في أعماق الفضاء السحيق، وعلى بعد نحو 25 سنة ضوئية من الأرض، يدور كوكب غامض يُعرف باسم GJ 3378b حول نجم قزم أحمر خافت، يُصنَّف هذا الكوكب ضمن ما يُسمى "الأرض العملاقة"، ويحظى باهتمام العلماء لأنه مرشح لأن يكون واحداً من أقرب العوالم لاحتضان الحياة خارج كوكب الأرض.
في البداية، كان يُعتقد أن هذا الكوكب أكبر بكثير من الأرض، إذ قُدّرت كتلته بنحو خمسة أضعاف كتلة كوكبنا، هذا التقدير جعل العلماء يتعاملون معه بحذر، لأن الكواكب الكبيرة جداً قد تتحول إلى عوالم غازية ذات ضغط جوي هائل لا يسمح بوجود حياة كما نعرفها وفق لايف ساينس.
لكن دراسة حديثة أعادت قياس خصائص الكوكب باستخدام أدوات دقيقة تعتمد على رصد اهتزاز النجم الذي يدور حوله الكوكب، وبيّنت النتائج أن كتلته ليست ضخمة كما كان يُظن، بل تعادل حوالي 2.3 مرة فقط من كتلة الأرض، ما يعزز احتمال كونه كوكباً صخرياً شبيهاً بالأرض.
الكوكب يدور حول نجمه في مدار سريع جداً لا يتجاوز 21 إلى 21.5 يوماً، أي أنه قريب جداً من النجم مقارنة بمسافة الأرض عن الشمس، ورغم هذا القرب، فإن وجوده حول نجم قزم أحمر يغير المعادلة، لأن هذه النجوم أصغر وأبرد بكثير من الشمس، وتصدر إشعاعاً أقل بنسبة كبيرة، ما يسمح بوجود منطقة تُسمى "المنطقة الصالحة للحياة"، وهي المنطقة التي يمكن أن تسمح بوجود الماء السائل على سطح الكوكب.
وجود الماء السائل يعتبر أحد أهم الشروط التي يبحث عنها العلماء عند تقييم قابلية أي كوكب للحياة، لأن جميع أشكال الحياة المعروفة على الأرض تعتمد عليه، لذلك، فإن وقوع GJ 3378b داخل هذه المنطقة يجعله مرشحاً مهماً للدراسة، حتى وإن كانت الظروف هناك غير مضمونة بالكامل.
إحدى أهم نتائج الدراسة الجديدة أنها لم تغيّر فقط تقدير حجم الكوكب، بل غيّرت أيضاً فهم العلماء لطبيعته، فبعد أن كان يُحتمل أن يكون كوكباً غازياً أو ذا غلاف جوي كثيف جداً، أصبح الآن أقرب إلى كوكب صخري بسطح صلب، هذا الأمر مهم جداً، لأن الكواكب الصخرية هي الأكثر تشابهاً مع الأرض، وبالتالي الأكثر احتمالاً لاحتضان حياة.
ومع ذلك، لا تزال هناك شكوك كبيرة، لأن القرب الشديد من النجم قد يعرض الكوكب لرياح نجمية وإشعاعات قوية يمكن أن تزيل أي غلاف جوي محتمل، وإذا فقد الكوكب غلافه الجوي، فإن الماء السائل لن يكون مستقراً، ما يقلل فرص وجود حياة. لذلك، يؤكد العلماء أن كل ما لديهم حتى الآن هو "إمكانية" وليس "دليلاً".
ما يجعل هذا الكوكب مثيراً بشكل خاص هو قربه من الأرض مقارنة بغيره من الكواكب المرشحة، فبمسافة 25 سنة ضوئية فقط، يمكن اعتباره جاراً كونيًا قريباً نسبياً داخل مجرة يبلغ قطرها حوالي 100 ألف سنة ضوئية. هذا القرب يعني أن التلسكوبات المستقبلية ستكون قادرة على دراسته بشكل أدق، وربما تحليل غلافه الجوي إن وُجد.
في المستقبل، ستلعب تلسكوبات عملاقة مثل "تلسكوب العوالم الصالحة للحياة" دوراً أساسياً في فحص هذا الكوكب، هذه الأجهزة قد تتمكن من اكتشاف "البصمات الحيوية"، وهي إشارات كيميائية في الغلاف الجوي قد تدل على وجود حياة، مثل الأكسجين أو الميثان في توازن غير طبيعي.
ورغم كل هذا الحماس العلمي، لا يوجد حتى الآن أي دليل على وجود ماء أو غلاف جوي أو حياة على الكوكب،وحتى العلماء أنفسهم يؤكدون أن الأمر ما زال في مرحلة الاستكشاف المبكر، وأن احتمال وجود حياة لا يزال غير مؤكد.
لكن ما يجعل GJ 3378b مثيراً للاهتمام هو أنه يجمع بين ثلاثة عوامل مهمة، قربه من الأرض، ووقوعه في المنطقة الصالحة للحياة، واحتمال كونه كوكباً صخرياً، هذه العوامل تجعله واحداً من أفضل المرشحين في الوقت الحالي لدراسة إمكانية وجود حياة خارج الأرض، وربما يوماً ما الإجابة عن السؤال الأكبر: هل نحن وحدنا في الكون، أم أن هناك عوالم أخرى؟