كشفت دراسة علمية جديدة، نُشرت في دورية AIP Advances الصادرة في أبريل 2026، عن نتائج غير متوقعة قد تغير الطريقة التي تخصص بها شركات الطيران مقاعد الركاب مستقبلاً؛ حيث أثبت البحث أن «التوزيع الاستراتيجي» لكبار السن في مقصورة الطائرة هو المفتاح الذهبي لتحقيق أسرع وقت إخلاء ممكن.
تأتي هذه الدراسة في وقت حرج، حيث تواجه إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية (FAA) ضغوطاً متزايدة لتحديث بروتوكولات الأمان. فالمعيار الحالي الذي يفرض إخلاء الطائرة في 90 ثانية فقط بدأ يبدو «نظرياً» أكثر من اللازم، كونه يعتمد على محاكاة لأشخاص في كامل لياقتهم البدنية، متجاهلاً تعقيدات الواقع البشري الذي يضم أطفالاً، وكبار سن، وأشخاصاً ذوي قدرات حركية محدودة.
لقد وضعت الهيئات التنظيمية معيار الـ 90 ثانية بناءً على سيناريوهات مثالية، لكن الواقع يخبرنا بقصة مختلفة. مع ارتفاع متوسط العمر العالمي المتوقع وصوله إلى 36 عاماً بحلول 2050، تزداد نسبة المسافرين من كبار السن الذين قد يعانون من تباطؤ في الحركة أو الاستجابة الإدراكية أثناء الذعر.
يشير الباحث «تشين يانغ تشانغ»، عالم الأعصاب المتخصص في العوامل البشرية بجامعة كالجاري، إلى أن قانون إخلاء مقصورة الطائرة (EVAC) الذي تم تقديمه في أواخر 2022 كان الشرارة التي دفعت العلماء للبحث عن نماذج محاكاة أكثر دقة. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بمدى سرعة فتح الأبواب، بل بكيفية تدفق «البشر» عبر الممرات الضيقة وبين المقاعد المتلاصقة.
في حالات الطوارئ القصوى، مثل حريق المحرك المزدوج — وهو سيناريو يحاكي فقدان القدرة على استخدام مخارج الطوارئ فوق الأجنحة — يضطر الجميع للتوجه نحو المخارج الأمامية والخلفية فقط. هنا، تصبح الطائرة بمثابة «عنق زجاجة» بشري، وأي تعثر بسيط من راكب واحد قد يؤدي إلى كارثة تسلسلية تمنع البقية من الخروج في الوقت المناسب.
للوصول إلى النتائج، استخدم الباحثون نموذجاً رقمياً فائق الدقة لطائرة «إيرباص A320» بسعة 180 راكباً. تم تصميم 27 سيناريو مختلفاً للإخلاء، مع الأخذ في الاعتبار متغيرات دقيقة: الجنس، الطول، سرعة المشي، والعمر (فوق أو تحت الستين عاماً).
النتائج كانت مذهلة من الناحية الرقمية؛ ففي السيناريو الأكثر تفاؤلاً، حيث يشكل كبار السن 20% فقط من الركاب، تم تحقيق زمن إخلاء قدره 141 ثانية — وهو زمن يتجاوز معيار الـ 90 ثانية الرسمي، ولكنه يظل «آمناً» نسبياً في ظروف الحريق. السر في هذا الزمن لم يكن فقط في قلة عدد كبار السن، بل في «توزيعهم المتساوي» بجوار المخارج.
وعلى النقيض تماماً، سجلت الدراسة زمناً كارثياً وصل إلى 218.5 ثانية (أكثر من 3 دقائق ونصف الدقيقة) عندما زادت نسبة كبار السن وتم تجميعهم في مناطق محددة، حتى لو كانت تلك المناطق قريبة من المخارج. هذه النتيجة تدحض الاعتقاد الشائع بأن وضع الركاب الأبطأ حركة بجانب الأبواب هو الحل دائماً؛ فالتكدس في منطقة المخرج قد يخلق ازدحاماً يعطل التدفق الكلي للركاب القادمين من وسط الطائرة.
رؤية مستقبلية لمقاعد الطيران
تخلص الدراسة إلى أن «التوزيع المتوازن» هو الاستراتيجية الأنجع. فعندما يتم توزيع الركاب الذين يحتاجون لمساعدة أو يتحركون ببطء بشكل مدروس في جميع أنحاء الطائرة، يعمل الركاب الأصغر سناً والأسرع حركة كـ«محركات دفع» تنظم التدفق، بدلاً من حدوث اختناق مروري عند الأبواب.
ويؤكد البروفيسور تشانغ أن الهدف من هذا البحث ليس التمييز ضد كبار السن، بل حمايتهم وحماية الجميع. «من خلال فهم كيف يؤثر توزيع الركاب على ديناميكية الإخلاء، يمكن لشركات الطيران تطبيق خوارزميات ذكية لتوزيع المقاعد عند الحجز، بما يضمن أعلى مستويات السلامة دون التأثير على الكفاءة التشغيلية أو راحة المسافرين».
إن التحدي القادم لشركات الطيران لن يكون فقط في هندسة المحركات أو تقليل استهلاك الوقود، بل في «هندسة السلوك البشري» داخل المقصورة. ومع صدور هذه الدراسة في عام 2026، بات من المتوقع أن نرى تحديثات جذرية في لوائح السلامة الدولية، قد تشمل تغييرات في تصميم الممرات أو حتى في برمجيات تخصيص المقاعد الآلية لضمان أن كل رحلة جوية مهيأة للإخلاء بأسرع وقت ممكن مهما كانت تركيبة ركابها.
