أعلنت وكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، بالتعاون مع شركاء بريطانيين وأوروبيين، عن تحقيق طفرة تقنية وتاريخية تمثلت في النجاح الكامل للتجارب الأولية لتطوير بطاريات نووية مصغرة تعتمد على حرارة التحلل الإشعاعي. ويأتي هذا الابتكار الاستراتيجي بالتزامن مع تسارع الخطى الدولية لبناء تواجد بشري دائم على سطح القمر، لينهي الاعتماد الحصري على الطاقة الشمسية ويمنح المستعمرات والمسبارات الآلية طوق النجاة ومصدراً مستداماً للطاقة والتدفئة. ويسهم هذا الإنجاز في تجاوز عقبة «الليل القمري» الشرسة، التي تمتد لأسبوعين من الظلام الدامس وتصل برودتها لما دون 170 درجة مئوية تحت الصفر، ما كان يتسبب سابقاً في تدمير الأجهزة الحساسة وعجز الألواح التقليدية عن الصمود.

تعتمد البطاريات النووية تاريخياً، وخاصة في الولايات المتحدة، على عنصر «البلوتونيوم-238» (Pu-238) كمصدر حراري أساسي في المولدات الكهروحرارية للنظائر المشعة (RTGs) نظراً لكثافته الحرارية العالية. إلا أن ندرة هذا العنصر وصعوبة إنتاجه والقيود الصارمة المفروضة عليه دفعت مجتمع الفضاء الأوروبي إلى ابتكار مسار علمي مستقل تماماً يعتمد على عنصر الأمريسيوم-241.

يعد الأمريسيوم-241 نظيراً مشعاً يمكن استخلاصه كناتج ثانوي أثناء إعادة معالجة الوقود النووي المستنفد من المفاعلات المدنية على الأرض. ونجحت المختبرات الوطنية النووية في المملكة المتحدة، بالتعاون مع جامعة ليستر والوكالة الأوروبية، في تطوير وحدات تدفئة كهروحرارية (RHUs) تعتمد على كرات أكسيد الأمريسيوم. وعلى الرغم من أن الأمريسيوم يعطي طاقة حرارية أقل لكل كيلوغرام مقارنة بالبلوتونيوم، إلا أنه يتميز بميزتين استراتيجيتين جعلته الخيار الأمثل للمستعمرات المستدامة: العمر الافتراضي الطويل: يمتلك الأمريسيوم-241 نصف عمر (Half-life) أطول بكثير، ما يعني أن انخفاض طاقته الحرارية بمرور السنوات يكون بطيئاً ومستقراً للغاية، ما يضمن تدفق الطاقة لعقود طويلة دون تراجع ملحوظ. الوفرة الاقتصادية: يسهل الحصول عليه بكميات تجارية من مخلفات المفاعلات المستنفدة، ما يحرر قطاع الفضاء الأوروبي من التبعية للموردين الخارجيين ويخفض التكلفة الإجمالية للمهمات.

لم تتوقف الطفرة العلمية الأخيرة عند حدود إنتاج الحرارة من التحلل الإشعاعي، بل نجحت الفرق الهندسة البريطانية والإسبانية المشتركة في إتمام أول اختبار متكامل من البداية إلى النهاية لبنية طاقة هجينة تجمع بين المولدات النووية (RTGs) القائمة على الأمريسيوم والمصفوفات الشمسية التقليدية.

هذه الهندسة الذكية تضمن مستويات تشغيل غير مسبوقة حيث تعتمد المركبة أو المستعمرة بالكامل على الطاقة الشمسية الوفيرة لتشغيل الأنظمة الكثيفة وإجراء الأبحاث العلمية المعقدة وحفر التربة القمرية. وعند غياب الشمس، يتم تحويل الحمل التشغيلي تلقائياً إلى التدفئة المستمرة والطاقة الكهربائية الصادرة من البطارية النووية. هذا التدفق المستمر يحمي الإلكترونيات الدقيقة من الوصول إلى مرحلة الموت التجمدي الكريوجيني.

أشارت التقارير الفنية إلى أن نموذجاً أولياً لوحدات التدفئة المطورة لا يتجاوز ارتفاعه 5 سنتيمترات ويزن نحو 200 غرام فقط، ومع ذلك، فإنه يوفر حرارة مستمرة لعدة عقود. ولمقارنة هذا الإنجاز بالتقنيات التقليدية، فإن أي بطارية كهربائية عادية يتم شحنها لتوفير نفس القدر من الحرارة طوال ليل القمر الذي يستمر لأسبوعين، سيزيد وزنها عن 7 كيلوغرامات، ما يشكل عبئاً هائلاً على تكاليف الشحن والإطلاق الصاروخي.

تأتي هذه التجارب الناجحة كجزء من خريطة طريق طموحة صاغتها وكالة الفضاء الأوروبية تحت مظلة برامجها المتطورة لتأمين البنية التحتية للقمر وتسهيل الوصول إليه. وتستهدف هذه البطاريات تشغيل مركبة النقل والخدمات اللوجستية الأوروبية الكبيرة، والمصممة لتنفيذ مهام متعددة عبر الليالي القمرية المتعاقبة دون انقطاع.

إن امتلاك تكنولوجيا الطاقة المستقلة هذه لا يخدم فقط التواجد البشري على سطح القمر أو استكشاف الفوهات المظلمة بشكل دائم مثل فوهة شاكلتون في القطب الجنوبي للقمر، بل يمثل حجر الأساس لخطط البشرية في القفز نحو الفضاء السحيق. فالمركبات التي سيتم إرسالها مستقبلاً لدراسة كواكب المجموعة الشمسية الخارجية ومحيطات أقمارها المتجمدة (مثل قمر زحل - تيتان أو أقمار المشتري) ستسير في مسارات بعيدة جداً عن أشعة الشمس، ما يجعل البطاريات النووية المصغرة خياراً إلزامياً ولا بديل عنه لضمان بقاء النبض التكنولوجي البشري حياً في ظلمات الكون.