في قلب الظلام الدامس الذي يلف أعماق الكون، وتحديداً على بُعد 17 ألف سنة ضوئية من كوكب الأرض، يقبع مشهد يخلع الألباب ويجبر العقل البشري على التوقف طويلاً أمام عظمة الخالق. هناك، رصدت المراصد الفضائية التابعة لوكالة «ناسا» هيكلاً كونياً متوهجاً يمتد عبر الفضاء بشكل لا لبس فيه عبارة عن يد عملاقة بأصابع ممدودة وكف يشع طاقة، وكأنها تمسك بأسرار الفيزياء المتطرفة التي لا نزال نعجز عن فك شفرتها بالكامل.
هذا الاكتشاف، الذي أعيد تسليط الضوء عليه في تقارير حديثة بتاريخ اليوم 3 مايو 2026، ليس مجرد وهم بصري أو ظاهرة «باريدوليا» (نزعة العقل لرؤية أشكال مألوفة في أنماط عشوائية)، بل هو حقيقة مادية تمتد على مساحة شاسعة تصل إلى 150 سنة ضوئية.
المحرك الخفي
يكمن السر الأعظم لهذا المشهد في التناقض الصارخ بين حجم «اليد» وحجم المحرك الذي يشغلها. في مركز هذا الكف المتوهج، يوجد جسم صغير للغاية لا يتجاوز عرضه 12 ميلاً (نحو 19 كيلومتراً)، وهو ما يجعله أصغر من معظم المدن الكبرى على وجه الأرض. هذا الجسم هو النجم النابض PSR B1509-58، وهو بقايا نجم ضخم انفجر في مستعر أعظم ليترك وراءه نواة نيوترونية فائقة الكثافة.
ما يثير دهشة العلماء هو «القوة الجبارة» التي يمتلكها هذا النجم الصغير؛ فهو يدور حول نفسه بسرعة مذهلة تبلغ 7 مرات في الثانية الواحدة. هذا الدوران السريع، وفقاً لبيانات جامعة هارفارد وعلوم ناسا، يولد مجالاً مغناطيسياً أقوى بـتريليونات المرات من المجال المغناطيسي للأرض. وبسبب هذه القوة المغناطيسية، يطلق النجم تيارات من الجسيمات المشحونة والرياح الكونية التي تصطدم بالغاز والغبار المحيط به، لتقوم «بنحت» هذا الشكل الذي نراه اليوم كيدٍ بشرية.
أصابع من طاقة
يرى العلماء أن ما نطلق عليه «يداً» هو في الواقع ما يُعرف بـ «سديم رياح النجم النابض. فـ«الأصابع» الممتدة في الفضاء ليست أجساماً صلبة، بل هي مناطق يتم فيها دفع الطاقة والجسيمات المشحونة إلى الخارج بقوة الدوران والمغناطيسية. أما «الكف» فهي المنطقة الأكثر سطوعاً وكثافة، حيث تتركز الطاقة بالقرب من النجم النابض نفسه.
ورغم هذا التفسير العلمي، لا يزال هناك سؤال يلاحق الباحثين في ناسا: لماذا اتخذ هذا السديم تحديداً هذا الشكل البشري الدقيق؟. تشير النظريات الحالية إلى تفاعلات معقدة بين المجالات المغناطيسية والمواد المحيطة، لكن لا توجد حتى الآن إجابة واحدة تشرح كل التفاصيل الدقيقة للأصابع ومفاصل اليد الكونية. إنها بيئة فيزيائية متطرفة لا يمكن محاكاتها في أي مختبر أرضي، مما يجعلها مختبراً طبيعياً لدراسة حدود العلم.
لا تتوقف الألغاز عند حدود هذه اليد؛ ففي ذات السياق الزمني والبحثي، رصد العلماء ظواهر أخرى تتحدى المنطق الكوني التقليدي. فقد تم اكتشاف ما يُعرف بـ«صليب أينشتاين» الذي يخفي خلفه نجوماً يُعتقد أنها أقدم من المجرة نفسها، وهو أمر وصفه العلماء بأنه «من المفترض ألا يكون موجوداً أصلاً» وفقاً للنماذج الحالية لتطوّر الكون.
إلى جانب ذلك، انحرفت «ذرة» من المادة المضادة لأول مرة كموجة، وهو اكتشاف يأمل العلماء أن يساعد في اختبار أعمق ألغاز الجاذبية وفهم السبب وراء وجود المادة في كوننا. كل هذه الظواهر، بما فيها اليد المتوهجة، تؤكد أننا نعيش في كون مليء بالمحركات الصغيرة التي تشكل مناطق كاملة من الفضاء، وتتحكم في مصائر مجرات عبر الحركة والمغناطيسية والطاقة التي لا نزال نحاول فهمها.