رصد قمر صناعي تابع لوكالة ناسا تكويناً جيولوجياً غريباً في غرب أستراليا، يبدو من الفضاء كأنه عنكبوت عملاق يمتد بأرجل طويلة فوق الصحراء، فيما يخفي مركزه آثار اصطدام نيزكي عنيف وقع قبل مئات الملايين من السنين.
وفي 20 سبتمبر، التقط القمر الصناعي «لاندسات 9» صورة لهذا التكوين الواقع في منطقة كيمبرلي، حيث تظهر نتوءات صخرية متعرجة تمتد من مركز شاحب ومتصدع، في مشهد يشبه عنكبوتاً ضخماً يستقر وسط الرمال البرتقالية والبنية.
ويُعرف الموقع باسم «فوهة العنكبوت»، ويمتد على مساحة تقارب 13 كيلومتراً طولاً و11 كيلومتراً عرضاً، بينما يبلغ طول الجزء المركزي الذي يشبه جسم العنكبوت نحو 4 كيلومترات.
يُعتقد أن التكوين نشأ إثر اصطدام نيزكي وقع قبل ما بين 600 و900 مليون سنة، استناداً إلى الأدلة الجيولوجية المحيطة، إذ لم يتمكن الباحثون حتى الآن من تحديد العمر الدقيق للاصطدام.
ولم يكن تفسير نشأة هذا التكوين واضحاً منذ البداية؛ فعندما لاحظ الجيولوجي جيه إي هارمز شكله غير المألوف نحو عام 1960، طُرحت فرضية أن يكون ناجماً عن نشاط بركاني تحت الأرض.
«مخاريط التفتت»
لكن اكتشاف علامات مميزة في الصخور، تُعرف باسم «مخاريط التفتت»، ساعد على ترجيح فرضية الاصطدام النيزكي. وتتكون هذه العلامات عندما تتعرض الصخور لموجات صدمية شديدة، ما يجعلها من الأدلة المهمة على وقوع اصطدامات كونية.
كما عثر الباحثون على بنية مركزية مرتفعة، وهي سمة معروفة في بعض الفوهات الناتجة عن اصطدام الأجرام السماوية، إذ قد ترتفع الصخور من قاع الفوهة بفعل الطاقة الهائلة الناتجة عن الاصطدام.
لماذا تبدو الفوهة كعنكبوت عملاق؟
تكمن إحدى أبرز غرائب الموقع في أن أشد آثار الصدمة لا تتوزع بصورة متساوية حول مركز الفوهة.
وأشارت دراسة منشورة في دورية Meteoritics & Planetary Science إلى أن تحليل بلورات الزركون في عينات صخرية كشف عن توزيع غير متجانس للتشوهات المرتبطة بالصدمة، وهو ما يدعم احتمال أن الاصطدام كان غير متماثل، وربما وقع بزاوية مائلة.
ومع ذلك، لا تزال التفاصيل الدقيقة لمسار الجسم المصطدم موضع بحث. فقد اقترح بعض الباحثين أن زاوية الاصطدام، إلى جانب طبيعة التضاريس والصخور قبل وقوعه، قد تفسر الشكل غير المعتاد للفوهة.
التعرية كشفت الشكل المذهل
لم يبقَ التكوين على هيئته الأصلية؛ فخلال مئات الملايين من السنين، أزالت عمليات التعرية كميات هائلة من الصخور المحيطة، وقدّرت بعض الأدلة الجيولوجية مقدار التعرية الإقليمية بما لا يقل عن كيلومتر واحد.
ومع تآكل الطبقات الأقل صلابة، بقيت نتوءات الحجر الرملي الأكثر مقاومة بارزة فوق سطح الأرض، لتتشكل الخطوط الطويلة التي تبدو من الأعلى كأرجل العنكبوت.
المشهد الذي التقطه القمر الصناعي ليس أثراً لشيء حي أو جسماً غامضاً مدفوناً في الصحراء، بل سجل جيولوجي نادر يجمع بين قوة اصطدام كوني قديم وتأثير التعرية على مدى مئات الملايين من السنين.
وتوضح فوهة العنكبوت كيف يمكن للصور الفضائية، إلى جانب التحليل الجيولوجي، أن تكشف تفاصيل عن تاريخ الأرض لا يمكن تمييزها بسهولة من سطحها.