منذ اكتشافها الأول عام 2007، أثارت انفجارات الراديو السريعة (FRBs)، وهي ومضات قصيرة ومشرقة من موجات الراديو القادمة من الفضاء تستغرق مجرد أجزاء من الثانية، فضول علماء الفلك، وتُطلق هذه الإشارات الغامضة طاقةً في أقل من غمضة عين تعادل ما تصدره الشمس خلال يوم كامل.

رغم مرور سنوات، لا يزال الباحثون يحاولون فك لغز هذه النبضات الكونية، من حيث طبيعتها، وكيفية حدوثها، وأماكن نشوئها، وقد ساهمت التلسكوبات المتخصصة في تتبع هذه الانفجارات داخل مجرتنا درب التبانة وحتى على مسافات تصل إلى 8 مليارات سنة ضوئية.

وأحدث أربع دراسات علمية قدمت إجابات جديدة حول أصول هذه الانفجارات، وكشفت أن مواقع انفجاراتين تم تحديدهما حديثًا تختلف بشكل جذري.

ووفقاً لموقع «سي إن إن» الأمريكي فإن إحدى هذه الانفجارات نشأت من بيئة فوضوية مليئة بالنشاط المغناطيسي بالقرب من نجم نيوتروني كثيف يُعرف باسم "المغناطيسار". أما الانفجار الآخر، والذي تم رصده على مدى عدة أشهر، فقد جاء من أطراف مجرة ميتة بعيدة خالية تقريبًا من النجوم.

واعتمد الباحثون على تلسكوب الراديو CHIME (تجربة رسم خرائط شدة الهيدروجين الكندية) لتحديد مواقع كلا الانفجارين، ومنذ عام 2020، مكّن هذا التلسكوب العلماء من اكتشاف آلاف الانفجارات الراديوية السريعة.

خطوة نحو حل اللغز الكوني

وقال رايان ماكينفن، أحد مؤلفي الدراسات الأربع: "هذه خطوة تقربنا من حل لغز كوني عميق.. الانفجارات الراديوية السريعة شائعة، لكن طبيعتها الحقيقية ما زالت غامضة، وكل كشف جديد عن أصولها يفتح نافذة لفهم ديناميكيات الكون".

وأظهرت أنماط الوميض في أحد الانفجارات أنه نشأ بالقرب من مصدره، وليس من منطقة أبعد تنتمي إلى موجة صدمية. وتتبع فريق الباحثة كاي نيمو الانفجار إلى منطقة مغناطيسية نشطة على بُعد حوالي 10,000 كيلومتر من نجم نيوتروني دوار، وأوضحت كاي أن هذا الاكتشاف يعادل قياس عرض حلزون DNA على سطح القمر.

بيئات مغناطيسية قصوى

وأوضح الباحثون أن هذه الانفجارات تنبع من بيئات مغناطيسية شديدة التطرف حول النجوم النيوترونية، وهي مناطق لا يمكن للذرات أن توجد فيها بسبب شدة الحقول المغناطيسية، ووفقًا للبروفيسور كيوشي ماسوي من معهد MIT، فإن الحقول المغناطيسية تخزن طاقة هائلة تعيد ترتيب نفسها وتطلق موجات راديوية يمكن رصدها عبر الكون.

انفجارات من أطراف المجرات

وفي اكتشاف آخر، تتبع العلماء انفجارًا راديويًا يُعرف باسم FRB 20240209A إلى أطراف مجرة قديمة تبعد حوالي ملياري سنة ضوئية عن الأرض، وأوضحت الدراسات أن هذه المجرة، التي يبلغ عمرها 11.3 مليار سنة، لم تعد تشهد أي عمليات تكوين نجوم، مما أثار تساؤلات حول كيفية نشوء مثل هذه الأحداث في مناطق خالية من النجوم النشطة.

هذا التنوع في مصادر الانفجارات يوضح أن لها أصولًا متعددة، بعضها قد ينشأ عن نجوم نيوترونية شابة، بينما قد تأتي أخرى من أنظمة قديمة، مثل اندماج نجمين نيوترونيين أو انهيار قزم أبيض.

آفاق جديدة للاستكشاف

ويعتقد العلماء أن تحسين تقنيات الكشف عن الانفجارات الراديوية السريعة، مثل إضافة تلسكوبات فرعية إلى CHIME، سيتيح تتبع المزيد من الانفجارات وفهم أنماطها بشكل أفضل.

ووفقًا للباحثة ترانه افتخاري لا تزال هناك مساحة هائلة للاكتشاف عندما يتعلق الأمر بهذه الانفجارات، وأضافت: "ربما تكون بيئاتها هي المفتاح لفهم أسرارها".

بينما تتزايد الأدلة حول هذه الظاهرة الغامضة، فإن السؤال الأكثر تعقيدًا حول كيفية حدوث هذه الانفجارات لا يزال يتطلب مزيدًا من العمل النظري لفهمه.