بعد نحو 15 عاماً من التجوال فوق تضاريس المريخ القاسية، واجهت المركبة الجوالة «أوبورتيونيتي» أقسى اختبار في تاريخها عندما اجتاحت الكوكب عاصفة غبارية هائلة حجبت ضوء الشمس وخنقت مصدر طاقتها الوحيد. وبينما حاول مهندسو ناسا إبقاء الاتصال قائماً لأشهر طويلة، خيّم الصمت على واحدة من أنجح مهمات استكشاف الفضاء. فكيف تحولت العاصفة الكبرى إلى الفصل الأخير في قصة "أسطورة المريخ"، وما الذي حدث في الأيام الأخيرة قبل أن تتوقف المركبة عن إرسال إشاراتها إلى الأرض؟
لم تكن مجرد مركبة جوالة عادية، بل كانت شاهدة على واحدة من أعظم مغامرات البشر خارج الأرض، "أوبورتيونيتي"، مركبة ناسا التي جابت سطح المريخ لسنوات طويلة، أنهت رحلتها داخل عاصفة غبارية هائلة حجبت الشمس وقطعت آخر خيوط الاتصال بينها وبين كوكبنا.
بدأ عصر المركبات الجوالة الحديثة على المريخ مع مهمات لاحقة في 2012 و2021، لكن الطريق كان قد مهدته محاولات مبكرة؛ مثل "سوجورنر" عام 1997، ثم التوأمان "سبيريت" و"أوبورتيونيتي" اللتان هبطتا عام 2004 في منطقتين متقابلتين من الكوكب الأحمر بحثًا عن دلائل الماء والحياة القديمة. وخلال مهمتها، حققت "أوبورتيونيتي" إنجازا تاريخيا حين عثرت على أدلة تشير إلى أن المريخ ربما كان صالحا للحياة الميكروبية في الماضي البعيد.
ورغم أن عمرها التشغيلي كان مخططا له 90 يوما مريخيا فقط، واصلت العمل لأكثر من 14 عاما، قاطعةً مسافة تجاوزت 45 كيلومترا، لتصبح أول مركبة جوالة تُكمل "ماراثونًا" على كوكب آخر. أما شقيقتها "سبيريت" فاستمرت في إرسال البيانات العلمية لأكثر من ست سنوات، قبل أن تتوقف هي الأخرى.
في يونيو 2018، ضربت عاصفة غبارية عالمية المريخ، فدخلت "أوبورتيونيتي" في حالة سبات بعدما حجبت الأتربة ضوء الشمس عن ألواحها الشمسية. حاول مهندسو ناسا إعادة الاتصال بها لأكثر من ستة أشهر، وأجروا أكثر من ألف محاولة، قبل أن يعلنوا رسميًا نهاية المهمة في فبراير 2019.
انتشرت لاحقا عبارة مؤثرة نُسبت لآخر رسالة من المركبة: "بطاريتي منخفضة والظلام يحلّ". لكن الحقيقة أنها لم تكن رسالة حرفية، بل ترجمة تقريبية قدمها صحفي علمي لوصف البيانات التي وصلت للمهندسين، حيث أظهرت أن السماء أصبحت مظلمة للغاية وكأن الليل حلّ في وضح النهار، وفقا لموقع "iflscience".
أما آخر ما أرسلته "أوبورتيونيتي" فكان صورة مظلمة ومشوشة التُقطت في 10 يونيو 2018 من وادي بيرسيفيرانس. التقطت الصورة بعدسة "بانكام" الموجهة نحو الشمس، لكن العاصفة حجبت الضوء، فبدت السماء قاتمة وامتلأت الصورة بالتشويش، قبل أن ينقطع الإرسال تاركًا الجزء السفلي غير مكتمل.
وهكذا انتهت رحلة إحدى أنجح مهمات استكشاف الكواكب في تاريخ ناسا، مركبة صغيرة صنعت تاريخا كبيرا، وتركت خلفها إرثًا علميًا مهد الطريق لمهام المريخ المستقبلية. لقد صمدت طويلًا، ثم استراحت أخيرا بعد رحلة استثنائية على سطح الكوكب الأحمر.
