لم يكن تناول الطعام في الفضاء يوما تجربة ممتعة في بدايات استكشاف البشر للكون، عندما انطلق رائد الفضاء السوفييتي يوري غاغارين في رحلته التاريخية، أصبحت وجبته معجون اللحم والكبد مع صلصة شوكولاتة ، أول طعام يتناوله إنسان خارج الأرض. لم تكن وجبة شهية بأي معيار، لكنها كانت بداية عصر جديد. وحتى رواد ناسا الأوائل لم يحظوا بأفضل حال؛ إذ اضطروا إلى تناول مكعبات صغيرة، ومساحيق مجففة بالتجميد، وسوائل شبه سائلة داخل أنابيب ألومنيوم، في تجربة وصفها كثيرون بأنها غير مستساغة وصعبة التحضير.
كان التحدي الأكبر يتمثل في انعدام الجاذبية وضيق المساحة. الفتات المتطاير قد يتحول إلى خطر حقيقي إذا دخل الأجهزة الحساسة أو حتى رئتي رائد الفضاء. لذلك لم تكن السندويشات خيارا مثاليا، كما أن إعادة ترطيب الأطعمة المجففة لم تكن دائمًا سهلة. ومع تطور المهمات الفضائية وامتداد مدتها، أصبح تحسين جودة الطعام ضرورة نفسية وصحية، وليس مجرد رفاهية.
اليوم، ومع اقتراب مهمة «أرتميس 2» التي ستأخذ رواد الفضاء في رحلة حول القمر على متن مركبة أوريون، كشفت ناسا عن قائمة طعام جديدة توصف بأنها الأكثر تنوعًا في تاريخ الرحلات القمرية. لكن خلف هذا التنوع تقف معايير صارمة؛ فلا إمكانية لإعادة التموين أثناء الرحلة، ولا مجال للتبريد التقليدي أو إضافة أطعمة في اللحظات الأخيرة. كل وجبة يجب أن تكون مستقرة، آمنة، سهلة التحضير، وقابلة للأكل في بيئة منعدمة الجاذبية، مع تقليل الفتات إلى الحد الأدنى.
سيسمح لرواد «أرتميس 2» باختيار مشروبين بنكهات مختلفة يوميا. وتشمل الخيارات القهوة، والشاي الأخضر، وعصائر متعددة مثل التفاح والأناناس والليمون والمانجو والخوخ، إلى جانب مشروبات إفطار بنكهات الشوكولاتة والفانيليا والفراولة، والكاكاو. هذه التشكيلة تمنح الطاقم قدرًا من التنوع اليومي الذي كان غائبًا عن المهمات الأولى.
أما على صعيد الأطعمة الصلبة، فالقائمة تحمل مفاجآت لافتة. سيصطحب الطاقم 58 خبز تورتيلا، وهو بديل مثالي للخبز التقليدي لأنه لا ينتج فتاتًا، إضافة إلى خبز القمح المسطح. ومن بين الأطباق الرئيسية: صدر بقري مشوي، ومعكرونة بالجبن، وبروكلي غراتان، وفاصوليا خضراء متبلة، وكيش الخضار. حتى الكسكس حاضر في القائمة، إلى جانب غرانولا التوت الأزرق وسجق الإفطار.
ولعشاق النكهات القوية، تتوافر خمسة أنواع من الصلصات الحارة، بالإضافة إلى الخردل والمربى والعسل وزبدة الفول السوداني وزبدة اللوز. صحيح أن القائمة تبدو أقرب إلى وجبات أرضية متكاملة مقارنة بأنابيب المعجون القديمة، إلا أن القيود التشغيلية تظل حاضرة. فبعض الأطعمة المجففة تحتاج إلى إعادة ترطيب باستخدام موزع مياه خاص في مركبة أوريون، وهو غير متاح خلال مراحل معينة مثل الإطلاق والهبوط. لذلك تُخصص لتلك الفترات أطعمة جاهزة للأكل دون تحضير.
تتضمن أنظمة التحضير سخانا صغيرا بحجم حقيبة، يُستخدم لتسخين الطعام بعد إعادة ترطيبه، ما يتيح للطاقم تناول وجبات دافئة حتى في مدار القمر. هذه التفاصيل تعكس حجم التخطيط المطلوب لضمان تغذية متوازنة تحافظ على صحة الرواد ومعنوياتهم خلال المهمة.
على صعيد آخر، واجهت المهمة بعض التحديات التقنية. فقد تأجل إطلاق «أرتميس 2» مؤخرا بسبب مشكلة في تدفق غاز الهيليوم إلى محرك المرحلة العليا من الصاروخ. وأوضحت ناسا أن الخلل كان في وصلة فصل سريع تعيق مرور الهيليوم من الأنظمة الأرضية إلى الصاروخ. عمل المهندسون على إزالة الوصلة وإعادة تجميع النظام، وبدأوا اختبارات تحقق لضمان حل المشكلة بالكامل.
حددت الوكالة عدة تواريخ محتملة للإطلاق خلال أبريل، مع إمكانية فتح نافذة جديدة كل شهر إذا استدعى الأمر. وبينما يواصل المهندسون استعداداتهم، ينتظر العالم انطلاق المهمة التي تمثل خطوة محورية في برنامج العودة إلى القمر.
