على تخوم المنظومة الشمسية، حيث تصطدم الرياح الشمسية بالجسيمات المجرية العاتية، تبدأ مهمة مسبار "إيماب" (IMAP) في رصد "الغلاف الشمسي" الذي يمثل حائط الصد الأول للحياة فوق كوكبنا.مسبار "إيماب" يجسد الدور الفعلي لـ "حارس الشمس" الجديد، حيث وُضع في مدار استراتيجي ليعمل كخط الدفاع الأخير، موفراً خرائط بيئية عالية الدقة لمنطقة لم تصلها عين التكنولوجيا من قبل، بهدف تحصين البنية التحتية العالمية من تقلبات الطقس الفضائي.
الدرع الغامض
يحيط بنظامنا الشمسي درع طبيعي ومثير للحيرة يُسمى "الغلاف الشمسي" (Heliosphere)، وهو ما انطلقت المهمة الجديدة لمساعدة الفلكيين على فهمه بشكل أفضل. يتشكل هذا الغلاف بواسطة الرياح الشمسية، وهي تدفق مستمر من الجسيمات المشحونة التي تنبعث من الشمس، حيث يعمل كفقاعة هائلة تحمي الكواكب في نظامنا الشمسي من الإشعاع الكوني الذي يتخلل مجرة درب التبانة، موطننا الكوني.
وبالإضافة إلى المجال المغناطيسي الواقي للأرض، يلعب الغلاف الشمسي دوراً رئيسياً في سبب إمكانية الحياة على كوكبنا، وكيف ربما وجدت يوماً ما على كواكب أخرى مثل المريخ.
ساهمت أكثر من ست مهمات في كيفية فهم الفلكيين للغلاف الشمسي، وقد جمع مسبارا "فوييجر" بيانات رئيسية بعد خروجهما من الغلاف لاستكشاف الفضاء بين النجوم. لكن مهمة "إيماب" الجديدة، أو "مسبار رسم الخرائط والتسريع بين النجوم"، صُممت للتحقيق في كيفية تشكيل الشمس لرياحها، وكيف تتفاعل تلك الرياح مع الفضاء عند حدود الغلاف الشمسي.
سد الفجوات
تبدأ هذه الحدود على مسافة تعادل ثلاثة أضعاف المسافة بين الأرض وبلوتو، وفقاً لوكالة ناسا. ستعمل الأدوات العشر للمركبة الفضائية على سد الفجوات في الخريطة الحالية للغلاف الشمسي، مما يساعد في شرح كيفية حماية نظامنا من الأشعة الكونية الأكثر طاقة في الكون.
انطلق مسبار "إيماب" جنباً إلى جنب مع مهمتين آخريين لطقس الفضاء يوم الأربعاء الماضي ، للمساعدة في التنبؤ بالعواصف الشمسية التي قد تؤثر على كوكبنا. يمكن للإشعاع القاسي الناتج عن العواصف أن يعرض رواد الفضاء في محطة الفضاء الدولية للخطر ويتداخل مع الاتصالات وشبكات الكهرباء والملاحة وعمليات الراديو والأقمار الصناعية.
وقد وصف الدكتور جو ويستلاك، مدير قسم الفيزياء الشمسية في ناسا، هذه المجموعة من المهمات بأنها "أقصى درجات الكارفول الكوني" (Cosmic Carpool)، مؤكداً أنها ستوفر رؤية غير مسبوقة لطقس الفضاء الذي يؤثر على كل إنسان على وجه الأرض.
خرائط دقيقة
تم وضع نظرية الغلاف الشمسي لأول مرة في أواخر الخمسينيات من قبل علماء حققوا في مفهوم الأشعة الكونية والرياح الشمسية. ورغم أن مسباري "فوييجر" قدما لمحات مثيرة، إلا أن مسبار "إيماب" يمتلك القدرة على استكشاف ورسم خرائط للحدود بشكل لم يسبق له مثيل بفضل أدوات ذات تصوير أسرع ودقة أعلى بـ 30 مرة.
وبمجرد وصوله إلى مدار يبعد حوالي مليون ميل (1.6 مليون كيلومتر) عن الأرض في غضون ثلاثة أشهر، سيلتقط ملاحظات للرياح الشمسية في الوقت الفعلي ويقيس الجسيمات التي تسافر على مسافات تتراوح بين 6 إلى 9 مليارات ميل (9.7 إلى 14.5 مليار كيلومتر).
انطلق مسبار "إيماب" برفقة مرصد "كاروثرز جيوكورونا" التابع لناسا ومهمة "SWFO-L1" التابعة لـ NOAA على متن صاروخ فالكون 9 التابع لشركة سبيس إكس. بينما يراقب مرصد "كاروثرز" الطبقة الخارجية لغلاف الأرض الجوي (الإكسوسفير)، ستعمل مهمة "SWFO-L1" ككاشف للعواصف الشمسية لتوفير تحذيرات مبكرة لرواد الفضاء والأقمار الصناعية.
يمكن إرسال صور العواصف الشمسية من هذا القمر الصناعي في غضون 30 دقيقة فقط، بينما كانت المهمات الحالية تستغرق ما يصل إلى ثماني ساعات، مما يجعله شريان حياة لضمان جاهزية العالم لما قد ترسل الشمس في طريقنا.