيستغرق وقتاً واستثمارات كبيرة.

وفي ظل هذا الواقع، قد يصبح الاعتماد المطلق على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية أقل موثوقية مما كان عليه في الماضي.