في إنجاز علمي غير مسبوق يفتح آفاقاً جديدة لفهم فيزياء النجوم، نجح علماء باستخدام أقوى تلسكوب شمسي في العالم في التقاط صور ومقاطع فيديو عالية الدقة لسطح الشمس، كشفت وللمرة الأولى عن "دوامات" نشطة وتعقيدات مغناطيسية مذهلة لم يكن من الممكن رصدها من قبل.
وقد أُتيحت هذه النتائج البحثية الرائدة – التي نُشرت رسمياً في مجلة Nature العلمية المرموقة – بفضل مرصد "دانيال ك. إينووي" (Inouye Solar Telescope) التابع للمؤسسة الوطنية للعلوم (NSF) والمرصد الشمسي الوطني في الولايات المتحدة، والذي شُيّد على قمة عالية في ولاية هاواي حيث تتميز الأجواء بالصفاء التام وخلوها من الغبار.
ولتحقيق هذا السبق العلمي، يعتمد التلسكوب على مرآة رئيسية ضخمة يبلغ قطرها 4 أمتار (13.9 قدماً)، مما يجعله أقوى وأكبر تلسكوب شمسي في العالم يجمع كميات هائلة من ضوء الشمس لتغذية أنظمة الرصد البصري.
وقد استطاع الفريق البحثي، عبر التقاط الصور عند الطول الموجي 416 نانومتر (في نطاق الضوء البنفسجي)، تقريب الرؤية نحو الغلاف الضوئي للشمس للوصول إلى أعلى دقة على الإطلاق تظهر مقاييس فائقة الصغر تصل إلى عشرات الكيلومترات فقط، ودراسة حركات الغازات الساخنة والمجالات المغناطيسية وهي تتعرض للتلوي والتحريك المستمر.
وقد أظهرت هذه البيانات دقيقة التفاصيل ظاهرة فيزيائية تُعرف بـ عدم استقرار "كلفن-هلمهولتز" (Kelvin-Helmholtz instability)، والتي تحدث عندما تنزلق السوائل أو الغازات الساخنة متجاورة لبعضها البعض، مما يتسبب في تحول الاضطرابات الصغيرة إلى دوامات حلزونية ضخمة. وبحسب ما أوضحه الدكتور ديفيد كوريدزي، عالم الفلك في المرصد الشمسي الوطني (NSO)، فإن هذه الحركات الملتوية تعمل على تخليق طاقة مغناطيسية هائلة تتراكم بمرور الوقت لتشكل القوة الدافعة خلف الانفجارات واسعة النطاق، كالانبعاثات البلازمية المفاجئة.
كما أشار الدكتور فريدريش فويغر من المرصد نفسه إلى أن رصد هذه الظاهرة لم يفسر فقط آليات الطقس الفضائي، بل قدم إجابات محتملة حول الأسباب الكامنة وراء الارتفاع الهائل لدرجة حرارة سطح الشمس، مبيناً كيفية انتقال الطاقة نحو الطبقات العليا حتى يتم إطلاقها لاحقاً على شكل توهجات أو انبعاثات كتيلية إكليلية ).
ولا يقتصر هذا الاكتشاف على البعد النظري فحسب، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن التقني والتشغيلي للبشرية على كوكب الأرض؛ فالدوران المستمر والاضطرابات الشمسية تشكل المحرك الأساسي لما يُعرف بـ "الطقس الفضائي". وتتمثل المخاطر المباشرة لهذه الانفجارات في تعطيل شبكات الطاقة الكهربائية الأرضية، وإرباك عمل الأقمار الصناعية، فضلاً عن تشكيل خطر إشعاعي محتمل على سلامة رواد الفضاء في المدارات الخارجية.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور ديفيد بوبولتز من المرصد الشمسي الوطني (NSO) أن فهم فيزياء الشمس وصولاً إلى أصغر النطاقية هو السبيل الوحيد للتنبؤ بالطقس الفضائي والاستعداد لمواجهته بفعالية، مؤكداً أن التقاط صور تفصيلية يعد حجر الأساس لحماية البنى التحتية الحساسة.
وإلى جانب الحاجة العملية الملحة لفهم ودراسة المخاطر الفضائية، شدد الباحثون على أن الشمس تمثل "مختبراً فريداً" لخدمة المعرفة البشرية والفيزياء الأساسية، باعتبارها أقرب النجوم إلينا والتي تتيح اختبار القوانين الفيزيائية في ظروف لا يمكن تكرارها مختبرياً، مستذكرين أن الدليل التجريبي الأول لنظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين قد استُمد تاريخياً من مشاهدات الكسوف الشمسي.