لسنوات، كانت العلاقة بين «أبل» و«ميتا» واحدة من أشهر الخصومات في وادي السيليكون، فتيم كوك يتهم نموذج «فيسبوك» القائم على الإعلانات بالمتاجرة ببيانات المستخدمين، ومارك زوكربيرغ يرد بأن «أبل» تتخفى وراء الخصوصية لحماية أرباحها. تبادلا الانتقادات علناً، وتصادمت مصالحهما في الهواتف والنظارات الذكية ومستقبل الحوسبة. ثم جاء الذكاء الاصطناعي، فجلس الخصمان على طاولة واحدة.

فقد أعلنت «ميتا» إطلاق «ميوز سبارك أوبن»، وهو نموذج مفتوح الأوزان قريب من نموذجها «ميوز سبارك 1.3»، تقول إنه أقوى نموذج مفتوح الأوزان طُوّر في الولايات المتحدة. ولإثبات قدراته، تعاونت مع «أبل» لتشغيله محلياً على جهازين أو أربعة من حواسيب «ماك ستوديو» المتصلة، العاملة بشريحة «إم 5 ألترا»، باستخدام إطار «إم إل إكس» الذي طورته «أبل» للتعلم الآلي. وعلّق ألكسندر وانغ، رئيس الذكاء الاصطناعي في «ميتا»، على المصالحة بطرافة في حديثه إلى «أكسيوس»، قائلاً إنهم سعداء برؤية «الأم والأب» يتصالحان أخيراً.

ولفهم ما يعنيه ذلك، يكفي النظر إلى الحجم. فالنموذج يضم 816 مليار معامل، وهو حجم ارتبط حتى وقت قريب بمراكز البيانات العملاقة ورفوف الرقائق المتخصصة. أما الآن، فيمكن تشغيله على حواسيب مكتبية تُشترى من المتجر. وقد طرحت «أبل» حاسوب «ماك ستوديو» الجديد بشريحة «إم 5 ألترا» بسعر يبدأ من 5499 دولاراً، وبذاكرة موحدة تصل إلى 512 غيغابايت، مع إمكانية ربط عدة أجهزة لتكوين مخزون ذاكرة مشترك قادر على استيعاب النماذج المفتوحة الكبيرة. وتقول الشركة إن ربط أربعة أجهزة يمنح سرعة في تشغيل النماذج تصل إلى ثلاثة أضعاف الجهاز الواحد. أي أن ما كان يحتاج إلى مركز بيانات، صار ممكناً بعتاد بعشرات آلاف الدولارات، يوضع في زاوية مكتب.

والنموذج مجاني للتحميل، بترخيص يسمح بالاستخدام التجاري، وسيكون متاحاً أيضاً عبر مزودي الخدمات السحابية وأدوات المطورين. وهنا تكمن المفاجأة الثانية في القصة: فـ«ميتا» نفسها كانت قد نقلت خط «ميوز سبارك» إلى النماذج المغلقة، في قطيعة مع استراتيجية «لاما» المفتوحة التي دافعت عنها ثلاث سنوات. وبإطلاق نسخة مفتوحة، تعود الشركة جزئياً إلى ملعب الانفتاح، لتنضم إلى شركات غربية أطلقت نماذج مفتوحة قوية تعد بخفض كلفة الذكاء الاصطناعي، ومنح الشركات سيطرة أكبر على أنظمتها، وتقديم بديل عن المنظومة الصينية التي تهيمن على عالم النماذج المفتوحة.

وخلف الكواليس، رجل واحد يُنسب إليه الفضل في تقريب المسافة. فبحسب وانغ، عملت الشركتان معاً لأشهر، ولعب دانيال غروس، المسؤول السابق في «أبل» الذي انتقل إلى «ميتا»، دوراً كبيراً في جعل الطرفين يعملان معاً بانسجام.

لكن المفارقة الأجمل تكمن في الخصوصية نفسها، القضية التي فرّقت الشركتين لسنوات. فلأن النموذج يعمل محلياً على أجهزة المستخدم، لا تصل إلى «ميتا» أوامر المستخدمين ولا بياناتهم. وقال وانغ إن «ميتا» لا تملك أي سيطرة أو رؤية لطريقة استخدام المطورين للنموذج. وهكذا تحوّل الخلاف القديم إلى أرضية مشتركة: «ميتا» تكسب انتشار نموذجها، و«أبل» تستعرض قدرات أقوى حواسيبها، والخصوصية التي طالما كانت ساحة معركة صارت حجة تسويق للطرفين.

غير أن أهمية الصفقة تتجاوز العلاقة بين الشركتين. فتشغيل نموذج بهذا الحجم على عتاد «أبل» يقدّم، بحسب «أكسيوس»، دليلاً عملياً على أن الشركات قد تبني أنظمتها الخاصة بعيداً عن رقائق «إنفيديا» والنماذج المغلقة لكبرى شركات الذكاء الاصطناعي، ما قد يغيّر جانباً من اقتصاديات القطاع. وتأتي هذه الخطوة في الأسبوع نفسه الذي تحدث فيه جنسن هوانغ عن سلطته على «صنبور الحوسبة»، لتذكّر بأن هذا الصنبور ليس الوحيد. لكن الطريق ليس ممهداً بالكامل؛ فإطار «إم إل إكس» ممتاز، وشرائح «أبل» بارعة في تشغيل النماذج، غير أن منظومة «كودا» التي بنتها «إنفيديا» تمثل عقداً من الأدوات المتراكمة التي لا تنتقل بسهولة.

وللانفتاح ثمنه أيضاً. فإتاحة نماذج قوية بهذا الشكل تثير مخاوف من أن تنزع جهات خبيثة ضوابط الأمان عنها، وتستخدمها في هجمات إلكترونية أو تهديدات بيولوجية. وحين يقول وانغ إن «ميتا» لا ترى كيف يُستخدم نموذجها، فهو يصف ميزة للخصوصية، وثغرة محتملة في الرقابة في الوقت نفسه.

ولا تعني المصالحة أن الخصومة انتهت. فالشركتان ستواصلان التنافس على الأجهزة والجيل المقبل من الحوسبة، وقد أقر وانغ بأن المنافسة ستستمر في مجالات عدة. لكن الخلافات لم تعد تمنعهما من العمل معاً حين تلتقي المصالح. وهذا بالضبط ما يفعله الذكاء الاصطناعي بخريطة التحالفات في وادي السيليكون وخارجه: يخلط الأوراق، ويجمع أعداء الأمس، ويصنع شراكات كانت تبدو قبل عام ضرباً من الخيال، من إيلون ماسك و«أنثروبيك»، إلى بيرني ساندرز وستيف بانون. ففي سباق بهذا الحجم، لا أحد يملك ترف الخصومات القديمة.