في أحد المقاهي، يجلس شاب يبتسم لهاتفه، يكتب رسالة ثم ينتظر الرد، وما إن يصل حتى يعود للكتابة بحماس، للوهلة الأولى قد يظن من يراقب المشهد أنه يتحدث إلى صديق أو شريكة حياة، لكن الحقيقة مختلفة، فهو يتحاور مع روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي.

مشهد لم يكن مألوفاً قبل سنوات قليلة، لكنه بات يتكرر في البيوت والمقاهي وأماكن العمل، فمع انتشار تطبيقات مثل "تشات جي بي تي" و"جيمناي" و"ياسمينة"، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للإجابة عن الأسئلة أو كتابة النصوص، بل أصبح بالنسبة للبعض مستمعاً دائماً، ومستشاراً، وأحياناً بديلاً عن صديق أو شريك يلجأون إليه في لحظات الحيرة والضيق.

فهل نحن أمام تطور طبيعي في وسائل التواصل؟ أم بداية لتحول قد يعيد تشكيل العلاقات الإنسانية؟

دعم نفسي

لم يعد اللجوء إلى روبوتات المحادثة يقتصر على طلب المعلومات أو إنجاز المهام، بل امتد إلى مشاركة المشاعر وطلب النصيحة والدعم النفسي، حتى باتت هذه التطبيقات تحل، لدى بعض المستخدمين، محل الأحاديث التي كانت تدور مع شركاء الحياة أو الأصدقاء وأفراد الأسرة.

كما انتشرت خلال الأشهر الأخيرة مقاطع لمؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي يظهرون فيها وهم يتحاورون مع الذكاء الاصطناعي حول مشكلاتهم الشخصية، أو يطلبون منه النصائح، في مشهد يعكس اتساع دائرة هذا الاستخدام.

وتشير تقارير تقنية ودراسات حديثة في أوروبا والولايات المتحدة إلى تزايد أعداد المستخدمين الذين يعتمدون على روبوتات الدردشة للتنفيس عن مشاعرهم أو طلب المشورة، خصوصاً بين الشباب والنساء، مستفيدين من سرعة الاستجابة، وسهولة الوصول، وغياب الأحكام أو الانتقادات.

دراسة حديثة

وتشير نتائج دراسة حديثة إلى تحوّل متسارع لدى فئة الشباب لاسيما الجيل "Z" ، نحو العالم الرقمي على حساب التفاعل الاجتماعي المباشر، إذ يختار عدد كبير منهم إلغاء التزاماتهم الاجتماعية لصالح قضاء وقت أطول في الفضاء الإلكتروني.

كما تكشف المعطيات عن ميل متزايد لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الحوار بدلًا من التواصل مع أشخاص حقيقيين، رغم ارتفاع مستويات الشعور بالوحدة لديهم، وفقًا لصحيفة تليغراف البريطانية.

وتوضح البيانات أن نسبة معتبرة من الشباب ترى أن التفاعل مع تطبيقات الدردشة أكثر سهولة وأقل تعقيدًا من الحديث مع الآخرين، فيما يلجأ بعضهم إلى هذه الأدوات في فترات الشعور بالانعزال. 

وفي المقابل، يفضّل عدد كبير منهم البقاء على الإنترنت لفترات أطول بدل الالتزام بخطط اجتماعية مسبقة، مع تسجيل تزايد في القلق من المكالمات الهاتفية والمحادثات العابرة.

ووجدت الدراسة التي أجريت على 2000 بالغ تتراوح أعمارهم بين 18 و 29 عامًا أن الكثيرين يفضلون التحدث إلى الذكاء الاصطناعي على التحدث إلى شخص حقيقي، على الرغم من ارتفاع مستويات الشعور بالوحدة.

تطور طبيعي أم بديل للعلاقات؟

إلى ذلك يرى الدكتور منصور العور، رئيس جامعة حمدان بن محمد الذكية، أن الحديث عن حلول الذكاء الاصطناعي محل العلاقات الإنسانية يحمل قدراً من المبالغة.

ويقول: "هذه الأدوات صُممت لتكون وسائل مساعدة، لا بديلاً عن الإنسان، فهي امتداد طبيعي للتطور الذي شهدناه مع الهاتف والإنترنت، وتمثل فرصة لإعادة تعريف أنماط التواصل، وليس تهديداً لها."

وأضاف أن دولة الإمارات سباقة في وضع الأطر التنظيمية التي تضمن الاستخدام الآمن والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يحافظ على القيم المجتمعية ويعزز جودة الحياة.

وأكد أن المستقبل سيشهد حضوراً أكبر للذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة اليومية، لكن باعتباره شريكاً يعزز قدرات الإنسان، لا بديلاً عن علاقاته الإنسانية.

لماذا يلجأ الناس إلى الذكاء الاصطناعي؟

من جانبه، يفسر الدكتور جاسم المرزوقي، استشاري العلاج النفسي والأسري، هذه الظاهرة بثلاثة دوافع رئيسية وهي: الحاجة إلى من يفهم الإنسان دون أن يحاكمه، سرعة الاستجابة في أي وقت، والشعور بالأمان النفسي.

ويقول أن العلاقات الإنسانية بطبيعتها تحمل توقعات وأحكاماً متبادلة، بينما تمنح روبوتات الدردشة مساحة يشعر فيها الشخص بأنه مسموع ومقبول دون نقد أو لوم، خاصة عند الحديث عن قضايا شخصية."

وأضاف أن الشعور بالتقبل من دون شروط يمثل أحد أعمق الاحتياجات النفسية، وهو ما يجعل البعض ينجذب إلى هذه التطبيقات.

لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن الاعتماد العاطفي المتزايد عليها قد يخلق ما يسميه "وهم العلاقة"، حيث يشعر المستخدم بأنه يمتلك علاقة حقيقية، بينما هو في الواقع يتفاعل مع برنامج لا يملك مشاعر أو خبرة إنسانية.

شعور بالوحدة

ويشير المرزوقي إلى أن دراسات صادرة عن جامعة ستانفورد حذرت من أن الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي للحصول على الدعم العاطفي قد يؤدي إلى زيادة الشعور بالوحدة، وإضعاف مهارات الحوار والتواصل والتعاطف، خصوصاً لدى الشباب والمراهقين.

كما أظهرت دراسة أخرى لجامعة هارفارد أن أكثر من ثلث البالغين في الولايات المتحدة يعانون شعوراً دائماً بالوحدة، ما يدفع بعضهم إلى البحث عن بدائل سهلة للدعم العاطفي، إلا أن النتيجة قد تكون تراجع الروابط الاجتماعية والشعور بالانتماء.

ويؤكد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مساندة، لكنه لا يستطيع تعويض الدفء الإنساني الذي توفره العلاقات الواقعية.

الهروب من المواجهة

أما سالم النار، مستشار التنمية البشرية، فيرى أن بعض الأشخاص يستخدمون روبوتات المحادثة كوسيلة للهروب من المواجهات العاطفية.

ويقول: "في العلاقة مع الذكاء الاصطناعي لا يوجد خوف من الرفض أو الانتقاد، لذلك ينجذب إليه من مروا بتجارب اجتماعية مؤلمة أو يواجهون صعوبة في بناء العلاقات الحقيقية."

وأضاف أن هذا النوع من العلاقات لا يتطلب جهداً نفسياً أو تنازلات، وهو ما يجعله أكثر جاذبية لبعض الأشخاص، لكنه لا يغني عن التواصل الإنساني الحقيقي.

بين الفائدة والخطر

من جهتها، تؤكد الدكتورة شاكيل أجينو، الأستاذة المشاركة في علم النفس بجامعة هيريوت وات دبي، أن روبوتات المحادثة قد توفر دعماً مؤقتاً، لكنها لا يمكن أن تحل محل الصداقة أو العلاقة الزوجية القائمة على التفاعل الإنساني.

وتقول إن اللجوء إلى هذه التطبيقات يرتبط بالارتفاع العالمي في معدلات الشعور بالوحدة، مشيرة إلى تحذير منظمة الصحة العالمية من أن الوحدة المزمنة تمثل خطراً صحياً يعادل في تأثيره تدخين 15 سيجارة يومياً.

وأضافت أن الذكاء الاصطناعي قد يكون مفيداً لبعض الفئات، مثل الأشخاص الذين يعانون القلق الاجتماعي أو الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، إذ يساعدهم على التدريب على مهارات التواصل.

إلا أنها تحذر من أن الإفراط في الاعتماد عليه قد يؤدي، وفقاً لنظرية التعلق، إلى تكوين روابط عاطفية مع البرامج الذكية على حساب العلاقات الواقعية، ما يزيد من احتمالات الانطواء والعزلة.

"شخصيات رقمية" للدعم العاطفي

ويكشف رامي أبو عرجة، المدير الأول للتسويق والابتكار في "ياسمينة" التابعة لمجموعة يانغو، أن شركات التقنية تتجه بالفعل إلى تطوير شخصيات رقمية أكثر قرباً من الإنسان، قادرة على إجراء حوارات طبيعية وتقديم الدعم والنصائح، في إطار توجه عالمي لتطوير مساعدين رقميين أكثر تفاعلاً.

مستخدمون: لا يلومنا ولا يغضب منا

ويؤكد عدد من مستخدمي روبوتات المحادثة أنهم يلجؤون إليها لأنها متاحة في أي وقت، وتجيب عن أسئلتهم دون إصدار أحكام أو إشعارهم بالحرج.

وتقول (أ.ع): "أحياناً أفضل الحديث مع تشات جي بي تي لأنه لا يغضب مني ولا يلومني، ويجيب عن كل أسئلتي حتى في أوقات متأخرة."

وترى أن هذه المحادثات تمنحها راحة نفسية مؤقتة عندما تفتقد الدعم من محيطها أو تمر بخلافات مع المقربين.

أما (ط.ح) فيقول: "عندما أشعر أن أحداً لا يفهمني، ألجأ إلى الذكاء الاصطناعي، أتكلم بحرية، وأحصل على ردود هادئة ومتزنة، وهذا يمنحني شعوراً بالارتياح."

بين الشاشة والإنسان

ورغم أن روبوتات المحادثة أصبحت أكثر قدرة على محاكاة الحوار البشري، فإن المختصين يجمعون على أنها لا تستطيع أن تحل محل العلاقات الإنسانية الحقيقية، التي تقوم على المشاعر والتجارب المشتركة والتفاعل الحي.

فقد تمنح هذه التطبيقات شعوراً بالإنصات والراحة في لحظة ما، لكنها تبقى، في نهاية المطاف، أداة ذكية، بينما يظل الإنسان، بكل ما يحمله من تعاطف واحتواء ودفء، هو المصدر الحقيقي للدعم النفسي والعلاقات المستدامة.